ماذا يعني أن تنجو في غزة؟

النجاة في غزة ليست حدثاً استثنائياً، إنما أمر روتيني يومي يشبه التنفس، نفعله كي لا نموت، وليس لأننا نريد أن نحيا.
إنها ليست لحظة الخلاص من موت ممكن، إنما امتداد للحياة في ظل موت مستمر.
فما معنى أن تنجو حين تكون محاطاً بالموت من كل اتجاه؟ وما معنى النجاة حين تحرم من كل ما يجعل الحياة ممكنة أصلاً؟ الحرب في غزة لم تدمر البنية التحتية فقط، بل أيضاً أعادت تشكيل بنية الإنسان نفسه؛ فمن كان يحلم بمستقبل صار يحلم بوجبة كاملة، ومن كان يبني بيته، صار يبحث عن خيمة أو سقف من القماش. حتى اللغة نفسها تغيّرت، والمفردات أعيد ترتيبها، فصار “السلام” يعني هدوء الطائرات لبضع ساعات، وصار “الأمان” يعني أن تبقى على قيد الحياة حتى المساء.
وفي أوضاع كهذه، يتجاوز مفهوم النجاة معناه البيولوجي إلى معنى رمزي – فلسفي أعمق؛ أن تنجو في غزة يعني أن تظل إنساناً على الرغم من محاولات تجريدك من إنسانيتك، وأن تصحو كل صباح، وتقرر أن تكون على قيد الحياة، على الرغم من أن كل شيء حولك يقول أنك يجب ألاّ تكون كذلك.
النجاة هنا ليست انتصاراً على الحرب، إنما على اللامعنى الذي تخلفه الحرب. ففي مدينة أصبحت فيها الحياة احتمالاً مؤجَّلاً، يتحول البقاء نفسه إلى فعل فلسفي، ونوع من المقاومة الصامتة ضد العدم. منذ زمن طويل، لم يعد الغزيون ينجون من الموت فحسب، بل أيضاً من معناه. فحين يتكرّر الخطر إلى حدّ الاعتياد، تصبح النجاة طقساً بلا نصر، أشبه بالاستيقاظ من حلم من دون أن نعرف إن كنّا في الواقع أم لا.
وفي كل مرة تسقط فيها قنبلة، لا ينجو الجسد وحده، بل أيضاً ينجو الصوت والذاكرة والرائحة، وشيء صغير في القلب يرفض أن يتوقف عن الخفقان. غزة اليوم ليست فقط جغرافيا محاصرة، بل أيضاً حالة وجودية نادرة؛ يعيش الناس فيها على حافة المعنى، بين ما كان يجب أن يكون وما تبقّى. وكل بيت فيها يشبه سطراً من رواية لم تكملها الحرب، وكل شارع يحمل ذاكرة الذين مرّوا فيه يوماً ثم اختفوا، وكل رصيف يتذكر الخطوات التي لم تكتمل إلى المدرسة، وإلى السوق، وإلى الحلم.
من الصعب أن تفهم معنى النجاة في غزة إن لم تعشه؛ فأن تنجو هنا لا يعني أنك بخير، إنما معناه أنك ما زلت تحصي خساراتك واحدة تلو الأُخرى، وتحاول أن تواصل الحياة بذاكرة مثقلة بما رأيت.
إن الناجين في غزة لا يشعرون بالنجاة كما نظن نحن؛ فهم ينامون إلى جانب ذاكرة ثقيلة وكأنها جدار، ويستيقظون على أصوات لا يعرفون إن كانت حقيقية أم من داخلهم، ويمارسون يومهم وهم يختبرون السؤال ذاته: “لماذا أنا بقيت؟” ذلك السؤال الذي لا يملك جواباً مطمئناً، فيتحوّل إلى عبء جديد يضاف إلى الحصار والدمار والجوع.
من ينجو في غزة لا يعود كما كان؛ فالنجاة تغيّر شكل الروح، وتجعلها أكثر حذراً وصمتاً وعمقاً، فتصبح العين مرآة مزدوجة ترى الحياة والموت في آن واحد. وحتى الضحك هناك ليس براءة، إنما فعل مقاومة صغير ضد القسوة؛ وحين يضحك الغزيون، فإنهم يضحكون كي يثبتوا للعالم أنهم لا يزالون بشراً، على الرغم من أن العالم ذاته لم يعد يتذكر بشريتهم.
منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر، تغير وجه غزة إلى الأبد؛ إذ تحولت المدن التي كانت تضج بالحياة إلى مساحات رمادية يغطيها الغبار والركام، وأصبح الهواء نفسه يحمل رائحة الفقد، والذين نجوا من القصف لم ينجوا من آثاره، فالجميع هنا ناج بطريقة ما، والجميع أيضاً ضحية.
في شوارع غزة، النجاة تشبه الماء المالح: تروي العطش موقتاً، لكنها تترك في الحلق طعماً لا ينسى. هي ليست حياة، إنما انتظار طويل لحياة مؤجلة، وهي ليست نهاية الخطر، إنما بدايته؛ فمن يخرج من بين الأنقاض يبدأ رحلة أُخرى من الصراع مع الجوع، والماء الملوّث، وانقطاع الكهرباء المستمر منذ عامين، والانتظار الطويل أمام نقاط توزيع المساعدات وطوابير المياه.
وتصبح الحياة اليومية سلسلة من المهمات الصعبة: كيف تطبخ بلا غاز؟ كيف تشرب ولا يوجد ماء صالح؟ كيف تقطع الطريق بلا أقدام؟ كيف تنام بينما الطائرات لا تنام؟
الغزيون لا ينجون فقط لأنهم يريدون أن يعيشوا، بل أيضاً لأنهم يرفضون أن يمحوا من السطر الأخير في التاريخ، فكأنهم يقولون: “لن نموت كما يريد العالم، إنما كما نريد نحن.” ثمة حياة صغيرة تحاول أن تخلق من بين الركام: كالطفل الذي يكتب واجبه على ضوء شمعة، وآخر يلعب الحجلة قرب خيمة نصبتها عائلة فقدت بيتها، وامرأة تزرع نبتة على شرفة بيت مهدم، ورجل يرمم جداراً ليحفظ شيئاً من بيته القديم. وفي كل بيت فقد أبناءه، هناك من يطبخ للناجين، وفي كل شارع دمر نصفه هناك طفل يركض وراء طائرة ورقية. كل هؤلاء يمارسون فعل النجاة وكأنهم فنانون كبار يعيدون رسم العالم من رماده. إنهم لا يعيشون الحياة كما يعرفها العالم، إنما يخترعونها من جديد بوسائل بسيطة وإصرار غريبٍ على الفرح. ربما لهذا تبدو غزة، على الرغم من كل موتها، مكاناً مفعماً بالحياة؛ لأن الحياة هناك لا تأتي من الخارج، إنما تخلق من الداخل، من عناد جميل يسكن الوجوه المتعبة. وفي عيون الناس ضوء لا ينطفئ، يشبه وعداً قديماً بأن الأرض، مهما تحترق، فستزهر من جديد.
وعلى الرغم من أن الناجين في غزة يبدون أقوياء أمام الكاميرات، فإن داخلهم هشاشة لا ترى. النجاة ليست انتصاراً، إنما عبء ثقيل؛ فأن تنجو يعني أن تحمل كل ما لم ينج معك: أصوات أحبتك، وصورهم، وضحكاتهم، وحتى أماكنهم الفارغة على المائدة، كما يعني أن تتعلم كيف تتنفس وسط الغياب.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل تلك القوة الغامضة التي تبقي الناس صامدين؛ ربما هي الإيمان، أو الأمل، أو عناد الذاكرة. في كل وجه غزيّ، هناك قصة تروي كيف يمكن للإنسان أن يقاوم الفناء بلا سلاح سوى الإرادة، فهم لا يعيشون لأن الأوضاع تسمح لهم بذلك، إنما لأنهم يرفضون أن يتوقفوا عن البقاء. أن تبقى على قيد الحياة في غزة هو إعلان تمرّد على القوة التي تريدك أن تختفي.
النجاة في غزة ليست حياة، إنما هي وعد بالحياة يتجدد كل صباح، على الرغم من كل ما يهدم ليلاً. والحياة حين تتخفى في أصعب صورها هي القدرة على أن تقول: “أنا هنا”، على الرغم من أن كل شيء من حولك يقول العكس. هذا فضلاً عن المعجزة اليومية التي يصنعها الغزيون بلا ضجيج؛ فقط بالاستمرار، وهي شكل من أشكال المقاومة.
عن المؤلف:
محمد أبو محيسن: فلسطيني يوثق الذاكرة الجماعية وسرديات الحياة في غزة.
عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية