ما الذي يجري: مع الاعتذار لسري نسيبة ومناقشة معه

 

خاص ملتقى فلسطين- وليد سالم

في رؤية أخرى فإن ما يجري على الارض منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم هو استئصال متدرج للشعب الاصلي يتضمن اقتلاعا وتهجيرا قسريا داخليا وخارجيا، يقابله عملية إحلال لمجموعات من المستوطنين المستعمرين الوافدين من الخارج أسماها سري نسيبة في مقالته المنشورة في اليوم الرابع من الشهر الجاري في صفحة ملتقى فلسطين ب ” الاستملاك الزاحف “. ولكن ما يجب إضافته على هذه التسمية انطلاقا من الادبيات حول الاستيطان الاستعماري هو أن هذا ” الاستملاك الزاحف ” لا يسقط على أرض فارغة من الناس، كما ادعت الصهيونية والمشاريع الاستيطانية  الاستعمارية السابقة لها ، وإنما يحل محل بعد عمليات اقتلاع وتهجير أسماها ايلان بابيه بالتطهير العرقي، وأسماها ساري حنفي باسم أكثر تعبيرا هو ” التطهير المكاني ” والذي يشمل تطهير المكان من شعبه الاصلي، واحلال مكان وإقليم ومشهد وفضاء كلها جديدة مكانه لمجموعات من المستوطنين المستعمرين الذين يقتحمون البلد من الخارج ويستحوذون عليه لأنفسهم بدعم من دولة استعمارية أم كانت بالأمس بريطانيا وهي اليوم أمريكا، لذا لا يجد الامر غرابة في نتائج دراسة سارة هيرشهورن لعام ٢٠١٧ والتي بينت أن واحدا من كل ستة مستوطنين في الضفة قادم من أمريكا.

 

في هذا الإطار يمكن فهم دور المفاوضات، ورؤية المشروع الاستيطاني الاستعماري لها ولوظيفتها في تحقيق توسعه. ووفق هذا المنظور يمكن فهم ايضا لماذا تمسك المشروع الاستيطاني الاستعماري في كل المفاوضات برفضه لفكرة وقف الاستيطان أو تجميده، وكذلك لفكرة رفض عودة اللاجئين إلى ديارهم لما تعكسه الثاني من إجهاز على إنجازاته التي تقوم على الفتح والطرد والاحلال. يترتب عن ذلك أن المشروع الاستيطاني الاستعماري ينظر إلى المفاوضات على أنها لا تتعدى كونها لعبة علاقات عامة يمارسها للتغطية على توسعه وعلى امتناعه عن قبول حق الشعب الأصلاني في تقرير المصير والعودة. وتشير تجربة أوسلو وكل المفاوضات التي لحقتها أن تمسك المشروع الاستيطاني الاستعماري برفض حق العودة والحفاظ على التوسع الاستيطاني الاستعماري وتمسكه بالقدس كعاصمة موحدة لكيانه هي العوامل التي منعت الوصول إلى حل سياسي. وبناء على ذلك يمكن الافتراض أن منظمة التحرير الفلسطينية قد توصلت إلى نتيجة أنه لم تعد هنالك جدوى من التفاوض مع كيان هذه طبيعته وهذا هو برنامجه، لذلك تطرح مشروع المؤتمر الدولي ذو المرجعية المتعددة والمبني على أساس قرارات الشرعية الدولية بخيارين: إما تطبيق حل الدولتين على حدود عام ١٩٦٧ على الارض وليس التفاوض حول حل الدولتين من جديد، وإما كشعار اعتراضي في حال لم يتحقق تنفيذ للحل عبر المؤتمر الدولي وهو الامر الارجح في ظل إصرار ترامب على جعل صفقة القرن هي قاعدة أي تفاوض كما أبلغ مايك بومبيو وزير الخارجية الامريكي أطراف الرباعية الدولية الاخرى.

 

من هذا المنطلق قد يريد الاوروبيون والروس الضغط على م. ت. ف للعودة للتفاوض، ولكن اصطدامهم بالموقف الامريكي الاسرائيلي الذي يجعل صفقة القرن قاعدة التفاوض سيجعل تحقيق ما يريدون مستحيلا. وفيما لو نجح بايدن ممثل الحزب الديمقراطي في الانتخابات الامريكية في نوفمبر القادم فقد لا يطرح صفقة القرن كأساس للتفاوض، ولكنه في المقابل سيمارس نفس منهجية الحزب الديمقراطي التي نعرفها من مثالي كلينتون عام ٢٠٠٠، وجون كيري لعام ٢٠١٣- ٢٠١٤، واللتين أشارتا للانفراد الامريكي في إدارة المفاوضات ، والاهم طرح أمريكا لمواقف أقرب للمواقف الإسرائيلية في قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات الاستعمارية ، مما يعيدنا من جديد إلى تجربة مفاوضات أخرى فاشلة حيث لن يقبل الجانب الفلسطيني مجددا الرضوخ للإملاءات الامريكية الاسرائيلية .

 

وعليه أعود مجددا لوظيفة المفاوضات في النظرة الامريكية الاسرائيلية والتي راحت مرجعيات عقدها تتقزم بالتدريج حتى وصلنا إلى صفقة القرن. لذا أميل للحدس أن م ت ف ستقف هذه المرة عند حد المطالبة بمؤتمر دولي لتنفيذ حل الدولتين وليس لإعادة التفاوض عليه، وهو ما سترفضه إسرائيل وامريكا بالمقابل، لذا لا حل في الافق وما أمام الشعب الفلسطيني سوى الصمود والثبات في أرضه والصبر الاستراتيجي وممارسة المقاومة المدنية المستدامة.

تبقى نقطة أخيرة في هذا المجال تتعلق بضرورة عدم إعفاء مؤيدي الجانب الفلسطيني من أوروبيين وروس وغيرهم من العمل من أجل وقف الاستيطان الاستعماري تحت شعار التحول من حل الدولتين إلى حل الدولة الواحدة القائمة على المساواة، فهذه الاخيرة لا يمكن أن تأتي إذا استمر الاستيطان الاستعماري، وهذا ما يتطلب أن يفهمه الاوروبيون لا أن يتنصلوا منه تحت شعار الدولة الواحدة التي سيدعي الاوروبيون أنها مفتوحة للجميع فيما هي في الواقع الحالي دولة إسرائيلية واحدة على حساب الشعب الاصلي وحقه في تقرير المصير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *