ما بين حصار بيروت 1982ومذبحة غزة 2025

بلغت الثورة الفلسطينية في منتصف السبعينات من القرن الماضي ذروتها في لبنان بعد تصفيتها في الأردن في معارك أيلول الأسود عام 1970 بأمر من أمريكا وبإسناد ودعم إسرائيل المباشر. في لبنان لم تتعلم الثورة من أخطائها في الأردن وعادت من خلال إغراق دبلوماسية البترودولار الخليجية إلى خلق حالة إزدواجية السلطة ودولة داخل دولة حتى سميت بدولة الفكهاني المتخومة والقوية بتحالفها مع القوى الوطنية اللبنانية وعلى رأسها الزعيم الراحل كمال جنبلاط.
هنا أيضاً كما كان في الأردن، عادت مظاهر وتجاوزات الحضور الفلسطيني المسلح المكثف خصوصاً في الجنوب بشكل استدعى التدخل الأمريكي والاسرائيلي وقلق النظام السوري بقيادة حافظ الأسد. لضرب هذا النهوض فجرت الحرب الأهلية في لبنان بدعم إسرائيل السافر لجيش الكتائب بقيادة بشير الجميل. واعطت أمريكا سوريا الضوء الأخضر للتدخل وهذا ما فعلته بحجة تهديد أمنها القومي. بغطاء هذه الحجة قصفت سوريا المخيمات الفلسطينية ومنها تل الزعتر وضربت معاقل القوات المشتركة الوطنية اللبنانية الفلسطينية واغتالت أحد أبرز قادتها الشهيد كمال جنبلاط. حدث هذا مع تقدم كبير في تطبيق استراتيجية الخطوة خطوة الأمريكية التي طورها هنري كسنجر بعد هزيمة حزيران عام 1967، والتي وضعت لها هدف تحويل الهزيمة العسكرية إلى مكاسب جيوسياسية لصالح إسرائيل وأمريكا من خلال هزيمة القومية العربية بقيادة الراحل جمال عبد الناصر وفرض السلام الثنائي مع مصر وكذلك القضاء على الثورة الفلسطينية من خلال الضربات العسكرية وفلسطنتها. بمعنى تجفيف عمقها العربي كقضية كل العرب أو ما اسماه كسنجر في حينه ضرب رصيد تعريبها وبذلك شل قدرتها على تثوير الشعوب العربية وتهديد الانظمة الحليفة ووجود إسرائيل والمصالح الامريكية.
وفقاً لهذه الاستراتيجية ضربت الثورة الفلسطينية وبشكل وحشي في الأردن وفي ظروف وساطة جمال عبد الناصر بين المقاومة والملك حسين مات جمال عبد الناصر بسكتة قلبية حادة أيضاً في شهر أيلول الأسود عام 1970 ومع موته ضرب مشروع القومية العربية. بعدها كانت حرب اكتوبر بقيادة أنور السادات عام 1973 والتي جيرها كسنجر لمسار مفاوضات سلام ثنائي بين مصر واسرائيل توج باتفاق كامب ديفيد عام 1978. وهذا بعد ما نجح هنري كسنجر البدء في مشروع فلسطنة القضية بنزعها من بحرها العربي من خلال قرارات القمة العربية في الرباط عام 1974 باعلانها منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في السلم والحرب , بما يعنيه إعفاء الدول العربية من مسؤولياتها اتجاه القضية الفلسطينية , غير دعمها المالي المشروط لمنظمة التحرير بالانسجام مع مصالحها المنسقة تماماً مع التوجه الأمريكي في المنطقة.
في هذا السياق يفهم تفجير الحرب الأهلية في لبنان وضربات إسرائيل المتكررة إلى يوم توقيع اتفاق كامب ديفيد الذي أدى إلى تحييد مصر عسكرياً وسياسياً بكل ثقلها في قيادة العالم العربي.
بعد توقيع كامب ديفيد بفترة قصيرة أعلن الكسندر هيج وزير خارجية أمريكا فترة رئاسة رونالد ريغان عام 1981، عن عزم أمريكا على بناء نظام شرق أوسط جديد لا يهدد فيه أمن إسرائيل أكثر ويفتح المجال لتعميم إتفاق السلام خطوة خطوة. وعليه دعم الرئيس الأميركي ريغان إسرائيل في شن حربها على لبنان عام 1982 بهدف القضاء على الثورة الفلسطينية وتغيير موازين القوى لصالح حلفاء أميركا في المنطقة. في هذه الحرب وصل أرئيل شارون بجيشه بالتعاون المباشر مع مليشات الكتائب بقيادة بشير آلجميل إلى بيروت الغربية معقل قيادة الثورة الفلسطينية وحاصرها ومنع عنها الماء والغذاء والدواء تحت قصف مدفعي وجوي لا يقل وحشية عن قصف غزة اليوم. وكان المطلب تسليم سلاح المقاومة ورحيلها كلياً عن لبنان.
كان الهدف النهائي من وراء ذلك جر منظمة التحرير لمعادلة استسلام بصيغة سلام. وكان لإسرائيل وأمريكا والأنظمة العربية ما هدفوا إلية إذ رحل ياسر عرفات بقوة السلاح ومعه قرابة ال 15 الف مقاتل إلى تونس وثمانية دول عربية غيرها. تم هذا بوعد من الدول الخليجية باستكمال الدعم المالي وضمانة أمريكية بعدم ملاحقة إسرائيل لهم في منافيهم الجديدة وكذلك حماية الشعب الفلسطيني في لبنان.
وما أن حطت المقاومة رحيلها في منافيها الجديدة حتى كانت مجازر صبرا وشاتيلا على أيدي مليشيات الكتائب بغطاء إسرائيلي، حيث قتل بشكل وحشي أكثر من 3000 فلسطيني في لليلة واحدة. وبعدها كانت القمة العربية في فاس والتي طرحت المبادرة العربية للسلام من خلالها اعترفت بإسرائيل ومع هذا رفضها رئيس الوزراء الإسرائيلي في حينه مناحم بيغن. كذلك لاحقت إسرائيل قيادات المقاومة الفلسطينية في تونس إذ استهدفتهم في اجتماع مخطط له في مقر القيادة حمام الشط ونجى ياسر عرفات من هذا الاستهداف بسبب تأخره عن الاجتماع. كذلك اغتالت إسرائيل على أرض تونس ابو جهاد وابو إياد وغيرهم من قادة فتح الكبار والمؤسسين. وبعدها قطعت الدول العربية عن ياسر عرفات الدعم المالي مع حثه على التوجه لاتفاق سلام مع إسرائيل. الأمر الذي توج باتفاق أوسلو والذي هدف لتصفية القضية الفلسطينية برمتها في مرحلة قادمه. وحينما أدرك عرفات هذه الحقيقة وإنه وقع في الفخ حاصروه في المقاطعة واغتالوه سماً بعد ما ضمنوا أن يكون خليفته محمود عباس رئيساً للسلطة الفلسطينية. وهذا العباس من أطلق عليه ياسر عرفات في حينه كرزاي فلسطين لتفهم دوره وهو على حافة قبره اليوم.
والشيء بالشيء يذكر وللمفارقة التاريخية فقد تغاضت إسرائيل في البداية عن جهود الراحل الشيخ أحمد ياسين في دعوته لبناء حركة إسلامية في بداية الثمانينيات للإصلاح المجتمعي. هدفت إسرائيل من ذلك إضعاف فتح في الداخل، إلا إن الشيخ ياسين انقلب عليها قبل وبعد إتفاق أوسلو وانشأ حركة المقاومة الفلسطينية “حماس” كبديل ثوري يرفع راية الكفاح المسلح بقناعات مقاتل عقائدي. لهذا اغتالته إسرائيل في أول فرصة.
تعاظمت قوة حماس في غزة بدعم محور المقاومة وخاضت إسرائيل ضدها ومعها أهل غزة عدة حروب إلى يوم هجوم حماس في السابع من أكتوبر عام 023 والتي رأت إسرائيل فيه حرب هددت وتهدد وجودها. لهذا ردت عليه بحرب ضروس لن تنتهي إلا بتحقيق إسرائيل أهدافها، إذا استطاعت، القضاء على وجود حماس عسكرياً وسياسياً ومدنياً ورحيل قادتها وعسكرها خارج غزة كما حدث مع الثورة الفلسطينة في بيروت قبل 43 عام. واذا كانت مخاوف المقاومة الفلسطينية بقيادة فتح في حينه على مصير الوجود الفلسطيني في لبنان ورغم كل الضمانات الأمريكية حدثت مجازا صبرا وشاتيلا ، فمن بين المعلقين من يقول الخوف ليست من الإبادة والذبح الحاصل يومياً فقط، بل من التهجير القسري بدون مقاومة.
خلاصة القول:
إذا كانت حرب أيلول الأسود في الأردن عام 1970 قد انتهت بضرب وبترحيل المقاومة وحماية النظام الهاشمي ومنع تصدير الثورة للعالم العربي، فان حرب لبنان عام ١٩٨٢ قد تفاعلت عربياً ودولياً حتى تتوجت هزيمة الحرب العسكرية عام 1982 بإتفاق أوسلو عام 1993, والذي تمخض عنه قيام السلطة الفلسطينية التي لم تتخطى مهمتها مهام حددها الاتفاق ونفذها الجنرال الامريكي كيث دايتون، والذي استدعي بعد وصول حماس إلى السلطة عبر الانتخابات عام 2006 وكانت مهمته تدريب القوات الفلسطينية للسيطرة على الأمن وبسط سيطرة السلطة الفلسطينية بقيادة فتح أوسلو على مناطق تواجدها من خلال التنسيق الأمني مع إسرائيل والضرب العسكري والأمني لقوى المعارضة وعلى رأسها “حماس”.
كما تحدث وزير الخارجية الأمريكي الأسبق الكسندر هيج عن الشرق الأوسط الجديد عشية حرب لبنان عام 1982، وتحدث عنه رئيس الحكومة الأسبق شمعون بيرس مع توقيع اتفاق أوسلو، يتحدث اليوم عن نفس الشرق الأوسط نتنياهو وترامب من خلال تطبيق وتعميم إتفاق إبراهيم في المنطقة العربيه بعد حسم الصراع وانهاء القضية الفلسطينية. وبحسب تخطيطهم هذا غير ممكن بدون القضاء على حماس عسكرياً ومدنياً بغض النظر عن تسليمها الأسرى الإسرائيليين أو لم تسلم.
حماس من جهتها تؤكد إنها لا تريد أن تكون جزء من حكومة غزة القادمه وهي مع إطلاق سراح الأسرى إذا وافقت إسرائيل على وقف الحرب والانسحاب الشامل. في هذا السياق يقول القيادي في حماس سامي أبو زهري: “لو كان تسليم الأسرى الإسرائيليين يضمن إيقاف نتنياهو حـرب الإبـادة على غزة لما ترددنا لحظة.”ويرد عليه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بقوله: “على حماس أن تلقي سلاحها وسوف نسمح لقادتها بالخروج من قطاع غزة، نحن سنتولى الأمن العام في القطاع وسنُفعّل خطة ترامب للهجرة الطوعية.”
نعم من حرب إيلول الأسود في الاردن مع انطلاق الثورة الفلسطينية، مروراً بحرب لبنان، وصولاً لسلطة أوسلو وبعدها حرب الإبادة الجماعية على غزة ومعها مطلب رأس حماس، كان الهدف واحد حسم الصراع وتصفية القضية الفلسطينية ووضع شعبها أمام ثلاثة خيارات: إما الركوع وقبول منظومة الحكم المحلي والحقوق الفردية، أو الهجرة. ومن يرفض هذه الخيارات سيواجه حرب الإبادة الفردية والجماعية وعليه أن يختار حينها بين الموت او التهجير الطوعي والقسري كما يحدث تماماً في غزة اليوم.
يأخذ هذا المطروح هنا جديته في ظل ما يحدث في الحرب على الضفة وتمدد وحش الاستيطان وتغول المستوطنين تحت عيون سلطة أوسلو. وعليه فقط هذا الواقع التاريخي والراهن المرصود هنا هو من يستدعي قرار : رحيل المقاومة الفلسطينية أو بقائها في غزة. وخير من يلخص الموقف بين بيروت الأمس وغزة اليوم عضو المجلس الثوري لحركة فتح، فخري البرغوثي:
“خروج المقاومة من لبنان كان كسراً للثورة وللشعب الفلسطيني، وما زلنا ندفع ثمنه حتى اليوم، فكيف يمكن أن نكرر نفس الخطأ؟!”