ما بعد الضم .. ما بعد أبو مازن

يسود الغموض الساحة الفلسطينية بشأن ما الذي ستفعله القوى السياسية بعد ضم إسرائيل أراضي فلسطينية واسعة في الضفة الغربية إليها، وكيف ستقاوم هذه الخطوة ارتباطًا بالهدف الوطني؟ لا تملك أيٌّ من القوى السياسية الفلسطينية تصورًا لليوم التالي، أي ليست هناك استراتيجية سياسية ستعتمدها السلطة الفلسطينية، أو سلطة غزة، أو فصائل العمل الوطني بكل طيفها، لمواجهة الخطوة المرتقبة. لا تعدو البيانات التي صدرت عن كل هذه الجهات عن أنها ردّات فعل خطابية مجترّة من زمن سابق على الفعل الذي ستقوم به إسرائيل. وسيشكّل القرار الإسرائيلي انعطافةً في حالة الصراع. صحيحٌ أنه لن يغير جوهره، لكن أثره سيكون كبيرًا في تعزيز اقتطاع إسرائيل مزيدًا من الأراضي الفلسطينية، وسيفتح شهية الاحتلال والمستوطنين على قضم مزيد من الأراضي، على قاعدة أن الضم المرتقب سيشرعن احتلال المناطق المضمومة، ما يجعل فرض وقائع جديدة على الأرض يصلح للشرعنة، بعد أن ظهرت إستراتيجية ناجحة.

تأتي الخطوة الإسرائيلية، في ظل وضع فلسطيني في غاية البؤس، مشرذم. طرفان رئيسيان مختلفان على كل شيء، لا يملك أيٌّ منهما تصوّرًا ليس للتصدّي لخطوة الضم فحسب، بل ولا يملك تصورًا للمستقبل الفلسطيني أيضًا، أفقد هذا التفكّك الوضع الفلسطيني مقومات مشروعه الوطني الواعد. فلا يمكن مواجهة المخاطر التي يعيشها الوضع الفلسطيني من احتلال واستيطان زاحف من دون التوافق على مشروع وطني فلسطيني، يشكل أساس العمل الوطني الفلسطيني.

تقوم البنية السياسية الفلسطينية في هيكلها السياسي الفاعل على شخص الرئيس محمود عباس، بوصفه المادة اللاصقة الوحيدة في السلطة ومنظمة التحرير وحركة فتح. حصل ذلك، بعد تفكيك كل المرجعيات الفلسطينية الوطنية والحركية، وتحويلها إلى ملحقات في الرئاسة الفلسطينية، وبشخص الرئيس تحديدًا، وهذا الوضع الكارثي، في ظل رئيس يبلغ الخامسة والثمانين عاما، ينذر بكارثةٍ أكبر مما نعيشه اليوم، فالرئيس الذي يشكل حجر القفل في قوس أحجار السلطة مُعرّض للغياب عن الساحة السياسية في أي لحظة، بالوفاة أو بالعجز عن قيامه بمهماته، وهو ما يُعرّض كل الوضع الفلسطيني للانهيار التام، لأن الرئيس محمود عباس فكّك بقايا المؤسسات التي كانت قائمةً في لحظة وفاة الرئيس ياسر عرفات، وهي المؤسّسات التي ضمنت، إلى حد ما، انتقالا سلسا للسلطة من عرفات إلى عباس، لكن الوضع اليوم مغايرٌ تمامًا لما كان قائمًا في ذلك الوقت، فالانقسام الفلسطيني والاقتتال الدموي استمرّا في مراكمة وقائع على الأرض. المجلس التشريعي، مرجعية السلطة، تفكك بفعل الانقسام الفلسطيني إلى سلطتين، في الضفة الغربية وقطاع غزة. أما مؤسسات منظمة التحرير، المجلسان الوطني والمركزي، فقد تم تغييبها نهائيًا في زمن الرئيس عباس، وحافظ على اللجنة التنفيذية المؤلفة من شخصياتٍ عفا عليها الزمن من ناحية القدرة الجسدية ومن ناحية التأثير والفعالية السياسيين. والهيئة الثانية التي يعتمد عليها عباس هي مجلس الوزراء والذي يستمد شرعيته من الرئيس نفسه. وفي حال غيابه، لا تبقى لها أي مرجعيةٍ بموت المجلس التشريعي. حتى الوضع الداخلي لحركة فتح، بوصفها حزب السلطة، يعاني من التفكّك، ومن صراعاتٍ خفيةٍ على خلافة الرئيس عباس، بين أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح وتحالفاتهم مع المتنفذين في وزارات السلطة والأجهزة الأمنية، فغياب الرئيس اليوم يُفقد الهيئات الفلسطينية المذكورة شرعيتها، وليس من المستبعد أن نشهد حرب شرعيات فلسطينية طاحنة في اليوم التالي لغياب الرئيس، فحركة حماس التي فازت في انتخابات المجلس التشريعي الأخيرة العام 2006 بأغلبية النواب ترى أن المجلس التشريعي ما زال سلطةً قائمة، ولا تعترف بحل عباس له، وتعتبر أنه الشرعية الانتخابية الفلسطينية. وبالتالي سيكون رئيسه القيادي في “حماس”، أحمد بحر، الرئيس الفلسطيني المؤقت بحكم النظام الأساسي الفلسطيني، وهو البند الذي نفذ في الفترة الانتقالية بعد وفاة عرفات، حيث شغل هذا المنصب روحي فتوح في الفترة الانتقالية. لن تعترف قيادة “فتح” بهذا، وستعمل على اختيار رئيس من خلال مؤسسات منظمة التحرير المتداعية. وقبل هذا، من غير المعروف أي مستوى من الصراع الداخلي الفتحاوي على خلافة عباس ستشهده حركة فتح.

وبالتالي، نحن مقدمون على فوضى سياسية وادّعاءات شرعية متبادلة، ومخاطر لا نهاية لها من استقطاب داخلي سيتفاقم، كما تؤشر العقليات القائمة في طرفي الانقسام الفلسطيني. وفي مثل فوضى كهذه، لن يكون من مصلحة أحد العمل على إخراج الوضع الفلسطيني من متاهةٍ يمكن أن يدخل فيها ولا يخرج منها، إلا مدمرًا، ما يعني أن الوضع الفلسطيني، بدلًا أن يقوم بمهمة مقاومة خطوة الضم، سيكون عاملًا مساعدًا، في تفكيك ما تبقى من التمثيل الفلسطيني في صراع الشرعيات الذي سيولد في اليوم التالي لغياب الرئيس، والذي سيصب الآخرون مزيدا من الزيت عليه.

لا شيء يشير إلى أن خطوة الضم، أثرت بأي شكل على وضع الانقسام، وكأنها لا تتأثر بالوضع الداخلي الفلسطيني، أو أن الانقسام بات من طبيعة الحياة السياسية الفلسطينية، الكل يتعايش معها، ومعالجتها ليست مطلوبة، لمعالجة الوضع الفلسطيني، حتى قبل خطوة الضم، وتزيد الخطوة العدوانية الإسرائيلية من تأثير الانقسام على تشتيت العمل الفلسطيني في مواجهة الخطوة.

الكل يرى العربة الفلسطينية بكل ركابها تسير باتجاه الهاوية، لا أحد من هؤلاء الركاب يفعل شيئًا من أجل فرملة العربة التي تسير بسرعة كبيرة إلى الهاوية. وإذا ترافقت خطوة الضم مع غياب الرئيس عن الساحة، ستنشغل الساحة الفلسطينية في الخلافة، وتنسى الحلقة المركزية في الصراع، والتي حدّدتها لنا إسرائيل بكل وضوح، أنها الاحتلال، أولًا وثانيًا وعاشرًا… من دون أن يكون هدف مواجهة الاحتلال هو الأساس المكوّن لأي عمل فلسطيني، فعلًا وليس قولًا، هو مساهمة بدعم الاحتلال وإجراءاته الاستيلائية على الأرض الفلسطينية، فعلى شعارات المقاومة أن توضع موضع التنفيذ في كل المجالات، وليس كتابتها على الجدران فقط. ما لم يفعل الفلسطينيون شيئًا من أجل الخروج من الحالة التي يعيشونها، للتصدّي للخطوة الإسرائيلية. لذلك، لن تكون عملية الضم آخر ما سيدفعه الفلسطينيون من ثمنٍ لتردّي أوضاعهم المستمر، الذي دخل مرحلةً انهيارية.

(المصدر: العربي الجديد )

Author: سمير الزبن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *