ما العمل بعد اعتماد القرار الأمريكي في مجلس الأمن بخصوص غزة ؟

أُشبِع مشروعُ القرارِ الأمريكيّ بخصوص غزّة بحثًا من قبل الباحثين والمحلّلين والكتّاب والمتابعين، وذلك بما يتعلّق بمخاطره وأبعاده السلبيّة، بما أنّه يعزّز الوصاية والهيمنة الخارجيّة، وخاصة الأمريكيّة، على شؤون القطاع، ويعمل على فصله عن الضفّة، ويقيّد المساعدات وعمليّة إعادة الإعمار وفق منظور أمريكيّ استثماريّ، ويضع قوّات الاستقرار واللجنة الإداريّة تحت تصرّف “مجلس السلام” وليس وفق منظومة الأمم المتحدة.
إنّه ببساطة يشكّل تراجعًا عن قرارات الشرعيّة الدوليّة وعن المكتسبات التي حقّقتها القضيّة الوطنيّة، والناتجة عن تسونامي الاعترافات الدوليّة المعزَّزة بالمكانة السياسيّة والقانونيّة الجديدة لدولة فلسطين، والتي استندت إلى القرار الاستشاري لمحكمة العدل الدوليّة.
أرادت الإدارة الأمريكيّة الحصول على الشرعيّة الدوليّة من خلال مجلس الأمن، التي ستنتهي وظيفته بعد تمرير القرار، والذي يمنح “مجلس السلام” الصلاحيّات بدلًا منه، الأمر الذي يشير إلى أنّ الأمم المتحدة تخلّت عن دورها لصالح الدور الأمريكي، وتجاوزت قرارات الشرعيّة الدوليّة والقانون الدولي لصالح عمليّة إداريّة لإدارة شؤون القطاع، علمًا بأنّ الحديث عن أفقٍ موثوقٍ يفضي إلى حقّ تقرير المصير وإقامة الدولة غيرُ مضمونٍ ويفتقد إلى الجدول الزمني، ويشترط ذلك بإصلاح السلطة ضمن قائمة مفتوحة غير محدّدة المعالم.
لقد حاولت المجموعة الثمانية العربيّة الإسلاميّة إضافةَ تعديلات على مشروع القرار، وخاصة بما يتعلّق ببند الحوار والمسار الموثوق وحقّ تقرير المصير والدولة.
لقد أعلنت العديد من البلدان عدمَ موافقتها على الانخراط في قوّة الاستقرار الأمنيّة، إلّا إذا كانت بمهامّ حدوديّة ومن أجل منع الاشتباكات، وألّا تنخرط في عمليّة لوجستيّة (لنزع السلاح)، أي تجنّب المواجهة مع الشعب الفلسطيني وقوّات المقاومة.
واضح أنّ القرار الذي مرّ بأغلبيّة كبيرة كان نتاجًا لموازين القوى الميدانيّة، علمًا بأنّ محاولة روسيا والصين قد أُخفقت بسبب اختفاء دور الدولتين أثناء حرب الإبادة، الأمر الذي جعل خطّة ترامب هي “اللعبة الوحيدة في المدينة”.
كان القرار نتاجًا لموازين القوى الميدانيّة التي أرادت إدارة ترامب أن تحصد ثمارها بعد تورّط إسرائيل في أعمال الإبادة الجماعيّة ومحاولة تفكيك العزلة عنها، وذلك عبر دمجها في الإقليم، وإعادة ترميم صورتها في العالم، وتحصينها من الملاحقة القانونيّة أمام المحاكم الدوليّة.
وبالوقت الذي كان فيه القرار نتاجًا لموازين القوى الميدانيّة والدوليّة، فقد كان نتاجًا أيضًا لانقسام الساحة الفلسطينيّة؛ حيث انفردت حماس بالمفاوضات، ولم يتم تشكيل وفدٍ مشتركٍ للمفاوضات، ولم تتفاعل القيادة السياسيّة بحيويّة باتجاه تشكيل الوفد المشترك ضمن رؤية موحّدة، وكذلك رهان حماس على ترتيب العلاقة مع الإدارة الأمريكيّة عبر استنساخ تجارب طالبان وهيئة تحرير الشام.
لقد رحّبت العديد من القوى بإعلان ترامب، وخاصة بالبند الإنسانيّ الخاص بوقف المقتلة، وإنفاذ المساعدات، وانسحاب جيش الاحتلال إلى خطوط معيّنة كنتاج لعمليّة تبادل الأسرى.
كان من الهامّ أن ينخرط الكلّ الوطنيّ الفلسطينيّ بحوار وطنيّ بخصوص المرحلة الثانية والمحدّدة بسلاح حماس ولجنة التكنوقراط.
أخفق الفلسطينيّون بإجراء الحوار الوطنيّ الشامل وبلورة رؤية موحّدة تُحصَّن من خلال المجموعة الثمانية.
لم يعد الفلسطينيّون يقرّرون في شؤونهم، ولأنّ السياسة كما الطبيعة لا تقبل الفراغ، فقد أصبح من الطبيعيّ أن يتمّ التفاعل مع خطّة ترامب بمنظور إقليمي، خاصة في ظلّ استمرارية الانقسام وغياب رؤية موحّدة، والبحث عن البقاء في غزّة كقوّة أمر واقع من قبل حماس، وكذلك البحث عن آمال لأفق تواجد السلطة في غزّة بعد انتهاء “المرحلة الانتقاليّة” التي تنتهي في نهاية عام 2027، علمًا بأنّ هذا الأفق مشروط بالإصلاح.
وعليه، فما العمل؟
أعتقد أنّه بات من الضروريّ، أمام هذه المحطّة المفصليّة، العملُ على عقد اجتماعٍ وطنيّ شامل يضمّ الأمناء العامّين والفاعلين السياسيّين ومكوّنات المجتمع المدنيّ، ليس بهدف بحث مخاطر القرار الأمريكي الذي تمّ اعتماده في مجلس الأمن فحسب، بل أيضًا بهدف التخفيف من آثاره.
يمكن القيام ببلورة رؤية فلسطينيّة موحّدة تتناول محاور الخطة في بعدها الإداري والأمني والسياسي.
تقوم مكوّنات المجتمع الفلسطيني بعد ذلك، وعبر منظّمة التحرير الفلسطينيّة، بالحوار مع المجموعة العربيّة والإسلاميّة الثمانية بخصوصها.
يتمّ وضع محدّدات بخصوص التنفيذ العملي.
أعتقد أنّ المجموعة الثمانية تستطيع التأثير على إدارة ترامب بخصوص عمليّة التنفيذ، بما يتضمّن الأخذ بعين الاعتبار المخاوف والتحفّظات الفلسطينيّة المشتركة.
أعتقد أنّ الآليّة الموضّحة أعلاه يمكن أن تساهم في تخفيف المخاطر، وخاصة بما يتعلّق بالتشديد على وحدة القطاع والضفّة، وكذلك على حقّ تقرير المصير.
وأخيرًا، فالسياسة هي علم وفنّ إدارة الصراع، وهي نتاج موازين القوى، وقد أخفقنا كفلسطينيّين – مع الأسف – في إدارة الصراع، وما حدث عبر القرار الأمريكيّ الذي اعتُمد في مجلس الأمن هو نتاجٌ لموازين القوى.