ما الذي دعا حماس للمبادرة بالإشتباك مع إسرائيل؟

سؤال ليس من السهل الإجابة عليه. فإذا كان الموضوع هو أحداث القدس، فقد أتت المبادرة للإشتباك بعد أن انتهى الموضوع تقريبا. فقد حقق شباب القدس نصرا معنويا على العنف الإسرائيلي وثبتوا حقهم في التواجد في ساحة باب العامود واضطرت الحكومة الإسرائيلية لتغيير وجهة مسيرة الفاشيين اليمينيين وأوعزت للمدعي العام العمل على تأجيل قرار المحكمة بخصوص ملكية البيت في الشيخ جراح، كل ذلك قبل بداية إطلاق الصواريخ من قبل حماس. إضافة، لقد حقق أهل القدس المدنيين العزل نقلة نوعية في الرأي العام الفلسطيني عامة والعربي والدولي، وأحرج المطبعين العرب أمام شعوبهم بالمشاهد البربرية للجنود الإسرائيليين يدوسون ببساطيرهم على سجاد المسجد الأقصى المبارك، وازداد الضغط الدولي على إسرائيل وأضحت في موقع الدفاع. كل هذا كان قد تم قبل المبادرة بالإشتباك.

ماذا حصل بعد ذلك؟ بعد إطلاق الصواريخ انقلب الأمر وأصبح في إمكان إسرائيل أن تدعي أن ردها هو من باب “الدفاع عن النفس”، وتراجع مشهد بطولة أهل القدس وحل محله مشهد آخر إسرائيل أقدر عليه ميدانيا وإعلاميا. وكان من المتوقع أن إسرائيل ستقوم بالرد وبعنف أكبر. فما  كانت هي الحسابات؟ وما كان النصر المتوقع إنجازه؟

أستثني هنا عدد من التفسيرات التي أثارها البعض لأنها غير مقنعة، منها أن الموضوع يتعلق بالقدس وبالأقصى و أن هذا قد شكل عنصرا ضاغطا على حماس، أو أن الأمر من باب إحراج السلطة الفلسطينية التي “تحركت” في نطاق معروف سلفا أن لا قيمة له، أي الجامعة العربية ومجلس الأمن. وأستثني هذين التفسيرين لأن المعركة الحالية في القدس كان قد انتهت تقريبا قبل بداية إطلاق النار، ولأن حماس كانت تعرف أن إسرائيل سترد وأن الثمن سيكون مكلفا، مقابل ما يمكن أن يتحقق من مكسب، مشكوك في جدواه أصلا. وأستثني أيضا أن مبادرة حماس للإشتباك جزء من الصراع بين الجناح العسكري والجناح السياسي ومسعى لتوكيد الدور في ضوء نتائج الإنتخابات الداخلية الأخيرة. فلا يوجد دليل أو مسوغ يعتد به للأخذ بهذا التفسير.

ربما يوجد تفسير آخر لأمر يهم حماس كثيرا، أي المسعى لإبراز بصورة درامية وإن كانت مكلفة، الحاجة لتحريك ملف التفاهمات التي تمت في العام 2018 بواسطة مصرية لإحداث نقلة في ظروف الحياة للمواطنين في غزة وثبيت هدنة طويلة الأمد بناء على ذلك. وأُذَكِر أن ظروف الحياة في غزة كانت، وما زالت، غاية في الصعوبة على أكثر من صعيد. وكانت الأمم المتحدة قد أصدرت تقريرا في العام 2012 قالت فيه أن الوضع في غزة سيصبح غير مناسب للحياة البشرية بعد عدة سنوات، وقد شكل هذا وضعا ضاغطا على حماس بما في ذلك المطالبات المستمرة لتحسين الوضع التي وصلت ذروتها في مظاهرات “بدنا نعيش” في بداية العام 2019. من ناحية أخرى، توصلت الحكومة الإسرائيلية مع نهاية العام 2018 إلى قناعة بالحاجة لتثبيت الوضع في غزة أسوة بالوضع في الضفة الغربية، خاصة بعد أن اتهمت إسرائيل بارتكاب جرائم حرب من جراء قتل مئات من المواطنين العزل في “مسيرات العودة” التي كانت قد بدأت في آذار من العام 2018. وقد تم التوصل إلى هذه القناعة بفعل موقف الجيش وضغط المؤسسة الأمنية عموما نظرا لشعورهم بفقدان قوة الردع إزاء مسيرات العودة، وكما جاء في تقرير لمعهد دراسات الأمن القومي الصادر في آذار من العام 2019.

غير أن هذا الملف قد توقف ولم تنفذ التفاهمات التي قال عنها نتنياهو نفسه في حينه أنها بمثابة “خطة مارشال” لغزة، مستذكرا خطة الولايات المتحدة لإنهاض أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. ولم يجري تطبيق هذه التفاهمات حتى الآن لسببين: استغراق الحكومة الإسرائيلية بمسلسل الإنتخابات الأربعة والمزايدات المتوقعة التي كانت ستصاحب أي تحسين جدي في الحياة في غزة في هذا الظرف، والسبب الثاني هو عدم التوصل لاتفاق حول ملف تبادل الأسرى. هذا بالرغم من متابعته جزئيا خلال الأشهر القليلة الماضية.

إذا، يبدو أن هذا هو التفسير الأنسب لمبادرة حماس بالإشتباك ميدانيا مع إسرائيل بسبب أهمية تغيير الوضع في غزة وتوقعات الجمهور منها نظرا لأنها السلطة الحاكمة، أي وضع الموضوع مرة أخرى كأولوية على جدول أعمال إسرائيل والدول الأخرى المعنية. ويمكن إضافة عنصر آخر ظرفي لهذا التفسير، وهو خيبة الأمل من إلغاء الإنتخابات النيابية التي ربما نظرت إليها حماس على أنها قد تأتي ببعض التغيير في الوضع المعيشي في غزة، أن تشكلت كنتيجة للإنتخابات وزارة واحدة للضفة وغزة، تتحمل مسؤولية عن شقي الوطن. وبهذا المعنى، إن المبادرة للإشتباك موجه أيضا باتجاه السلطة الفلسطينية.

ونظرا لأنه كان من المتوقع أن إسرائيل سترد بعنف مضاعف أو أكثر، كما فعلت في السابق، على أية صواريخ ستطلق من غزة، خاصة إن وصلت إلى منطقة القدس كما تم، لا يمكن أن يكون إلا أمر على درجة من الأهمية هو سبب الإشتباك، مثل السجن الكبير والوضع غير الإنساني في غزة، ولإعادته إلى مركز الصدارة. مغامرة كبيرة ثمنها مرتفع؟ نعم، ولكن يتوقف على النتائج.

 

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *