ليسوا جميعاً سواء: تحليل جندري لآثار اليُتم على الفتيات والفتيان في فرص التعليم والحماية في فلسطين

السياق العام لليتم وخصوصية التجربة الفلسطينية

يشكل اليُتم أحد أبرز أشكال الطفولة المعرضة للخطر على الصعيد العالمي، وتتضاعف تبعاته في السياقات التي تعاني من أزمات اجتماعية وقانونية ممتدة، كما هو الحال في فلسطين. فلا يقتصر أثر اليُتم على فقدان الرعاية الوالدية، بل يمتد ليؤثر على فرص التعليم والحماية والاندماج الاجتماعي، ولا سيما في ظل بيئة سياسية واقتصادية غير مستقرة (Farahat & Cheney, 2015). وتبرز هنا إشكالية تعدد التعريفات: ففي حين يحصر الإطار القانوني الفلسطيني مفهوم اليُتم في فقدان الأب حصراً، انسجاماً مع أحكام قانون الأحوال الشخصية المستمدة من الشريعة الإسلامية، فإن الأدبيات الحقوقية الدولية تعتبر اليتيم كل طفل فقد أحد والديه أو كليهما قبل بلوغ سن الثامنة عشرة (Al-Adili et al., 2007). هذا التباين بين المرجعيات الدولية والتشريعات المحلية، إلى جانب الأعراف الاجتماعية التي تُعطي الأولوية للولاية الذكورية وتتبنى “الكفالة” بديلاً عن التبني، يخلق حالة من التداخل القانوني وغياب آليات مساءلة موحدة، ما ينعكس سلباً على جودة وحجم الخدمات المقدمة للأيتام. وعلى الرغم من أن الدولة، ممثلة في وزارة التنمية الاجتماعية، تتحمل نظرياً المسؤولية الأولى عن رعايتهم، فإن العبء الأكبر يقع عملياً على الأسرة الممتدة والجمعيات الخيرية والمجتمع المحلي، مع اعتماد كبير على التمويل الخارجي. وفي الوقت نفسه، تظهر تفاوتات طبقية وجندرية واضحة في أنماط الرعاية، إذ يواجه الأطفال الأيتام من الأسر الفقيرة مستويات أعلى من الهشاشة، بينما قد يُعرضون للإهمال أو التمييز في إطار الأسرة الممتدة، وخصوصاً في حالات زواج الأب أو عدم استقرار الأسرة. وتبقى مؤسسات الإيواء خياراً أخيراً للحالات التي يتعذر فيها توفير بدائل أسرية. وعلى الرغم من وجود مبادرات مجتمعية ومحلية تسعى إلى سد هذه الفجوات، فإنها تواجه تحديات متعلقة بضعف التنسيق، ومحدودية التمويل، وغياب الحساسية الجندرية، الأمر الذي يفاقم من تعرض الفتيات الأيتام للتمييز والتهميش. وفي ضوء ذلك، تهدف هذه الورقة إلى تحليل آثار اليُتم في السياق الفلسطيني من منظور جندري، من خلال طرح التساؤل المحوري: كيف يؤثر اليُتم بشكل مختلف على فرص التعليم والحماية للفتيات والفتيان، وما هي السياسات المطلوبة لمعالجة هذا التفاوت؟

الآثار الجندرية لتجربة اليُتم في فلسطين

في السياق الفلسطيني، لا يُعدّ اليُتم مجرد حالة فردية ناتجة من فقد أحد الوالدين أو كليهما، بل هو تجربة مركبة تتقاطع فيها الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية، وتتأثر بعمق بعوامل النوع الاجتماعي (الجندر). وعلى الرغم من أن السياسات والخطاب العام يتعاملان غالباً مع الأيتام كوضع موحد، فإن الأدلة تشير إلى أن آثار اليُتم لا توزع بالتساوي بين الفتيات والفتيان، بل تعكس تفاوتات جندرية عميقة(DCI-Palestine, 2022; UN Women, 2021).

الصدمة النفسية والتمييز الاجتماعي

يواجه الأيتام صدمة نفسية حادة جراء فقدان أحد الوالدين او كليهما، إلاّ إن مظاهر هذه الصدمة تختلف بين الجنسين: إذ يتوقع من الفتيان –ثقافياً- كبح مشاعرهم والتصرف كـ”رجال”، ما ينعكس في شكل عزلة أو سلوك عدواني، بينما تميل الفتيات الى كبت مشاعر الحزن خوفاً من الوصمة، وخصوصاً عند الانتقال إلى بيئات جديدة تفتقر الى الأمان والدعم (Hallman et al., 2008; UN Women, 2021). كما تُفرض أدوار نمطية على الأطفال الأيتام، إذ يُدفع الفتيان إلى تحمل أعباء الإعالة والعمل المبكر، بينما تتحمل الفتيات أدوار الرعاية المنزلية، ما يؤدي إلى انسحابهن من التعليم وازدياد الضغط النفسي (Ndeda, 2010; Shukla & Singh, 2024).

القيود الجندرية والزواج المبكر

في ظل هشاشة نظم الحماية، تُقيّد الفتيات باسم “الحماية”، ويُدفعن إلى الزواج المبكر باعتباره “حلاً وقائياً”، بينما يواجه الفتيان خطر الاستغلال في العمل أو الانخراط في سلوكيات خطرة. وفي كلا الحالتين، تُقيّد فرص التعليم والرعاية، إذ غالباً ما يُجبر الفتيان على ترك المدرسة، فيما تُمنع الفتيات لاحقاً من استكمال تعليمهن بفعل الأعراف (DCI-Palestine, 2022). أمّا مجهولو النسب –وخصوصاً الفتيات– فيواجهون وصمة قانونية واجتماعية مضاعفة تقلص فرصهم في العمل والزواج، وتدفعهم نحو زيجات قسرية أو أشكال استغلالية من “الرعاية” (Maqdisi & Najjar, 2015).

الأطفال الذين يرأسون أُسراً

قال عدي: “أنا الطفل اليتيم عدي شعبان، كنا نعيش في فرح قبل الحرب، ثم جاء 7 أكتوبر،

فرأينا العذاب في الحرب والصواريخ، ما ذنبنا كأطفال غزة؟”

وأضاف: “أنا أتولى الصرف على إخوتي، لذلك أخرج للبيع، ما هو ذنبنا كأطفال غزة، جراء ما يحدث لنا”.

https://asharq.com/reports/113011

في بعض الحالات، يضطر الأطفال إلى قيادة أسرهم من دون دعم أو تأهيل، ما يحمّل الفتيان مسؤوليات الكبار، ويُلقي على كاهل الفتيات أعباء الرعاية، في ظل غياب شبكات الدعم الأسري أو المؤسسي(Ndeda, 2010) . تؤكد هذه الأنماط أن معالجة اليُتم كحالة محايدة جندرياً يُخفي التفاوتات البنيوية، ويعيق بناء تدخلات فعالة وحامية.

تفاوتات داخل الفئات: منظور تقاطعي لتجربة اليُتم

يكشف الواقع تفاوتات عميقة داخل كل فئة بناءً على عوامل متقاطعة مثل العمر، والموقع الجغرافي، والوضع القانوني، أو الإعاقة، وهو ما يتطلب تحليلاً أكثر دقة لضمان استجابات أكثر عدالة وفعالية.

فالفتيات اليتيمات لا يواجهن تجربة موحدة؛ فبينما تكون المراهقات، على سبيل المثال، أكثر عرضة للزواج القسري أو الانسحاب من المدرسة، تُفرض على الطفلات الأصغر سناً، أدوار الرعاية داخل المنزل. أمّا الفتيات ذوات الإعاقة، فيعانين من تهميش مضاعف: وصمة اليُتم من جهة، والإعاقة من جهة أُخرى، ما يجعلهن أكثر عرضة للإهمال أو العنف الأسري والمؤسسي، وأقل وصولاً للخدمات الأساسية، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية (UNICEF, 2022).

أمّا الفتيان الأيتام، فتختلف تجربتهم أيضاً باختلاف السياق؛ فالفتيان في المخيمات والمناطق الريفية يواجهون ضغوطاً أكبر للانخراط في سوق العمل أو الأعمال الشاقة او الاستغلال الاقتصادي نتيجة الوضع الاقتصادي القاسي، مقارنة بأقرانهم في المدن. كما أن الفتيان الأكبر سناً يُتوقع منهم تولي مسؤولية “الأسرة”، ما يعرضهم لخطر الاستغلال أو التسرب المدرسي، بينما يُنظر إلى الصغار منهم كعبء اقتصادي أو “رجال الغد” من دون تمكين فعلي.

كذلك، تُظهر التقارير أن الأطفال مجهولي النسب، سواء كانوا فتيات أو فتيان، يعيشون على هامش المجتمع نتيجة الوصمة القانونية والاجتماعية، يواجهون تحديات في التوظيف أو القبول الاجتماعي، وخصوصاً في المجتمعات المحافظة، كما يواجهون صعوبة مضاعفة في الحصول على الكفالة أو الاحتضان الأسري، ما يجعل مؤسسات الرعاية هي الملاذ الوحيد، على الرغم مما تعانيه من نقص في الموارد والخصوصية.

جذور التفاوتات الجندرية لتجربة اليُتم في فلسطين

يُعدّ اليُتم في فلسطين ظاهرة معقدة متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها الأسباب التشريعية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية مع عوامل النوع الاجتماعي (الجندر). ويؤدي غياب أحد الوالدين –وخصوصاً الأب في السياق الفلسطيني– إلى اختلالات عميقة في بنية الأسرة، تنعكس بشكل متفاوت على الفتيات والفتيان، وتنجم عنها أنماط من التمييز والإقصاء غير المرئي في كثير من السياسات والبرامج (Al-Adili et al., 2007). هذه التفاوتات البنيوية القانونية والاجتماعية ليست مجرد فروق نظرية، بل تترجم إلى واقع يومي ملموس يؤثر على حياة الأيتام في فلسطين؛ فغياب تدخل رسمي واضح لحالات “يتيم الأم” يجعل هؤلاء الأطفال أكثر عرضة للتمييز والإهمال، وخصوصاً في ظل زواج الأب من زوجة جديدة أو وضع الأسرة غير المستقر، مما قد يحرمهم من حقوقهم الأساسية في الرعاية والتعليم والحماية. في المقابل، وجود إطار مؤسسي أكثر وضوحاً تجاه “يتيم الأب” لا يضمن بالضرورة رعاية متكاملة، لكنه يتيح فرصاً أكبر للحصول على دعم رسمي ومجتمعي. هذه الفجوات في الاستجابة تعمّق عدم المساواة بين الفتيات والفتيان الأيتام، وتعكس نقصاً في حساسية السياسات تجاه التعقيدات الجندرية الواقعية التي تؤثر على مسارات حياة هؤلاء الأطفال وحاجاتهم المتنوعة.

فمن ناحية يفتقر الإطار القانوني الفلسطيني إلى سياسة وطنية موحدة لحماية ورعاية الأطفال الأيتام، ويخضع العديد من الأحكام –وخصوصاً ما يتعلق بالوصاية والميراث والولاية على التعليم والزواج– لنصوص تُعيد إنتاج أدوار جندرية تمييزية (Welchman, 2007)؛ كحرمان العديد من الأمهات الأرامل –على سبيل المثال- من حق الولاية على أبنائهن بمجرد بلوغهم سناً معينة، ما يؤدي إلى إسناد الوصاية لأقرباء ذكور قد لا يكونون أصلح لرعاية الأطفال، وخصوصاً الفتيات (UN Women, 2021).

ومن ناحية أُخرى، تسود في المجتمع مقاربة لليُتم تقوم على الشفقة لا على الحقوق، مما يفاقم التهميش. وتواجه الفتيات اليتيمات قيوداً اجتماعية متزايدة، كفرض الرقابة الشديدة على تحركاتهن أو تزويجهن المبكر بذريعة الحماية و”الحفاظ على الشرف” (DCI-Palestine, 2022). في المقابل، يُتوقع من الفتيان تولي أدوار المعيل مبكراً، مما قد يدفعهم إلى سوق العمل أو الانخراط في نشاطات خطرة (Farahat & Cheney, 2015).

كذلك، تفقد الأسر اليتيمة في الغالب جزءاً كبيراً من دخلها بسبب فقدان المعيل، وتؤكد الدراسات أن كثيراً من هذه الأسر تخسر أكثر من نصف دخلها (Hallman et al., 2008). هذا الانخفاض ينعكس مباشرة على قدرة الأسرة على تأمين التعليم والرعاية الصحية، ويدفع الفتيات إلى التسرب المدرسي والانخراط في أدوار رعاية منزلية، بينما يُجبر الفتيان على العمل المبكر (Shukla & Singh, 2024).

ولا تزال معظم السياسات والبرامج الموجهة إلى الأطفال الأيتام في فلسطين محايدة جندرياً، ولا تعترف بتأثير النوع الاجتماعي على الاحتياجات والفرص. هذا التحييد يؤدي إلى تصميم تدخلات غير ملائمة لا تميز بين المخاطر الخاصة التي تواجهها الفتيات أو الفتيان (Al-Adili et al., 2007). كما لا تزال معظم البيانات غير مصنفة حسب الجنس والعمر، ما يعيق تطوير استجابات قائمة على الأدلة (UNICEF, 2022)؛ فعلى سبيل المثال، على الرغم من أن وزارة التنمية الاجتماعية تُقدم مساعدات لحوالي 36,000 طفل يتيم سنوياً، فإن غياب مؤشرات تقييم واضحة يجعل من الصعب قياس الأثر الفعلي لهذه المساعدات على حماية الأطفال وتمكينهم، وخصوصاً الفتيات (DCI-Palestine, 2022).

الفاعلون الرئيسيون المعنيون بتفاوت التأثيرات الجندرية لليُتم في فلسطين

تتداخل في قضية اليُتم في فلسطين أطراف متعددة، تتباين أدوارها ومواقفها، لكنها جميعاً تشكل جزءاً من البيئة الاجتماعية والقانونية التي تحيط بالأطفال الأيتام، وخصوصاً الفتيات (Farahat & Cheney, 2015).

الأطفال الأيتام: محور مغيّب في السياسات

على الرغم من أن الأطفال الأيتام هم جوهر أي تدخل، فإنهم غالباً ما يُعاملون كمتلقين سلبيين لا كمشاركين فاعلين في القرارات المتعلقة بمستقبلهم (Shukla & Singh, 2024). كما تغيب آليات المشاركة الآمنة والمراعية للنوع والعمر في البرامج والسياسات القائمة (UN Women, 2021).

الأسر الممتدة: بين الحماية والتقييد

تلعب الأسر الممتدة دوراً مركزياً في رعاية الأطفال بعد فقدان أحد الوالدين، لكنها غالباً ما تتبنى مقاربة تقليدية تنطوي على تمييز جندري، وخصوصاً ضد الفتيات (Al-Adili et al., 2007). فقد تُفرض قيود على تعليمهنّ أو يُزَوّجن مبكراً تحت ضغط الفقر والمفاهيم المحافظة. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه الأسر تمثل شريكاً محورياً يمكن تمكينه ودعمه اقتصادياً واجتماعياً لتعزيز أدواره الإيجابية (Farahat & Cheney, 2015).

المجتمع المحلي: إنتاج المعاني وتكريس الأدوار

تُعيد المجتمعات المحلية – بما فيها الوجهاء، ورجال الدين، والإعلام – إنتاج تصورات نمطية حول اليُتم، تكرس الوصاية على الفتيات وتدفع بالفتيان إلى تحمل المسؤولية مبكراً (DCI-Palestine, 2022). ومع ذلك، تملك هذه المجتمعات القدرة على قيادة التحول، إذا ما تم إشراكها في حملات توعية تستخدم خطاباً دينياً وثقافياً مألوفاً لتعزيز العدالة الجندرية وحقوق الأيتام (Welchman, 2007).

الحكومة الفلسطينية: بين الرعاية والقصور الجندري

تُعدّ وزارة التنمية الاجتماعية الجهة الرسمية المسؤولة عن حماية الأطفال المحرومين من الرعاية الوالدية، إلى جانب وزارة التربية والتعليم التي تدعم التحاقهم بالمدارس (UNICEF, 2022). لكن التدخلات الحكومية لا تزال تركز على الجوانب الإغاثية، وتفتقر إلى رؤية جندرية شاملة. ويحدّ من الاستجابة الفعالة ضعف التنسيق المؤسسي، وغياب بيانات مصنفة حسب الجنس والعمر، وندرة البرامج النفسية والاجتماعية الحساسة للنوع الاجتماعي (DCI-Palestine, 2022).

مؤسسات المجتمع المدني: جهود نوعية لكنها مجزأة

تلعب بعض المؤسسات المحلية أدواراً مهمة في الرصد، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي، وخصوصاً للفتيات المعرضات لخطر الزواج المبكر (Shukla & Singh, 2024)، إلاّ إن جهودها لا تزال مجزأة وتعتمد على تمويل خارجي غير مستقر، وتفتقر إلى مظلة سياسات وطنية تضمن الاستدامة والتكامل.

الوكالات الدولية: دعم طارئ من دون استراتيجيات طويلة الأمد

تدعم بعض الوكالات الدولية مثل اليونيسف، والأونروا، واليونيسكو برامج تعليمية ونفسية للأطفال الأيتام، لكنها تركز غالباً على التدخلات الطارئة، من دون التأسيس لبرامج مستدامة تراعي الفروقات الجندرية (UNICEF, 2022). كما تفتقر تقاريرها إلى مؤشرات نوعية تقيس آثار اليُتم على الفتيات مقارنة بالفتيان (DCI-Palestine, 2022).

المؤسسات الخيرية والدينية: دعم مشروط وثقافة محافظة

تُعد صناديق الزكاة، والأوقاف، والجمعيات الإسلامية التقليدية من أبرز مصادر الدعم المادي للأيتام، وخصوصاً في البيئات الفقيرة. إلاّ إن هذا الدعم غالباً ما يرتبط بشروط محافظة، قد تُكرس التمييز، وخصوصاً تجاه الفتيات (Welchman, 2007). ومع ذلك، فإن إدماج هذه المؤسسات في حوارات دينية تُعيد تأويل مفاهيم العدالة والكرامة يمكن أن يفتح أفقاً مهماً نحو تغيير حقيقي (Hallman et al., 2008).

القطاع الأكاديمي والبحثي: صوت مهم لرصد الفجوات

يساهم الباحثون والمؤسسات الأكاديمية في توليد معرفة حول واقع الأيتام وتقديم توصيات بشأن السياسات العامة، بما يشمل المطالبة بإصلاحات قانونية وموازنات عادلة (Al-Adili et al., 2007). ويبرز دورهم في فضح الفجوات الجندرية وتقديم بدائل مبنية على الأدلة (Shukla & Singh, 2024).

الطريق نحو تحقيق حقوق الأيتام في فلسطين: توصيات سياساتية

أولاً: إصلاح الإطار القانوني والتشريعي

هذا المستوى يؤسس لبيئة قانونية عادلة وشاملة تُعزز حقوق الأطفال الأيتام وتُزيل التمييز الجندري:

  • مراجعة وتعديل قوانين الأحوال الشخصية وخصوصاً فيما يتعلق بالولاية، والوصاية، والميراث، والحضانة لضمان عدم التمييز ضد الفتيات.
  • توحيد المرجعيات القانونية بما يتماشى مع الاتفاقيات الدولية (مثل اتفاقية حقوق الطفل)، لتسهيل وصول الأيتام إلى العدالة.
  • توسيع وتعريف اليُتم وطنياً ليشمل حالات الفقد غير التقليدي مثل التهجير أو الاحتجاز أو الانفصال الأسري.
  • تطوير تصنيفات مرنة لليُتم تأخذ بالاعتبار نوع الفقد، والجنس، والعمر، والانتماء الديني والاجتماعي.
  • تطوير آليات قانونية لحماية الأطفال مجهولي النسب وضمان حمايتهم من الوصمة المجتمعية.
  • توفير حماية قانونية للأطفال الذين يرأسون أسراً، وخصوصاً الفتيات، وتمكينهم قانونياً واجتماعياً.

ثانياً: تطوير نظم الحماية والرصد المؤسسي

تمكين الدولة من رصد اليُتم وتوفير استجابات مبنية على بيانات:

  • إنشاء قاعدة بيانات وطنية شاملة للأيتام مصنفة حسب النوع والعمر والموقع الجغرافي.
  • تفعيل أنظمة رصد لحظي لحالات اليُتم عبر ربط المدارس، والمستشفيات، والسجلات المدنية بمسارات الإحالة.
  • تضمين الأطفال غير الموثقين في برامج الحماية كأولئك الذين يعيشون مع أمهات غير مسجلات أو جدات.
  • بناء شبكات دعم مجتمعي مستدامة لمساندة الأطفال والأسر الممتدة، وتوفير بيئة داعمة اجتماعياً.
  • تدريب العاملين الاجتماعيين على نهج إنساني يراعي الخصوصية والكرامة، وخصوصاً عند التعامل مع الفتيات.

ثالثاً: إصلاح وتوسيع برامج الرعاية البديلة

توفير بدائل مجتمعية للرعاية تحترم الكرامة وتمنع التمييز:

  • الاستثمار في الرعاية الأسرية البديلة عبر دعم الأسر الممتدة وتعزيز أنظمة الكفالة.
  • تقديم دعم مالي منتظم للأسر الحاضنة، وخصوصاً عند إعادة الزواج، لضمان عدم التمييز بين الأبناء والبنات.
  • توفير برامج دعم نفسي واجتماعي متكاملة للأيتام في مؤسسات الرعاية، وخصوصاً للفتيات المعرضات للوصمة أو الانعزال.
  • ضمان دمج الأطفال في التعليم الرسمي وتقديم دعم تعليمي مرن يراعي الحالات الخاصة.

رابعاً: استجابات حساسة جندرياً في التعليم والدعم الاجتماعي

الانتقال من الدعم العام إلى استجابات تراعي الفوارق الجندرية:

  • تصميم برامج نفسية واجتماعية مخصصة للفتيات تشمل الإرشاد النفسي، وتعزيز الثقة، والتعامل مع الوصمة.
  • دمج مناهج مناهضة للتمييز الجندري في التعليم وتدريب المعلمين على دعم الفتيات نفسياً وأكاديمياً.
  • الاستثمار في برامج دعم مالي مشروط للفتيات في مقابل استمرار التعليم، للحد من الزواج المبكر والتسرب.
  • توفير بيئة مدرسية آمنة ومراعية للنوع لتقليل العزلة النفسية وزيادة الرضا الذاتي.
  • تطوير سياسات تعليمية وصحية تراعي النوع الاجتماعي وتوفر مساحات آمنة وداعمة للفتيات في المراحل الحساسة.

خامساً: الشراكات والتمويل والسياسات التشاركية

تعزيز الاستدامة من خلال إشراك الجهات المتعددة:

  • تطوير أطر مؤسسية بالشراكة مع المجتمع المدني تعزز حقوق الأيتام وتغير الصور النمطية عنهم.
  • دعم المبادرات التي تدمج النوع الاجتماعي في برامج الرعاية عبر تمويل دولي مستدام.
  • تنسيق جهود المانحين مع الخطط الوطنية لضمان فعالية واستمرارية البرامج.
  • تشجيع التخطيط التشاركي مع الأسر الحاضنة والأيتام أنفسهم لتطوير استجابات تلبي احتياجاتهم الحقيقية.

خلاصة

تُعد تجربة اليُتم في فلسطين معقدة ومتأثرة بعوامل النوع الاجتماعي، والفقر، والموقع الجغرافي، إذ يتحمل الفتيان أعباء الإعالة المبكرة، بينما تواجه الفتيات قيوداً مضاعفة على الحركة والتعليم، مما يعمق فجوات الحماية والتنمية. ويفاقم هذا الواقع ضعف التشريعات، وضغط المعايير الثقافية، وغياب السياسات المنصفة والبيانات المصنفة.

تؤكد الورقة ضرورة تبني نهج وطني شامل وعادل جندرياً، بالشراكة بين الدولة والمجتمع المدني، لضمان حماية وكرامة الأيتام، وخصوصاً الفتيات. وقد طُرحت توصيات سياساتية متكاملة تتطلب حواراً وتخطيطاً تشاركياً، لتجاوز الاستجابات التقليدية وبناء مستقبل أكثر عدلاً واستقراراً.

* أعدت ورقة السياسات هذه ضمن مشروع مشترك مع مؤسسة التعاون، وتعبر محتويات هذا الورقة عن آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي مؤسسة التعاون ووجهة نظرها.

المراجع:

  • Al-Adili, N., Abu-Rmeileh, N., et al. “Gender and Health Disparities in Palestinian Orphaned Children.” Birzeit University, 2007.
  • DCI-Palestine. “Children in Conflict Zones: Orphans and Protection Gaps.” 2022.
  • Farahat, A., & Cheney, K. “Gender, orphans, and vulnerability: The intersectionality of care in the Middle East.” Children and Youth Services Review, vol. 53, pp. 79–86 (2015).
  • Farahat, A., & Cheney, K. “Gendered Vulnerabilities among Orphans in the Middle East.” Global Social Policy, vol. 15, no. 2, pp. 123–140 (2015).
  • Hallman, K., Peracca, S., Catino, J., & Ruiz, M. J. “Indigenous Girls in Guatemala: Poverty and Location.” Population Council, 2008.
  • Maqdsi, D., & Najjar, R. “Documentation, Identity, and Statelessness among Orphaned Girls.” Human Rights Review (2015).
  • Ndeda, M. A. “Role Reversal: Child-headed Households in Sub-Saharan Africa.” African Child Policy Forum, 2010.
  • Shabe, S. “Towards a gender-just child protection system: Comparative insights from MENA.” Journal of Middle East Women’s Studies, vol. 16, no. 1, pp. 54–76 (2020).
  • Shukla, N., & Singh, A. “Gender Disparities in Orphaned Adolescents: A Cross-Regional Review.” UNICEF Working Paper, 2024.
  • UN Women. “The Impact of Fatherlessness on Adolescent Girls in Fragile Settings.” 2021.
  • UNICEF. “Child Marriage and Orphanhood: Interlinkages and Protective Factors.” Geneva: UNICEF, 2022.
  • Welchman, L. Women and Muslim family laws in Arab states: A comparative overview of textual development and advocacy. Amsterdam University Press, 2007.
  • Welchman, L. Women and Shari’a Law: Interpretations and Resistance in the Muslim World. Cambridge University Press, 2007.

1

عن المؤلف: 

منال الجعبة: محامية وخبيرة في قضايا النوع الاجتماعي وحقوق الإنسان، يركز عملها على العدالة الاجتماعية ومناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي والإصلاح القانوني وتطوير السياسات وبناء القدرات.

    عن ورقة سياسات – مؤسسة الدراسات الفلسطينية

    About The Author

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *