الليلة الأخيرة…
في الغرفة المغلقة, حيث لا شيء سوى رائحة العرق والتفسخ, علمونا التطريز وصنع أشكال من الخرز يبيعها السجان.
مطرزات قبيحة وأشكال خرزية مضحكة حيث لا شيء يجعلك تبدع.
بين قطبتي تطريز, بين خرزتين أسافر خلسة الى غرفتي الصغيرة على سطح بيتنا. أراني أعلق صور جيفارا وفيروز والشيخ امام على جدرانها وأقرأ خربشات أصدقائي على بابها الخشبي المخلع :
أين أنت يا دوارة؟
استعرت كتاب غارسيا من مكتبتك , هذه المرة صدقا سأعيده.
لا تنسي موعدنا الاسبوع القادم أحضري معك شريط زياد الرحباني الأخير.
أنجديني محتاجة 200 ليرة سأعيدها حين يرسل أهلي مصروفي.
يا بايخة لم أقفلت باب الغرفة على غير العادة , انتظرت كمتسول على بابك ساعتين, شكرا لله أن أحدا من أهلك لم يلاحظ وجودي
أصغي الى وقع أقدامهم يصعدون سلم البيت بضجيج ويعودون على رؤوس أصابعهم حتى لا ينتبه أهلي الى بقائهم عندي الى وقت متأخر
كنت أحب الجلوس قرب نافذة الغرفة في الليالي المقمرة أحلم وأعد النجوم أما دفتري فيصبح صديقي في الليالي المعتمة.
أذكر تلك الليلة حين تلقيت رسالتك. مثل فتاة خرقاء رحت أتشمم زرقة غلافها الذي لم أفضه الا بعد أن أعددت القهوة وشغلت المسجلة على يا طير يا طاير على حدود الدني لو فيك تحكي للحبايب شو بني ياطير.
وأنا أقرأ رسالتك أخفضت صوت فيروز رويدا رويدا الى أن أطفأت المسجل. لم تعد أغنيتنا المشتركة موائمة لفحوى الرسالة.
أخبرتني أنك صرت وزيرا للورد ووعدتني بكل بساتين مملكتك في بلاد واق الواق. أنت لم تدرك للأسف أن زهورك التي بلا رائحة لا تساوي عطر ياسمينة متعربشة على جدار بيت جدَي الطيني العتيق في حارات دمشق القديمة, ولا تشبه جناح وردة مسروقة من سياج حديقة السبكي.
مثل أي فارس مهزوم حمَلتني تبعات خساراتك, وألقيت على ظهري عبء انكسارات جيل بأكمله.
ما زالت تؤلمني أصابعي التي نسيتها على صبار صدرك. ورغم كل الوقت المتاح في هذه الغرفة المغلقة , فإن هذا الوقت ليس ملكي ولا أجد الفرصة لأنتزع أشواكك عن يدي.
لا أرغب أن أعد الساعات وأصابعي ما زالت عالقة هناك. وددت لو أكف عن ذكرياتي معك وأن أرخي حبال سفينتي كي لا تستجيب أشرعتها المتهالكة لسموم رياحك الغادرة.
. ………………………….
نزيلة جديدة حلت محل احداهن. جلبت معها فراشا نظيفا وأشياء كثيرة تشبه حلما مستحيلا مثل السجائر والأقلام وقلم حمرة وملقط لشعر الحاجبين.
لم تفصح عن تهمتها لكن بدت وكأنها قادمة لتستريح من صخب الخارج.
لَمَحتْ بعض الخربشات التي أخطها في غفلة عن الأعين. نعم. كنت أرسم بما تيسر لي من رماد سجائر, تفل القهوة وأقلام مكياج نبادل بها حصتنا من بيع المطرزات.
كنت أرسم ما تبقى في رأسي من لحظات حلوة هاربة, أرسم أحلامي الضائعة كي لا أنساها, أرسم وجهك الذي بدأت تضيع ملامحه. أخبئ اللوحة أياما ثم أحرقها ثم أعود لأرسم خلسة كي أستطيع أن أتخلص من سموم تلك العلاقة, فرغم تخليك عن كل ما حلمنا به, ورغم أنني شهدت رحيل طيورك من نافذة غرفتي التي كانت على السطح, الا أنني ما زلت لم أعتد على العيش في عالم بلا حب. وما زالت بضع أغنيات شفيفة تدندن في حلقي ولم تهتدي الى فضائها فأرسمها ثم أحررها كي تسافر مع الدخان الى وطن الأغنية الذي لم يعد صدري.
اذن ليس في الغرفة المغلقة أسرار, لقد رأت النزيلة التي لم تذكر اسمها اوراقي.
قالت رسوماتك جميلة, لماذا تحرقينها.
تجاهلت سؤالها. علقتْ, على كل حال الأمر يخصك ولكن لدي عرض لك أتمنى أن توافقي. هذه رسمة صغيرة, أريدك أن تحوليها الى لوحة مكبرة, أرغب أن أهديها الى شخص يهمني أمره وسأكافئك بمبلغ من المال.
مبلغ من المال جدير بالمحاولة , قلت لنفسي.
أمّنت لي ورقا فاخرا وأقلام تلوين, والأهم أفسحت لي زاوية ملائمة استأجرتها من ذوات السطوة في الغرفة وفوق ذلك مسجلة صغيرة بسماعتين وأشرطة موسيقى. ترف لم أحلم به. حتى القهوة والسجائر حصلت عليها. لم أحاول أن أسأل كيف حصلت على كل تلك الثروات. المهم أنها وصلتني.
بدأت أعمل. أنا الآن في عالم ومناخ آخر. اللوحة بسيطة , هي سفينة تقاوم الغرق, الأمواج تلطمها من كل جانب , تميل قليلا, لكنها تمد أشعتها بوجه الريح وتأبى الغرق.
أعمل طوال النهار ولا أتعب. لا أدري أهي رغبة في اطالة الوقت لأحصل على أكبر قدر من الثروات أم هو سحر تلك اللوحة ,الحقيقة أنني عشقتها, أحببت ميلان دفتها ومقاومتها للريح التي تعصف بها ورغم تهالكها أعطيت لشراعها لونا ورديا ونثرت أزهارا ونجوما على صدرها. وقفت على سطحها, تأملت الأزرق من حولها, تنفست هواءً بارداً ونقياً من فضائها, سمعت غناء بحارة ومواويل عشق ومناجاة, دخلت حجراتها واحدة واحدة ثم استرحت في قمرة القيادة.
اللوحة تشرف على الانتهاء وتؤسس غصة عميقة في صدري, صرت أرسم خطا اليوم وأمحوه غدا.
المرأة تسألني يومياً ,هل انتهيت؟ فأهز رأسي نافية وأترك بعض الرتوش دون إنجاز.
كلما توغلت بخطوط اللوحة وألوانها فقدت أصابعي بعض آلامها. الموعد يقترب والمرأة تلوّح بالآلاف الثلاثة في يدها وتحدد الغد لتسليمها.
أنا ولوحتي في ليلتنا الأخيرة. غافلت المرأة فرشت اللوحة تحت رأسي تماماً حضنتها بأصابعي المعافاة ورحت في غيبوبة لذيذة.
في الصباح كانت أمواج مالحة شكلتها عيناي قد أغرقت السفينة.