ماكينة اللاجئين…


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

هذه ماكينة خياطة عمرها ٦٥ عاما من ماركة سينجر “بالجيم” كما كانت تحب أمي أن تسميها..

حكاية هذه الماكينة طويلة؛ بعد أن تركت أمي مدرستها في يافا وهي في الصف الرابع أو الثالث، وصارت لاجئة في الأردن، مرت على العائلة سنوات عجاف في الخيمة، ولكن ما إن بادرت الأونروا بفتح دورة تدريبية للخياطة، حتى التحقت أمي بالدورة واجتازتها بنجاح، هكذا كانت تقول أمي بزهو وفرح وتضيف أنها كانت الأفضل. ما إن انتهت أمي من الدورة حتى بادر جدي بشراء هذه الماكينة لأمي بسعر  ٢٣ دينار أردني وهو مبلغ كبير جدا قياسا لذلك الوقت، وعرفت السعر لان أمي احتفظت بفاتورة الشراء وكانت تتباهى بها.

وفي المخيم كانت أمي تخيط الثياب للقريب والغريب، وصارت تساعد في مصروف العائلة… في ذلك الزمن وفي تلك الخيمة كانت أمي تتذكر كيف كانت تخيط الفساتين للصبايا والعرائس، كيف كانت تخيط سروال جدي وترقع بناطيل إخوتها، كانت مكافحة وسعيدة بأنها تستطيع أن تكون مبادرتها وحياتها بين يديها في ماكينتها الجديدة…

بعد سنوات قليلة تزوجت أمي ووالدي وأخرجت هذه الماكينة مع جهاز عرسها، واستمرت بالخياطة في بيتها الجديد، تخيط لجدي وجدتي وعماتي كل ما يحتاجونه…

بعد وقت قصير جدا من زواجها، طُرد والدي من عمله كمدرس بسبب آرائه السياسية، وانتشر الخبر قبل أن يصل الدار فبادرته أمي بالقول: لا تخف، سننجو فأنا سأعمل في الخياطة ولن نحتاج أحدًا… يقول والدي أطال الله في عمره أنه ما نسي كلماتها في حياته ، هذه العروس الجديدة التي ساعدته كي يمضي بنشاطه السياسي..

مرت السنوات ومضى العمر والماكينة تنتقل مع أمي في كل حل وترحال، من عقبة جبر إلى عمان ثم نابلس وعمان مرة أخرى، حتى سوريا وتحديدا اللاذقية.

وكان لهذه الماكينة ذكرى لا يمكن أن تمحى، فكلما كنت أسأل أمي عن تاريخ ولادتي تقول: لست متأكدة بالتحديد، كنا قد جئنا من عمان، وكنت متعبة من الحمل، وكنت اخيط ملابس المدارس لإخوتك الكبار حين داهمني الطلق وأنجبتك.

انتقلت الماكينة مع العائلة إلى دمشق وسجن والدي وعادت أمي للماكينة التي لم تفارقها يوماً، وصار تخيط “مراييل” المدارس بالأجرة، وكل ما يمكن أن يساعد في مصروف عشرة أبناء مع جدي وجدتي. لا أذكر أني شاهدتها يوما تبدي تبرما أو ضيق، كانت الماكينة تأكل الثياب والعمر يأكل وجه أمي.

غادرت أمي دمشق والحياة وتركت ماكينتها هناك في سوريا تخيط السعادة والحياة للاجئين جدد.

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: سعاد قطناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *