ماذا فعلت عصابة البلماح في فيلا أبو الجبين؟

وسط بيارات البرتقال ، ما بين قرية بيت دجن وعيون قارة، ورائحة المسك المنبعثة منها، وعلى تلة صغيرة تطل على بيارات يافا المترامية الأطراف على شكل نصف دائرة قطرها شاطئ البحر، أقام زهدي ابو الجبين بيته الجميل، تحفة فنية تضاهي قصور الملوك. 

بدأ زهدي ابو الجبين بناء بيته بداية الثلاثينات من القرن الماضي على الطراز الشرقي، وأتم بناء مبنى مكون من طابقين، تميزه الأسقف العالية وسبعة اقواس في واجهة كل طابق، لكن سرعان ما تبدل رأيه، وقرر ان يبدل هوية المبنى الى الطراز الغربي، ومن أجل ذلك استخدم خدمات المهندسين ريكارد كاوفمان ويتسحاك راببورت من القدس،  اما من أجل إقامة الحدائق حول المبنى وشلالات المياه وقنوات المياه، فقد استأجر خدمات المهندس يحيئيل سيجل، لقد اراده قصرا يضاهي به قصور النبلاء.

كان زهدي ابو الجبين رجلا ثريا وتاجرا كبيرا، من اكبر تجار الحمضيات في فلسطين، كان يمتلك شركة مسجلة في فلسطين وفي بريطانيا، يصدر من خلالها البرتقال اليافاوي، من ميناء يافا الى جميع انحاء العالم، كان زهدي أبو الجبين وكيل شركة Goodwer & Simon، وكان ايضا يملك شركة طباعة  لختم صناديق البرتقال وطباعة العلامات التجارية على الورق الذي يُلفّ به البرتقال،  اسمها “مطبعة أبو الجبين وإخوانه”.

سكن زهدي ابو الجبين وعائلته في يافا، وكان عضوا في مجلس بلديتها، لقد كان رجلا كريما، ففي عام ١٩٤٠، تبرع ابو الجبين بمبلغ كبير من المال، ٥٠٠٠ جنيه، لبناء ملجأ للأيتام بالقرب من بيت دجن، لرعاية ابناء الشهداء المجاهدين، ملجأ الرجاء، على اسم ابنه.

كان زهدي ابو الجبين  يملك بيتا داخل بيارته القريبة من بيت دجن، يشكل مقرا ومركزا لإدارة العمل في بيارات الحمضيات التي يمتلكها، يسكن داخله عدد من عماله وعائلاتهم،  كان هذا بيت البيارة او بيت البئر، يقوم على نبع ماء، على مدخله مضخة تضخ الماء الى بركة مياه تتشعب منها قنوات تسقي اشجار الحمضيات، على بعد نحو مئة متر من هذا البيت شمالا، اراد زهدي ابو الجبين ان يبني بيته.

لقد نجح المهندسان ريكارد كاوفمان ويتسحاك راببورت ان يخرجا من تحت ايديهما مبنا جميلًا ، كما اراده زهدي ابو الجبين، لم يكن ذلك صدفة، فهما من اشهر المهندسين في ذلك الوقت، ولم يبخل عليهما صاحب البيت، لكن ما ميز جمال المبنى واناقته  اكثر من غيره، كانت الحدائق الرائعة التي كانت تحيطه، تبدأ ببركة مياه سداسية الشكل، تصل اليها المياه عبر قناة من بيت البئر، ومن ثم تتشعب بقنوات الى برك اخرى، والى احواض الورود الفريدة، تزينها شلالات من المياه، انها اشبه بقصور الف ليلة وليلة.

في هذا البيت الجميل استضاف زهدي ابو الجبين شخصيات كبيرة، هنا استضاف ملك السويد غوستاف السادس عندما كان أميرًا ، وهنا استضاف الرئيس السوري عطا بك الايوبي، والرئيس المصري مصطفى النحاس باشا، وهنا غنت اسمهان الاطرش، بين هذه الحدائق والورود الجميلة المنبعثة منها رائحة العطر ، بين بيارات يافا وأزهارها، هنا بالقرب من بيت دجن، الى هنا حضر الاصدقاء والمعارف من اهل يافا والمنطقة للاستماع الى اسمهان وهي تصدح:

 ” يا بدع الورد يا جمال الورد

من سحر الوصف قالو عالخد

الورد الورد يا جماله”.

والعشاق من بين الحاضرين يرقصون ويتمايلون على أنغام الموسيقى العذبة.

بتاريخ  ٢٦/٢/١٩٤٨، في ساعات الليل، نجحت وحدة خاصة من عصابة البالماح، بقيادة شلومو لاهط،  بالدخول الى فيلا زهدي ابو الجبين وقامت بتفجيره على من فيه، لم يكن زهدي ابو الجبين وعائلته موجودين في البيت، نجحت هذه العصابة بقتل واعدام خمسة عشر من الموجودين فيه، سبق ذلك بقليل قيام نفس العصابة بتفجير بيت البيارة وقتل واعدام من فيه، خمسة اشخاص على الأقل.

رغم قوة الانفجار  لم يهدم البيت بكامله، كان المبنى قويا متماسكا، فجاء المهندس يتسحاك راببورت، المهندس الذي شارك في تخطيط المبنى،  ليدل العصابة ويساعدها على تفجيره بالكامل، اتضح لاحقا، ان هذا المهندس الذي شارك بالتخطيط لبناء الكثير من البيوت العربية،  مثل بيت عائلة الدجاني ومستشفى الدجاني في يافا، وبيت محمود عبد الرحيم، الذي تحول الى بيت للسفير الفرنسي، ما هو الا  عضوا في عصابة الهجناه ومسؤولا في وحدة الهندسة عن التفجيرات، اتضح لاحقا انه كان ينقل اسرار ما يسمعه داخل هذه البيوت وخاصة ما يحدث من لقاءات المجاهدين في بيت محمود عبد الرحيم، الى عصابة الهجناه.

عندما استأجر رجل الأعمال زهدي ابو الجبين، خدمات المهندس يتسحاق راببورت، لإتمام بناء بيته الجميل، بين قرية بيت دجن وعيون قارة – ريشون لتسيون، لم يخطر على باله آنذاك، أن هذا المهندس، سيساعد لاحقا عصابة البالماح على هدم بيته، البيت الذي ساعد في تخطيطه، ولم يخطر على بال زهدي ابو الجبين، ان هذا المهندس هو عضو في عصابة الهجناه

هدم شلومو لاهط وعصابته فيلا زهدي ابو الجبين وبيت البيارة، وقتل واعدم من فيهم، وكانت جائزته انه اصبح رئيس بلدية تل ابيب بين السنوات ١٩٧٤ حتى ١٩٩٣.

لو بقيت فيلا زهدي ابو الجبين عامرة بحدائقها وشلالات المياه من حولها، وبيارات البرتقال التي تحيطها، لو لم تهدمها عصابة البالماح، فلعلها كانت اجمل فيلا في فلسطين، اجمل من فيلا سلامة في حي الطالبية في القدس الغربية التي لا زالت قائمة حتى اليوم،  وأجمل من قصر عائلة خوري، الواقع بين حي وادي النسناس وحي الهدار في حيفا، والذي هدمه الصهاينة مباشرة بعد احتلاله.

Author: جهاد أبو ريا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.