ما قبل أوسلو وما بعده … مناقشة لأطروحات أسعد غانم

ينطلق مؤلف كتاب (القضية الفلسطينية بعد اوسلو – تحديات داخلية وخارجية وآفاق الخروج من المأزق) الدكتور أسعد غانم من التأكيد على أن الحركة الوطنية الفلسطينية وقياداتها وفعالياتها قد أخفقت في تحقيق مطلب الحرية والاستقلال، وأن المطلوب راهنا هو العمل والبحث لإعادة ما اسماه ببناء التصور المستقبلي لمعنى الهوية الفلسطينية الجامعة لعموم أبناء الشعب الفلسطيني. ولأن هذه الفرضية يعتبرها الكاتب مسلمة وأساسية، فقد بنى عليها اطروحاته التي قدمها في كتابه الذي يضم العديد من الدراسات والمقالات نشرت أغلبها في مجلات متخصصة، وبعضها بالاشتراك مع كتاب أخرين، لكن أرى من الأهمية بمكان التأكيد على أن الحركة الوطنية الفلسطينية لا تشمل فقط الأطر التنظيمية الفاعلة أو العاطلة عن الفعل، بل هي روح الشعب الفلسطيني، هذه الروح استعصت على الانكسار أو الهزيمة، هي تمر بفترات خمول لكنها كانت وما زالت عصية على الانكسار بالمعنى التاريخي، ولم تُسلم أبدا بالهزيمة، ولم تعترف أبدا أن ليس لديها حق تاريخي في فلسطين، فالنضال على السردية ما زال على أشده، رغم إصرار الإسرائيليين على أن المفاوضات يجب أن تكون على الراهن لا السابق التاريخي، وأن التأسيس يجب على اللاحق انطلاقا من الراهن، وليس بالعودة إلى السرديات. لهذا فإن أي دعوة لإعادة بناء التصور المستقبلي لمعنى الهوية الفلسطينية الجامعة لعموم أبناء الشعب الفلسطيني لا معنى لها ما لم تأخذ أصلا وحدانية الشعب الفلسطيني، أي أن هذا الشعب ينتمي إلى أصل واحد، وأن روايته رواية واحدة، وأن مصيره يتحدد على ضوء مصالح الكل لا الجزء.

لنمضي في مناقشة العديد من الاطروحات التي جاءت في الكتاب، ففي الفصل الأول الذي جاء تحت عنوان: ” قرن على الحركة الوطنية الفلسطينية-من الولادة وحتى التعثر” يحاول أن يقدم سردا تاريخيا لمسار الحركة الوطنية الفلسطينية، لكنني لم أجد مسوغات تاريخية لربط ولادة الحركة الوطنية الفلسطينية بمعركة ميسلون التي استشهد فيها القائد السوري يوسف العظمة حينما تصدى للاحتلال الفرنسي، وبات رمزا وطنيا سوريا بامتياز.

المؤلف يضعنا أمام مفارقة قد تبدو مدهشة ومفاجئة بالوقت نفسه، إذ أن تشكل الهوية الوطنية الفلسطينية كان بفضل “حدوث اللحظة المؤسسة في التاريخ الفلسطيني الحديث وهي هزيمة الجيش العربي بقيادة يوسف العظمة في معركة ميسلون ضد المستعمر الفرنسي وجيشه بقيادة غورو”، كما يقول، ويتبع استنتاجه بأن تشكيل الهوية الوطنية كان بفعل ما أحدثته اتفاقية سايكس بيكو بين الدول الاستعمارية.

ودعني أتساءل، أيضا، هل تشكّل الهوية الوطنية الفلسطينية كان بفعل وجود الكيانات الاحتلالية لبلادنا، أي أن هذا التشكل جاء في خضم الصراع مع القوى الاستعمارية، وبالتالي بات كل قطر عربي يُشكل كينونته القطرية، ويجمع خصوصيته المحلية اعتمادا على جملة من المعطيات التاريخية، لكن في إطار الصراع مع هذه القوى الاستعمارية أو تلك. أو لنسأل هل كان تشكل الوعي بالذات الفلسطينية متقدما على الوعي بالذات العربية أو الإسلامية أم كان الحاصل هو العكس. ربما كان من المهم عدم تحديد تاريخ مفصلي لتشكل الهوية الوطنية الفلسطينية، إذ هي كما سبق وأوضحنا هي بمثابة روح الشعب واحساسه بكينونته وتصديه للخطر الخارجي، وفي الحالة الفلسطينية أتى تشكل الهوية الفلسطينية بالمعنى الجمعي في إطار المواجهة مع مخططات المشروع الصهيوني بدءا بوعد بلفور وصولا إلى رفض صفقة القرن، ناهيك عن جملة الخصائص السوسيولوجية والتاريخية الجمعية لهذا المكون البشري في هذه البقعة الجغرافية. وهو ما أشار إليه لاحقا حينما أورد ما جاء في المؤتمر الوطني الفلسطيني الثالث الذي عقد في حيفا 1921 ومطالبته باسم أهل فلسطين باستقلال بلادهم وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

أيا يكن فإن تغييرات جوهرية حدثت بالفعل على صعيد القبول بالأمر الواقع، أي الإقرار بحقيقة وجود إسرائيل وعدم إمكانية إزالتها كما كانت الشعارات السياسية تصدح، لكن هذه التغييرات لم تلغي على الاطلاق الوعي الفلسطيني بحقيقة أن فلسطين التاريخية هي وطن لكل الفلسطينيين وهو ما أشار إليه الكاتب نفسه حينما قال بأن أشد المؤيدين للتسوية كان يعتبر خارطة فلسطين التاريخية بمثابة رمز وطني له، لا الوطن/ أو البقعة الجغرافية التي سيتم الحصول عليها جراء التسوية. وهنا ربما تداخل البعد السياسي بكل تعقيداته مع المفهوم السوسيولوجي لمكون الهوية الوطنية الفلسطينية، إذا لا يمكن بحال من الأحوال أن تتغير المكونات السوسيولوجية للهوية الفلسطينية بمجرد تغييرات سياسية حتى لو أخذت عدة عقود في التشكل والتعبيرات السياسية، مما يجعلني أشدد على ضرورة أن يتقدم السياق التاريخي والسوسيولوجي لمعنى الهوية والانتماء للوطن على التغييرات السياسية الطارئة، حتى وان استطالت بتأثيراتها، فالتاريخي لا يتم ازاحته بمجرد حضور قوة الفعل السياسي.

لكن المؤلف أصاب في إضافة عاملين آخرين ساهما في تكوين الهوية الفلسطينية وهما عامل الكفاح المسلح واستقلالية القرار الوطني الفلسطيني. إذ بالفعل تشكل الحالة الفلسطينية حالة فريدة في تشكل وتكون الهوية الوطنية الفلسطينية نظرا لجملة من التعقيدات التي أحاطت بها وصقلتها تاريخيا، وساهمت في نشوء وعي فلسطيني هوياتي متشكل في سياق سيرورة الصراع مع المشروع الصهيوني  إضافة للتفاعلات الحاصلة في جسد المقاومة الوطنية الفلسطينية وعلاقاتها مع الجانب العربي، فقد مثّل الكفاح المسلح والإجماع عليه بمثابة رافعة لهوية جامعة مانعة للوعي الفلسطيني، حاضره ومستقبله، في حين اعتبر استقلال القرار الفلسطيني بمثابة عامل لا يقل أهمية في حضوره عن الكفاح المسلح، بيد أن حضور المقاومة الفلسطينية ونجاحاتها النسبية عسكريا، عزز من فرض عامل استقلال القرار الوطني الفلسطيني، وعزز الشعور لدى الفلسطينيين بأن الأنظمة العربية تسعى لوأد الهوية الفلسطينية، وسحب البساط مع تحت أقدام الفلسطينيين ليكون لهم كيان خاص بهم، يعبر عن طموحاتهم وأمانيهم، وهو ما حصل بالفعل في الحالتين الأردنية والمصرية تحديدا، في الفترة التاريخية الفاصلة ما بين النكبة والنكسة.  لكن الذي حصل أن هذين المبدأين قد تم التنكر لهما بعد أوسلو، إذ وضعت البندقية جانبا، وتم الذهاب إلى المفاوضات مع إسرائيل بعيدا عن التنسيق العربي، وتحت مسمى استقلالية القرار الفلسطيني.

بيد أن المؤلف وفي سياق نقده لما أقدمت عليه قيادة منظمة التحرير ممثلة بزعيمها الراحل ياسر عرفات، اعتبر ان هذا التجاوز في استقلال القرار كان مبالغا فيه، وخصوصا ما اسماه “دول خط المواجهة” أعادنا هذا المصطلح إلى المصطلحات البعثية التي استخدمتها أنظمة ديكتاتورية اختبأت تحت عباءة القضية الفلسطينية، وهي كما يعرف كانت من أشد الأنظمة عداء للفلسطينيين، في حين كان الدافع لعرفات هو البحث عن كيان، كان الرجل مهووسا وحالما وواهما بالوقت نفسه بأن القرار الفلسطيني سوف يجلب له دولة ولو على مساحة قدمه، لكن حلمه سرعان ما بدده بممارسة لا تقل سلطوية عن سلطة وديكتاتورية الأنظمة العربية وفسادها.

بالفعل كما يقول المؤلف فقد شكلت مرحلة ما بعد أوسلو تاريخا فلسطينيا جديدا حمل بكل دلالاته ومعانيه مرحلة تسويغ الاحتلال أو ما اسماها بالضم الزاحف قانونيا واستيطانيا للمناطق ج، فقد تحولت السلطة الفلسطينية من وظيفة إدارة شؤون الفلسطينيين والتحضير لإقامة الكيانية الموعودة إلى دور وظيفي يبالغ في تقديم خدماته الأمنية مع إسرائيل، الأمر الذي أعطى انطباعا  سياسيا للعالم بأن الفلسطينيين قد حصلوا على دولة مقننة بقوانين كولونيالية استعمارية بالغة التعقيد، فكان تجاوب السلطة الفلسطينية إيجابيا مع إسرائيل وفي غاية السلبية إزاء مستقبل الفلسطينيين وحلمهم بإقامة كيانية فلسطينية حقيقة لا سلطة تخضع للسيطرة السياسية والأمنية العسكرية الإسرائيلية. لكن الذي لم يتم الإشارة إليه أن منظمة التحرير أضحت تابعا للسلطة، وتم العمل على تهميشها، وبات الفلسطينيون أمام مرجعية السلطة باعتبارها أعلى من مرجعية المنظمة التي يفترض أنها تمثل الكل الفلسطيني في أماكن تواجده، مما أدى لخسارتها في أن تكون ممثلا للفلسطينيين، وهو ما أدى إلى تغيير كبير في مفهوم وحدة الشعب الفلسطيني ووحدة قضيته، ولعل هذه من النتائج الكارثية لاتفاق أوسلو، ناهيك عن كون تشكل الهوية الفلسطينية قد تشكل وفق منطق لا تاريخي، إذ أن الهوية تتشكل في ظل بقعة جغرافية تشمل قاطنيها، لكن النكبة فرضت على الفلسطينيين أن يشكلوا هويتهم  وهم في أوج صراعهم مع الصهيونية ومشروعها لجثهم من أرضهم وتاريخهم، فكان التشكل الهوياتي في ظل السلطة الفلسطينية تشكلا مشوها يجمع في طياته أبعاد متضادة.

في سياق معالجة المؤلف لانهيار الحركة الوطنية والمأزق الداخلي كان ثمة إصرار على أن الحركة الوطنية الفلسطينية قد استنفدت مهامها الوطنية، أو ما أسماه بحركة وطنية فاشلة، لأنها لم تحقق ما طرحته، أو حتى برنامج الحد الأدنى من الأهداف. بيد أن الموضوع لا يجب أن يأخذ في سياقات حدية، بمعنى أن الحركة الوطنية الفلسطينية بما لها وما عليها، استطاعت تاريخيا تدعيم الإرادة الشعبية الفلسطينية وتحصينها من الانكسار أو الهزيمة، فالمعضلة الكبرى التي واجهت الحركة الصهيونية أن الإرادة السياسية لم تنكسر للفلسطينيين، حتى في أشد اللحظات قتامة ، هذه الإرادة لم تسلم بهزيمتها، ولم تستطع الحركة الصهيونية أن تعلن انتصارها النهائي على المشروع الوطني الفلسطيني، لأن ثمة إرادة تتصدى، وهذه الإرادة لا يمكن تأطيرها برهط من التنظيمات السياسية المهترئة بدءا من فتح وانتهاء بالشعبيتين، بل بالركام الهائل من الرصيد النضالي لإرادة شعب رفض أن يسلم برواية عدوه، وأصر على أن يكون ندا له إلى أن ينزع حقه في الحرية. صحيح أن ثمة تغييرات كبيرة طرأت على المشهد الفلسطيني الداخلي وبروز حركة حماس كمنافس لفتح، أو بديل لـ م.ت.ف، بيد أن تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية زاخر بالانشقاقات والاقتتال الداخلي ولعل الانشقاق الكبير في حركة فتح والاقتتال الذي دعمه النظام السوري كان أشد بؤسا وخطرا بما لا يقل عن ظهور حركة حماس (فتح- الانتفاضة)، ناهيك عن أن كل حركات التحرر عانت من مسألة الصراعات الداخلية التي وصلت في حالات كثيرة إلى حد التصفيات الجسدية والتخوين.

ما أود التأكيد عليه أن الحركة الصهيونية التي سعت منذ بداية مشروعها لتغييب أصحاب الأرض الأصلانيين، ولما استحال لها ذلك سعت لتغييبهم حضاريا، ولما استحال لها ذلك أيضا، سعت لتغيبهم سياسيا، وهنا الفشل التاريخي للصهيونية في تغييب أصحاب الأرض. لا يمكن بحال من الأحوال أن ننكر دور الحركة الوطنية الفلسطينية في المحافظة على شعلة الإرادة الفلسطينية، وعدم تسليمها برواية وسردية عدونا التاريخي إسرائيل، أما في حال نظرنا إلى هذه الحركة باعتبارها التاريخي والسوسيولوجي السياسي فهي حقا قد فشلت ووصلت إلى مأزق تاريخي، وهي بحاجة إلى عملية تطهير تطال كل شيء.

في سياق معالجة الكاتب اسعد غانم لمساهمة فلسطينيين في تعميق الاستعمار الكولونيالي الإسرائيلي، وقد اتخذ من القدس نموذجا، نلاحظ أنه هنا يضعنا أمام حقائق جديرة بالتأمل ولعل أهمها أن الجانب الفلسطيني لم يقم بوضع مخططات حيزية شاملة للقدس الشرقية، حتى لا يتم اغضاب الإسرائيليين. وهو الأمر الذي ترك آثارا بالغة السوء على مسألة الزحف الكولونيالي الاستعماري الإسرائيلي لقضم القدس شيئيا فشيئا، ناهيك عن مسألة القبول الفلسطيني بواقع بقاء احياء أو مستوطنات إسرائيلية والاستعداد لإبقائها تحت سلطات الاحتلال، وهي فكرة قد تم تمريرها للإسرائيليين عبر مفاوضات كامب ديفيد 2000 وفي مفاوضات واتفاق بيلين –أبو مازن(1995)، واتفاق النوايا بين نسيبة – ايلون (2002). وفي هذا السياق قدم العديد من التحليلات لمسألة الدعم الأوروبي لمراكز بحثية تسعى لاستكشاف إمكانية حل مسألة القدس في إطار المفاوضات. لكن ما لم يقدمه المؤلف هو أين كان دور السلطة الفلسطينية في تسويغ مسألة التمدد الاستيطاني الكولونيالي في القدس أو التغاطي عنه، وهل يكفي القول إن أموال الدعم المقدمة من الدول المانحة كان الهدف منها تكوين رأي سياسي لدى الفلسطينيين بأن القدس يجب أن تبقى موحدة وتحت السيطرة الإسرائيلية؟ أعتقد أن هذا الاستنتاج بحاجة إلى كثير من المراجعة فيما لو كان المقصد هكذا تماما.

في البحث الذي عالج تطورات قضية اللاجئين الفلسطينيين في كل من العراق ولبنان وسوريا والأردن قدم عرضا بانوراميا لتطور أوضاع اللاجئين في هذه البلدان، لكن وثيقة بيلين –أبو مازن (1995) قدمت مقاربات تقوم على فكرة التوطين الهادئ. بيد أن هذا المبحث كان ضروريا فيما لو تم تقديم مقاربات سياسية للحركة الوطنية الفلسطينية إزاء مسألة اللاجئين، ناهيك عن مسألة تشكل هويات فلسطينية لها خصوصياتها تبعا لتوزعها الجغرافي، لكن ما يجمعها أن لها قضية واحدة تراها في فلسطين، بغض النظر عن كيفية تحقيق حلمها في العودة إلى مسقط رأس الآباء والأجداد. صحيح أن جوهر المنظور الإسرائيلي لمسألة عودة اللاجئين الفلسطينيين يرفض بالمطلق مناقشة الموضوع خشية الاخلال بالميزان الديمغرافي لإسرائيل، لكن جوهر الرفض يكمن في عدم الاعتراف بمسؤوليتها التاريخية عن ولادة مشكلة اللاجئين بعد حملات التطهير العرقي التي تمت في العام 1948 وما بعده، إضافة إلى أن الموضوع، من وجهة النظر الإسرائيلية، ينبغي أن يتم معالجته في إطاره الإنساني وليس السياسي، وللأسف لم يكن لدى القيادة الفلسطينية نهج واضح وحازم إزاء قضية اللاجئين، بل كان ثمة شعارات يتم استهلاكها في المهرجانات الخطابية والمقابلات الصحفية، وليس غريبا على هذه القيادات أن تفاضل أولوية الحصول على الدولة – الوهم من تحقيق حلم الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم التي طردوا منها. وهو ما تناوله المؤلف بشكل واضح وعميق.

وفي سياق آخر يتناول المؤلف المجتمع العربي في فلسطين، ويتطرق إلى العديد من الإشكاليات التي يعاني منها، ومنها آفة العنف وتصاعدها بحيث باتت تشكل القضية رقم واحد لدى فلسطينيي الـ 48. ويرجع غانم أسباب تفشي ظاهرة العنف إلى ما اسماه بتراجع المرجعيات التي تستطيع ضبط الناس وتنظيمهم، وأن هذه المرجعيات قد تكون أنماطا أو قيما أو أفكارا، وقد تكون مؤسسات، أو حتى قد تتمثل في قيادات فردية لها دور مركزي في التحكم بالحالة المجتمعية،  معتبرا أن هذه المرجعيات تتكون في ثلاثة مجالات أساسية: مرجعيات اجتماعية ودينية، مرجعيات قانونية، ومرجعيات سياسية وطنية. ولعل الكاتب قد أصاب فيما ذهب إليه، بيد أن المشكلة الرئيسية تكمن في كون فلسطينيي الـ 48 مواطنو دولة استعمارية كولونيالية، لا تعترف بهم على أنهم مواطنو الدولة وأصحاب الأرض الأصلانيون، وهنا لا بد من التفتيش عميقا والبحث مطولا عن الدور الإسرائيلي، تاريخيا في تشجيع بروز ظاهرة العنف، باعتبارها ظاهرة تدلل على أن المجتمع غير منضبط لمعايير قانونية، وأن مرجعيته العشائرية أو الحمائلية تطغى على مرجعيته المدنية. أو أن غياب الإحساس بالانتماء إلى الهوية الفلسطينية وعدم تملك الهوية الإسرائيلية بالمعنى الهوياتي وليس القانوني هي أسباب تجعل منها تربة خصبة لتصاعد آفة العنف كدلالة قوية ومؤشر في غاية الخطورة على أن المجتمع الفلسطيني في الداخل يقدم الولاء العشائري والحمائلي على الولاء والانتماء للشعب والهوية الفلسطينية، وأن احساسه بالانتماء إلى هوية إسرائيلية هو إحساس ناقص وكاذب، حتى لو زعم كثيرون أنهم مواطنو هذه الدولة الكولونيالية. فتصاعد آفة العنف يؤشر إلى أن المجتمع العربي الفلسطيني في الداخل لم يستطع وبعد أكثر من سبعين عاما أن يكون جزءا من المجتمع الإسرائيلي، لاعتبارات عنصرية تم صياغتها وقنونتها ضمن قانون يهودية القومية، لا أن يعود ليكون فلسطينيا حقيقيا، بعد أن تخلت عنهم اتفاقية أوسلو لمصيرهم. هذا التشوه هو بالفعل ما يؤدي إلى الضياع، وإلى عدم الإحساس بالانتماء، أو الولاء أو الخضوع للقانون الوضعي، بل الذهاب لنيل الحق عبر العنف والقتل.  وليس خافيا على أحد الدور الإسرائيلي في تشجع ظاهرة العنف، وهو ما كنا بحاجة لنعرف مكنوناته وخلفياته، على الرغم من كون المؤلف بحث عميقا في الأبعاد الاجتماعية والسوسيولوجية، لكن البعد السياسي كان غائبا في مبحثه، ناهيك أن المبحث لم يتناول دور الطبقة السياسية الفلسطينية، أقصد الأحزاب السياسية الممثلة في الكنيست أو حتى المنظمات والجمعيات الأهلية في معالجة ظاهرة العنف وتفشيها، حتى وإن تناول مسألة المال السياسي، والصراع ما بين الأسرلة والفلسطنة في سياقات الحضور السياسي المنقوص في المشهد السياسي إضافة إلى السياسات النيوليبرالية الإسرائيلية التي ساهمت بصعود فكرة الخلاص الشخصي، وتشظى المجتمع، واداء القائمة المشتركة من خلال التركيز على البعد الاسرائيلي والتنكر لمعاني الهوية الجماعية الفلسطينية وتنظيم المجتمع الفلسطيني في إسرائيل.

وبالفعل يمكن القول إن هذا المبحث من الكتاب يشكل جوهرا أساسيا في الكتاب، فهو يتناول القضايا ببعد اجتماعي وسوسيولوجي عميق، ويخلص إلى أن التردي على مستوى الجماعة بالنسبة لفلسطينيي الداخل هو الأساس في فهم حالة التردي من حيث الأمن والأمان، وبعدهم عن المشروع الوطني الفلسطيني، وإلى تعقيدات سيرورة التغيير الاجتماعي، كل هذه العوامل ساهمت، كما يرى المؤلف، في تهيئة الحاضنة الأشمل لتفاقم العنف والجريمة. وعلى الرغم من الاتجاهات المستقبلية التي وضعها رهط من الكتاب والباحثين لفلسطينيي الـ 48 (وثائق التصورات المستقبلية) إلا أن الحالة السياسية في الداخل تشي بعدم الارتياح، بل ارتهان بعض أقطابها في القائمة المشتركة للمعادلات الإسرائيلية حصرا، وليس البحث عن مكنونات الطاقات الكامنة في الجماهير العربية في الداخل لاستثمارها نحو نهوض وطني يعي ذاته بذاته، وليس في إطار الكينونة الإسرائيلية المعبر عنها في النيوليبرالية.

أما في حيثيات العلاقة المركبة بين فلسطيني الـ 48 والحركة الوطنية الفلسطينية، اعتبر اسعد غانم أن “الفلسطينيين في إسرائيل لم يعد أمامهم أي إمكانية واقعية لأن يكونوا جزءا من الحركة الوطنية الفلسطينية في الظروف الراهنة، على أساس من المساواة مع الفئات الفلسطينية الأخرى” من الواضح تماما أن المسألة هي معقدة وأكثر من أن تكون مسألة إرادوية تسمح لهذا الطرف أو ذاك بإعطاء الضوء الأخضر ليكون ثمة علائق أو مركبات تدخل فلسطينيي الـ 48 في جسد الحركة الوطنية الفلسطينية، ولنكن أكثر وضوحا، كيف للحركة الوطنية أن تسعى لدمج جزء من الشعب الفلسطيني في جسدها، بعد أن طرأ تغيير جوهري في مسارها السياسي، المسار الذي انتقل من مفهوم إقامة الدولة الديمقراطية العلمانية على كامل فلسطين، بما يحقق عودة اللاجئين، إلى مسار إقامة الدولة الفلسطينية على الأراضي المحتلة منذ العام 1967، ما أقصده تماما التخلي عن أجزاء من الشعب الفلسطيني لصالح جزء، والتنازل عن أهداف القضية الفلسطينية لمصلحة جزء من هذه الأهداف. الذي حكم سلوك قيادة المنظمة كان مسارا براغماتيا لا ثوريا، ذرائعيا لا مبدئيا، أتاح لهذا النهج التواصل مع الجميع لخدمة أغراضه، وليس لتحقيق أهداف الكل، بما يتوافق مع رؤية جامعة للكل الفلسطيني. وهنا لا يمكن أن نعفي قيادات العمل السياسي الفلسطيني في الداخل من التواطؤ التاريخي مع قيادة المنظمة في المساهمة الخبيثة بإخراج جزء عزيز من الشعب الفلسطيني باعتباره مواطني دولة إسرائيل، أو كما جرى توصيفهم عرب إسرائيل.

ندخل إلى المبحث النظري المعنون بـ ” إسرائيل: بين الاستعمار الكولونيالي ومسألة تقرير المصير لنجد أنفسنا أمام بحث نظري عميق، وكأنه يحدث قطيعة معرفية على سابقاته من المباحث، لكنه يحاول أن يؤسس وعيا لطبيعة إسرائيل من حيث كونها ظاهرة استعمارية كولونيالية، بيد أن هذا التأسيس كان استكمالا لكثير من الدراسات التي ربطت الظاهرة الصهيونية بالحركة الاستعمارية العالمية، لكن من حيث كونها استعمارا استيطانيا احلاليا إجلائيا، وليس نتيجة فشل مسار التسوية كما ذهب المؤلف، وإن كان ذلك الفشل يساعد الكثيرين على إعادة النظر في الطبيعة الجوانية للمشروع الصهيوني برمته.

نلاحظ أن الكاتب أسعد غانم يصل لاستنتاج سياسي يراه هاما، حينما قال إن: (إنكار واقع وجود جماعة يهودية، تعرّف ذاتها كجماعة قومية، رغم ملاحظاتنا على سياقها التاريخي ومعناها السياسي والوظيفي، لأجل تجاهل حق تقرير المصير كما انكار جماعة قومية فلسطينية، يصبان في ذات الإطار، بتنكرهما للواقع القائم، ويسدان الطريق أمام أي حلول منطقية وديمقراطية للمشكلة اليهودية والفلسطينية في فلسطين\ارض إسرائيل. وبدل ذلك فإننا نقترح فهما مركبا وديمقراطيا لحق تقرير المصير وهو الفهم الصحيح لهذه المسألة في المجتمعات المنقسمة، والانطلاق منه نحو التنظير والدعوة السياسية لحل ديمقراطي في فلسطين يضمن الحقوق الفردية والجماعية المتساوية، وهو امر يتناقض مع دولة يهودية فقط او دولة عربية فقط، ويجعل من التنظير والعمل نحو دولة ديمقراطية، ثنائية القومية، على أساس دولة مواطنين أحرار ومتساوين، بمثابة المسار الأكثر ملاءمة لدولة عادية ولحل منطقي للمسألتين اليهودية والفلسطينية.)

وهنا أسجل هاتين الملاحظتين:

أولا، ثمة استنتاج سياسي – أيديولوجي بأن انكار حق تقرير المصير للجماعة اليهودية هو بمثابة إنكار لحق تقرير المصير للجماعة العربية – الفلسطينية، إذ كيف يمكن أن يتساوى حقي تقرير المصير للدولة المستعمِرة مع حق تقرير المصير للشعب المستعمَر؟ وهل يجوز أصلا الانطلاق في تحليل الوضع ضمن سياقات سوسيولوجية للتوصل إلى توصيف سياسي بأن الحل يكمن في الاعتراف بحقين يتماثلان في السياقات التاريخية ويجعل الحل حلا أصوليا يستند إلى طرح ثنائية القومية كتعبير عن تساوي الحقين كجامعتين قوميتين؟

ثانيا، أي حل ديمقراطي للمسألتين الفلسطينية واليهودية لا بد أن يستند أساسا على مسألة تفكيك الطبيعة العنصرية للأيديولوجية الصهيونية، وتفكيك مركباتها العسكرية والأمنية، وأزعم أن لا حلا عادلا على الإطلاق للفلسطينيين بعد أن فقدوا أرضهم، وتعرض كيانهم للتدمير، وباتوا منذ أكثر من سبعة عقود في مهب الريح. بمعنى أدق إن أي حل ينبغي أن يكون هو حل قائم على أنقاض الصهيونية وليس مع الصهيونية، نقطة من أول السطر.

وفي محاولة الكاتب تلمس جواب ما العمل؟ حاول بجهد صحافي مثابر على إبراز كل الطروحات التي قدمت والعمل على مناقشتها وتبيان أهميتها أو قصورها، بيد أن الكاتب اسعد غانم يخلص إلى أن أي محاولة لإخراج الوضع الفلسطيني من تأزمه لا بد أن يتركز العمل نحو حل الدولة الواحدة إذ يشدد على أن (هذا الطرح هو الوحيد القادر على تجنيد مجمل أبناء الشعب الفلسطيني لتحقيقه إضافة إلى كونه أكثر الحلول عدالة وواقعية.)  وهنا نصل إلى أصولية سياسية أيدلوجية، إذ حينما فشل خيار الدولتين، بدا أن الإرادوية السياسية تتحكم في مسار العمل وان الذهاب إلى الدولة الواحدة هو خيار قد يبدو متاحا على الرغم من كونه مرفوضا إسرائيليا وفلسطينيا، والأهم من ذلك أن خيار الدولتين لم يسقط بعد على الصعيد الدولي، بل ما زال حاضرا وكأنه يدير الصراع ويوجهه، أما حل الدولة الواحدة، على الرغم من بريقه وجاذبيته، إلا أنه لم يصبح مجالا حيويا لإدارة الصراع لكلا الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، ولم يحقق حضورا إقليميا ودوليا. بل بقي هذا الحل يحلق في مفاهيم طوباوية لا أساس لها من الصحة، بقدر ما هي رياضة فكرية سياسية، إذ أن هذا الحل يتناسى الطبيعة الكولونيالية الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية لإسرائيل، ويبحث عن مساواة بين المستعمِرين والمستعمَرين.  ولربما المثير فيما ذهب اليه الكاتب استعارته لفكرة المفكر النهضوي الشيخ عبد الرحمن الكواكبي في أم القرى، بالدعوة لعقد مؤتمر فلسطيني يحضره العشرات بل المئات ( كما يقول) ويستغرق شهرا أو سنة أو أكثر لكن هذا المؤتمر المتصور لعقده في القدس سوف يسعى للإجابة على سؤال مستقبلي يتجسد في كيفية طرح حل إنساني يرضي الفلسطينيين واليهود الإسرائيليين.

حسبي أن هذا الطرح يصلح تماما للاستفادة منه لبناء فكرة سيناريو لفيلم، وقد يستقطب جماعات متطرفة من كلا طرفي الصراع، وقد تقدح شرارة فكرة ما أفق حل مدهش للصراع على غير ما يعتقد الجميع، أما أن تكون فكرة توضع للتنفيذ فذلك هو التصور الطوباوي الذي يمضي بالفكرة وهي تمشي على رأسها. فالواقع الفلسطيني يفيد بصعوبة العمل بمفهوم جمعي، وبعقل سياسي منظم، لأن التجربة التاريخية تركت آثارا ما زالت حاضرة.

أجزم أننا أمام كتاب يدفعك للتفكير، على الرغم من العيب الأساسي للكتاب أنه ليس كتابا وضع الكاتب مخططه وبدأ في الكتابة وفق منهجية واضحة، حددت الإشكاليات وسعت لمعالجتها تباعا، بل هو عبارة عن جملة من الدراسات والمقالات كتبها الأستاذ الجامعي أسعد غانم، بعضها مع آخرين، وسعى لجمعها بين دفتي كتاب، مما يفقد الكثير الكثير من بريق الكتاب.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *