محادثات واشنطن ونقطة عدم الالتقاء بين إسرائيل ولبنان


تقديم:
تستضيف واشنطن، يوم 14 مايو/أيار، جولة محادثات بين إسرائيل ولبنان، تتزامن مع انقضاء مهلة الشهر التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لوقف إطلاق النار. وقد شمل وقف إطلاق النار العاصمة بيروت، فيما بقي الجنوب اللبناني ساحة لمعارك مستمرة، بل شهد تصعيداً متواصلاً بين إسرائيل وحزب الله.
ولا تقتصر الجولة الحالية على مستوى السفراء، إذ يشارك عن الجانب اللبناني المبعوث الرئاسي سيمون كرم، وعن الجانب الإسرائيلي نائب رئيس مجلس الأمن القومي يوسي دريزنين، إلى جانب ضباط كبار من الجيش الإسرائيلي.
في القراءة:
نظراً لكون الأولوية اللبنانية تتمثل في الوقف الفوري لإطلاق النار، تنقل المصادر الإسرائيلية” أن الموقف اللبناني يقوم على هذا المبدأ وضرورة تطبيقه بالكامل، إضافة إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية حتى الحدود الدولية، ونزع سلاح حزب الله لبنانياً. فعلياً، يتمثل مطلب الدولة اللبنانية في استعادة سيادتها داخلياً وخارجياً على السواء.
في المقابل، فإن حصر تطبيق وقف إطلاق النار ببيروت، بما فيها الضاحية الجنوبية، لا يوقف ما هو أبعد أثراً من مجرد إطلاق النار، والمقصود هنا إقامة منطقة عازلة إسرائيلية بعمق 7 إلى 8 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، مع استدامة نزوح سكان الجنوب وهدم قراهم وبلداتهم ومخيماتهم، وإقامة استحكامات عسكرية تضمن، وفقاً للرؤية الإسرائيلية، عدم قدرتهم على العودة إلى أراضيهم وبيوتهم في حال بقي أي منها قائماً.
ووفقاً للتقديرات الإسرائيلية، فإن المستويين السياسي والعسكري يعيشان حالة ترقب قصوى وجهوزية كاملة لاحتمال تجدد الحرب مع إيران في حال فشلت محادثات بكين بين الرئيسين ترامب وشي جين بينغ. كما تخشى إسرائيل أن يتم استبعادها، حتى بمفهوم التنسيق، عن نتائج هذه القمة.
في محاضرة ألقاها أمام الكلية الأكاديمية “نتانيا” بتاريخ 14 مايو/أيار، ألمح مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جيك ساليفان إلى أن المأزق الاستراتيجي الأمريكي الحالي هو نتيجة الحرب على إيران، مشيراً إلى أن هذا المأزق نتج عن قبول ترامب بالفرضيات والتقديرات الإسرائيلية. كما أكد ساليفان أن قناعة أمريكية واسعة آخذة بالتشكل، مفادها أن مصالح الولايات المتحدة وإسرائيل لم تعد متطابقة بالكامل، الأمر الذي يدفع قطاعات من النخب السياسية والرأي العام الأمريكي إلى طرح أسئلة صعبة بشأن جدوى استمرار الدعم الأمني الأمريكي غير المشروط لإسرائيل.
وتؤكد هذه التقديرات أن حالة الترقب والجهوزية القصوى في إسرائيل تعكس خشيتها من توصل الولايات المتحدة والصين إلى صيغة تفاهم يمكن أن تتبناها واشنطن وطهران، آخذاً في الاعتبار شبكة العلاقات الصينية-الإيرانية التي تجعل بكين قادرة على التأثير في اتجاه إنهاء الحرب. ومن المتوقع أن تشمل أي تفاهمات محتملة ملفات التهدئة الإقليمية، بما فيها لبنان، وهو ما تعتبره إسرائيل أحد أكثر السيناريوهات إثارة للقلق استراتيجياً، كما يخشاه نتنياهو سياسياً وانتخابياً.
يعتقد نتنياهو أن الشهرين المقبلين سيكونان مصيريين بالنسبة للحرب ولمكانة إسرائيل الاستراتيجية، التي تكاد تجمع التقديرات، بما فيها الإسرائيلية، على أنها شهدت تراجعاً ملموساً. وقد وصل الأمر إلى حد تهديده حزب “يهود التوراة” الحريدي الأشكناري، في حال حل الكنيست اعتباراً من أول يونيو/حزيران والدخول في معركة انتخابية، بأنه لن يكون قادراً على إدارة الحرب والانتخابات معاً. وطالب نتنياهو الحريديم بالقبول بجدول أعماله، معلناً نيته تعويضهم عن عدم تشريع قانون إعفائهم من الخدمة العسكرية عبر خطة خماسية تضمن لهم ولمؤسساتهم مئات المليارات من الشواقل. وتشير التحليلات الإسرائيلية إلى أن هذه الوعود ذات طابع انتخابي هدفها تأمين بقائه السياسي وإحداث انقسام داخل التيار الحريدي.
ويعكس هذا الإرباك حقيقة أن المخارج المتاحة أمام نتنياهو ليست بالضرورة متيسرة، فيما بات الملف اللبناني، في حال صدور قرار أمريكي بوقف الحرب، يمثل المأزق الأكبر بالنسبة له ولحكومته. وتشير تقديرات إلى وجود رغبة داخل إدارة ترامب بالتخلص من حكم نتنياهو، إلا أن الانتخابات الإسرائيلية تعقّد أي احتمالات للتوصل إلى حل سياسي شامل في لبنان، باستثناء الإبقاء على الحل الأمني القائم حالياً والمتمثل في وقف إطلاق نار جزئي ومحدد جغرافياً.
ورغم رفع مستوى تمثيل الوفدين المفاوضين من السفراء إلى المسؤولين الأمنيين، فإنه لا يبدو أن هذه الوفود تمتلك صلاحيات الحسم في ملفات تتجاوز الترتيبات الأمنية إلى ترتيبات سياسية تقود إلى حل شامل، كما تطمح الدولة اللبنانية.
حتى الآن لا يبدو أن إسرائيل مستعدة، ، للانسحاب الكامل من الجنوب اللبناني إلا في حال وجود قرار أمريكي حاسم وواضح، وهو ما لا يبدو متوفراً في المرحلة الراهنة. وفي المقابل، فإن بقاء إسرائيل في الجنوب وترسيخ قواعدها والمنطقة العازلة يتناقض مع المساعي اللبنانية لنزع سلاح حزب الله داخلياً وبالتوافق.
كما تسود قناعة لبنانية بأن نزع السلاح، حتى لو تحقق، لا يضمن بالضرورة الانسحاب الإسرائيلي، ويستند هذا التصور إلى الحالة السورية، حيث اقتطعت إسرائيل مساحات واسعة من الجنوب السوري وتموضعت فيها عسكرياً رغم غياب أي تهديد أمني سوري مباشر تجاهها.
ويدور حديث عن إمكانية نشر قوات دولية تتولى مهمتين متلازمتين: ضمان قيام الجيش اللبناني بنزع السلاح، وضمان انسحاب إسرائيل في المقابل. ويأتي هذا الطرح في سياق اقتراب انتهاء مهام قوات الطوارئ الدولية “اليونيفيل”، في وقت لا تبدو فيه احتمالات تجديد قوامها أو تعديل وظيفتها أمراً وارداً.
ويضع هذا الواقع مسؤوليات أكبر على الولايات المتحدة، إلا أنه لا يبدو أيضاً أن واشنطن مستعدة لفرض الانسحاب الإسرائيلي من تلقاء نفسها. وهنا تندرج المساعي المصرية والسعودية الهادفة إلى بلورة ما يشبه “اتفاق الطائف” جديد، وهي مساعٍ تترافق مع ضغوط على واشنطن وتخوف أمريكي من تراجع نفوذها الإقليمي، فيما يبقى التأثير الفرنسي محدوداً على القرار الأمريكي.
في الخلاصة:
* رغم الجولة الثالثة من المفاوضات ورفع مستوى تمثيل الوفدين، فمن المستبعد حدوث تحول جوهري باتجاه الموقف اللبناني الرسمي، كما أن غياب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو يقلص احتمالات تحقيق اختراق حقيقي، ما يرجح أن يكون القرار الأمريكي في هذه المرحلة هو تمديد وقف إطلاق النار لأسابيع إضافية.
* يبدو أن احتمالية الحسم في الملفات الإقليمية ستبقى مرتبطة بمخرجات قمة بكين بين الرئيسين شي جين بينغ ودونالد ترامب. وفي حال التوصل إلى تفاهمات مقبولة أمريكياً وإيرانياً علنيةً كانت ام سريّة، قد تتراجع احتمالات التصعيد في لبنان إذا قررت إدارة ترامب الربط بين ملفات الجبهات المختلفة لإنتاج تسوية أوسع، وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة انسحاباً إسرائيلياً قريباً إلى الحدود الدولية.
* لبنانياً، وفي حال التوصل إلى تفاهمات دولية وإقليمية، فمن المتوقع أن تشمل ترتيبات لنزع السلاح بما يسمح باستعادة الدولة اللبنانية لسيادتها. ومع ذلك، تبقى احتمالات التصعيد الإقليمي قائمة، بما يهدد سيادة لبنان واستقراره الداخلي.
* تبقى الانتخابات الإسرائيلية عاملاً مؤثراً في مسار التطورات. وفي حال تدهور وضع نتنياهو الانتخابي، قد يدفعه ذلك إلى مزيد من التصعيد في لبنان باعتباره ورقة انتخابية رابحة، رغم أن كثيراً من التقديرات ترى أن هذه المقامرة قد تسرّع سقوطه السياسي وحكومته بدلاً من إنقاذهما.
عن مركز تقدم للسياسيات