لنفكر بأن يكون الداخل الفلسطيني بوابة للتغيير…

كيف يمكن للسياقات السياسية الخاضعة للمستعمِر الكولونيالي أن تطرح “باراديم”* خاص بها؟ أي كيف لها أن تؤطّر وعيها وتبلوره في نموذج أو مثال أو مقياس، أو لنقل كيف لها أن تمتلك وعياً معرفياً بأنها تخوض حرباً معرفية مع عدو يحاول طمس معالم السياقات الثقافية والسياسية للمستعمَرين.

ضمن هذا الإطار تقدم حنين الزعبي مقاربة جديرة بالتأمل، ببعدها النظري المعرفي، ومحاولتها التأسيس لواقع سياسي تعيش تفاصيله الأقلية الفلسطينية في فلسطين المحتلة منذ حرب فلسطين في العام 1948.(مقال حنين الزعبي: كيف نفكر بالداخل فلسطينيا؟).

تبحث الزعبي في ماهية الخصوصية، ولعل من المصادفات أن تتحول هذه الخصوصية إلى خصوصية أيديولوجية، استفادت من هامش الحركة ضمن المفاهيم الإسرائيلية للنظام السياسي الإسرائيلي، لكن ما تشدد عليه الزعبي هو أن الهامشية التي تطرحها مكانيزم الحالة الإسرائيلية تستدعي ترابطاً مع فلسطينيي الخارج، انطلاقاً من قاعدة التكامل النضالي، إذ أن “التكامل يعني تبادلية مسؤولية الأدوار الفلسطينية”.

إذا نحن أمام “باراديم” لفلسطيني الداخل القائم على المطالبة بالمساواة، مختلف عنه عن باراديم لفلسطيني الضفة والقطاع القائم على فكرة انهاء الاحتلال، مختلف أيضا، عن باراديم فلسطينيي الشتات القائم على تمظهرات المطالبة بحق العودة لللاجئين الفلسطينيين، لكن جميع “الباراديمات” تلتقي في نقطة واحدة، وهي أن إسرائيل هي أصل المشكلة، وهي جوهر ولادة معاناة الفلسطينيين، بتغيير أماكنهم، وبالتالي بتغيير السياقات السياسية وبالتالي المعرفية للنماذج النضالية المتشكلة لكل مجموعة فلسطينية. إنهم وان اختلفوا في السياقات النضالية لكن من المفترض أن يلتقوا في التوجهات المعرفية والسياسية والثقافية نحو تأصيل حقيقي لمعنى النضال من سياقات مختلفة، تشكلت بفعل الاحتلال الإسرائيلي، وتبلورت نتيجة عملية طويلة من الصراعات حول معنى النكبة، وحول مآلات الصراع، ومستقبله وآليات العمل الوطني الفلسطيني.

لنكن واضحين تماما، ولنسأل أنفسنا هل كان المثال النضالي لفلسطينيي الـ 48 يقوم على مبدأ الغفران للمجرم على ما ارتكبه من جرائم بحق الشعب الفلسطيني؟ وهل  الباراديم النضالي لفلسطيني الـ 48 يتمأسس على فكرة المساواة ضمن إطار المواطنة الإسرائيلية؟ أم أنه يتمأسس على قاعدة الادراك المعرفي والسياسي والثقافي بأن الحاضر المتشكل في الوعي الباراديمي لفلسطيني الـ 48 هو نتيجة مخاضات الصراع  مع الاستعمار الكولونيالي؟ وبالتالي فإن الصراع مع هذه الحالة لا يجد منفذاً متاحاً إلا عبر بوابة المساواة والمطالبة بالاعتراف بالذات الجمعية الفلسطينية على أنها ذات قومية، ترتبط مع باقي المكونات الفلسطينية بتاريخ مشترك، انقطعت سيرورته التاريخية بالاحتلال الكولونيالي الاستعماري الاحلالي لأجزاء من فلسطين إبان نكبة فلسطين.

قد تكون الزعبي محقة فيما ذهبت، وقد نستوعب تماماً أن وضع فلسطينيي الـ 48 يقوم على ضرورة المطالبة ضمن المتاح بما هو متاح، لكن الإشكالية تكمن أن الباراديم الإسرائيلي لا يتأسس على فكرة قبول الكل في إطار المواطنة الكاملة، فإسرائيل ليست دولة كل مواطنيها، بل هي دولة يهودية قومية، كما تعرف نفسها، وبالتالي فإن فكرة النضال ضمن الحقل المساواتي تبدو، على الرغم من جاذبيتها، صعبة بل هي اشبه بمطالبة الحكام العرب أن تصبح أنظمتهم ديمقراطية تعددية. وإذا كانت المساواة مستحيلة التحقق فما الأهمية من طرحها كباراديم لفلسطينيي الـ 48؟  أجزم أنني لا أمتلك إجابة ليس على هذا السؤال، كما أنني لا امتلك أجوبة على جملة الأسئلة التي طرحها الزعبي في سياق معالجتها لباراديم فلسطينيي الـ 48 من قبيل: (هل نوصي على غانتس كأي معارضة صهيونية لنتانياهو، أم لا نوصي عليه كمعارضة تستمد مرجعياتها السياسية من خارج منطق حيز المواطنة؟ هل يتحكم بسلوكنا السياسي التعامل مع أنفسنا كـ”شأن إسرائيلي” داخلي يرى حدود اللعبة السياسية كحدود إسرائيلية، أم تتحكم به معايير الحراك الوطني الفلسطيني التي لا ترى إمكانية لمحاربة صفقة القرن إلا ضمن الحيز الفلسطيني العام، وعبر توضيح وتعميق تكاملنا مع الحراك والنضال الفلسطيني الجاري الآن.)

هي بالفعل أسئلة لا أقول إنها تحتاج إلى إجابات واضحة، بقدر حاجتها إلى مقاربات فكرية نقدية سياسية، فلا أحد يستطيع الجزم بأي شكل نضال يتلاءم ويتوافق مع الباراديم لفلسطينيي الـ 48. ربما في سياق التجربة والممارسة الحياتية والسياسية يكتشفون شكلا أو جوهرياً باراديما جديدا لهم، لكن ما أنا مقتنع به أن وحدة القضية الفلسطينية تتيح لكل منا أن يبدي رأيه وأن يشارك بالعملية السياسية التي يراها متوافقة مع مبدأ وحدة الشعب والمصير والقضية، لأننا إذا انطلقنا من هذا الاعتبار فإننا نشدد على أن القضية الفلسطينية لها سردية نضالية واحدة، لا سرديات مختلفة لكل مكون من مكوناته، بل حلم واحد، وباراديم واحد، لكن الوصول إلى هذا الباراديم الواحد يتطلب مرحلية في النضالات الباراديمية، ويتطلب فوق ذلك إدراك الخصوصية الباراديمية لكل مكون فلسطيني. ولا تعني خصوصية الباراديم أن يذهب البعض من فلسطينيي الـ 48 للالتحاق بالسردية الإسرائيلية، وهو ما شددت عليه الزعبي في مقالها، إذ لا يجوز بحال من الأحوال أن يستفرد أي خطاب سياسي أو معادل فكري معرفي لدى فلسطينيي الـ 48 بإجراء مصالحات، تحت زعم أنها تاريخية، خارج سؤال العدالة. لأن هذا النهج سيقود إلى مآلات تنطوي على تسويغات الخصوصية، الخصوصية التي تخلّق فعلاً مرجعياً للتحدث باسم الكل دون أن يكون للكل تمثيل في الباراديم المفترض.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح شديد: هل ثمة عدالة للقضية الفلسطينية؟ وهل ثمة حل عادل للشعب الفلسطيني؟ أظن، لا بل أشدد على أن أي حل مهما كان منصفاً من الناحية السياسية، لكنه سيكون مجحفاً وظالماً من الناحية الإنسانية، فمن يعوّض الفلسطينيين عن أكثر من سبعة عقود من التشتت واللجوء والحرمان…بالمطلق لا أحد فما مضى قد مضى وانتهى، ولا يعني انتهاؤه القبول بتبعاته بل بالعمل على تخليق واقع جديد، حلم جديد، يتماهى مع حلم الكل الفلسطيني بأن يكون حاضراً بحضوره السياسي والثقافي، وأيضاً حاضر بكيانيته الوطنية. ثمة خسارات تاريخية كبيرة لا تعوضها تسويات سياسية مهما بلغت من الواقعية السياسية والتكامل المنطقي والتوافق الباراديمي.

نعود من جديد إلى إشكالية العلاقة مع المستعمِر الإسرائيلي، كيف لمواطني دولة إسرائيل من الفلسطينيين أن يتعاملوا مع دولتهم؟ هل يكون التعامل في إطار العمل على تحسين بيئة الحياة، اجتماعياً واقتصادياً وحقوقياً. إن كانت المساواة ضمن هذا الحقل، فهذا يعني فيما يعنيه أن هذا الباراديم يتسق مع النهج الإسرائيلي، أي علاقة قائمة على القطع التاريخي مع الشعب الفلسطيني الذين هم جزء منه والتواصل الكاذب مع الإسرائيليين الذين هم تحت حكمهم، ضمن بعد كولونيالي استعماري بالغ التعقيد. ولربما كانت الزعبي قد أصابت تماماً في تشخصيها للفعل السياسي المفترض وللوعي الثقافي – السياسي الذي يجب أن يكون عليه الحال عندما شددت على ضرورة التحرر من باراديم “الخصوصية”، بهذا الفعل يكون قد تم حفر مسارات نضالية وتأسيس سردية تاريخية لفلسطينيي الـ 48 سردية تتضمن 🙁 إعادة بناء العلاقة بين الوطن والمواطنة، وفي ربط معنى المواطنة بسرديتنا التاريخية، حيث هناك “نكتشف” أنها مواطنة استعمارية وليست مواطنة طبيعية. كما ويدعي المقال أن هذا التحرر ليس شرطا فقط للتواصل مع نضالنا ومع بعدنا الفلسطيني، بل إنه أيضا شرطاً للخروج من هامش فعلنا السياسي. أي أن العمل من داخل سياق المواطنة لا يتطلب تبني سردية المواطنة الإسرائيلية.) وهنا لا بد من التشديد على ما تقدمت به الزعبي، بأن فكرة المساواة تتضمن فيما تتضمنه نسفاً لأيديولوجية النظام السياسي الإسرائيلي، واستحضاراً طاغياً للسردية الفلسطينية، لكن كيف يمكن تحقيق معادلة المواطنة مع السردية التاريخية، كيف يمكن أن يتحول المنظور التاريخي لنخب ثقافية أكاديمية فلسطينية إلى برامج عمل سياسية لدى الأحزاب السياسية لفلسطينيي الـ 48؟ أو دعوني أقول هل هذا الوعي الذي تمتلكه الزعبي يمثل توجهاً لدى قطاعات شعبية واسعة من فلسطينيي الـ 48؟ أو هل يتمثل هذا الوعي بشكل من الأشكال في المزاج الشعبي الفلسطيني، وهو المهم والأهم، لأننا ندرك أن ثمة فجوات كبيرة ما بين الأحزاب والجماهير، ليس فقط لدى فلسطينيي الـ 48، بل ثمة تغييرات بنيوية في دور الأحزاب في كل المنطقة العربية.

صحيح أن التيار القومي قد شدّد على أن المساواة التي يطلبها تقوم على فكرة الترابط مع الوطن وليس مع المواطنة، وأن المواطنة فرضت ولم تكن خياراً، وأنها أي المواطنة، قد أصبحت خيارا للتمسك بالوطن، وأن مرجعيتها الأخلاقية والسياسية هي الوطنية الفلسطينية وليس الإسرائيلية، ولكن دعني أسأل الزعبي إذا كان التيار القومي يمتلك وعياً متقدماً على غيره من التيارات السياسية لدى فلسطينيي الـ 48 فلماذا لم يستطع أن يكون له حضوره الجماهيري؟ لماذا بقي تيارا نخبوياً يعبر عن رهط كبير من آراء المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين؟

تذكرني الزعبي بطروحات عزمي بشارة وشعاره دولة لكل مواطنيها، ولعله أراد بهذا الطرح أن يعري حقيقة الصهيونية بأن فكرها الأيديولوجي لا يتسع لأي مكون آخر غير المكون اليهودي، ولا تستطيع المنظومة الصهيونية بما تحتويه من اختلاق جديد للتاريخ أن تتصالح مع سردية الضحية، لأنه تصالحها يفقدها مبرر وجودها ويعري هشاشة بنيانها، وأن الحقيقة لا تمتلك إلا وجها واحداً. أعرف تماما أن هذه الشعارات لا تلقى إذنا صاغية داخل إسرائيل، ربما باستثناء حقل ضيق للانتجليسيا الإسرائيلية، ولربما في نخبة النخبة المثقفة منهم. أيا يكن فإن الشعارات التي ترفع كباراديم لمواجهة الحالة الكولونيالية تتغير من مرحلة إلى أخرى، ولربما الهدف منها التأكيد على سياقات المواجهة في إطار الوحدة أو الإقرار بالحالة الإسرائيلية، وهو أمر في غاية الغرابة والدهشة، الدهشة التي تجعل من العدو الإسرائيلي مصدراً لمطالبته بالمواطنة تحت ظله دولته، لكن الدولة لا يعجبها هذا النقاش فما كان منها إلا أن ذهبت بعيدا حتى أصدرت “قانون القومية”. وهنا لا بد من التساؤل كيف يمكن أن يبلور فلسطينيو الـ 48 سياسات باراديمية جديدة إزاء تصاعد قوة التنابذ الكبيرة في إسرائيل للأقلية العربية، مقابل تلاشي قوة التجاذب للتيارات السلامية الإسرائيلية وهشاشتها مجتمعيا؟ هل نبقى محكومين ببلورة سياسات فلسطينية اعتماداً على ما يتدفق من سياسات إسرائيلية؟ كيف يمكن استثمار الوجود الفلسطيني الهائل لفلسطيني الـ 48 وجعله وجوداً ينتقل من الهامشية إلى المركزية؟ ومن التبعية إلى الاستقلالية؟ ومن مطالبة الحق بالمواطنة إلى المطالبة بالحق في الوطن التاريخي؟ ومن أزمة التمثيل العربي في الكنيست إلى أزمة الكنيست بتمثيل الأقلية الفلسطينية؟ ومن التنكر للسردية الفلسطينية إلى جعلها مثار سجال إسرائيلي ليس أكاديمياً فحسب بل وجماهيرياً.

حين ننتقل من صيرورة المسار إلى صيرورة الضرورة التاريخية بإحداث تغييرات سلوكية ومشهدية في الباراديم الفلسطيني لفلسطيني الـ 48 ربما سنكون أمام مشهدية جديدة، مشهدية لا تسوغ القائم، ولا تنتقص من الماضي، ولا تحجب منجزات الراهن بكل تواضعها. ولا تلغي الصلة ما بين فلسطينيي الـ 48 و67 والشتات، بل تؤكد عليها، وتعمل من أجلها، ولربما هنا تكمن الأهمية الكبيرة لما تقدمت به الزعبي في مساهمتها الثرية. بيد أن طموحا باراديميا كهذا لا يتحقق بفعل عمل ثقافي – سياسي وحسب، بل هو عملية تغيير مجتمعية كاملة، فما فعلته إسرائيل فينا ليس فقط تحطيم مجتمعنا الفلسطيني في العام 48 بل أيضا تحطيم البنى المجتمعية والثقافية والسياسية، تحطمت طبقات وتولدت طبقات جديدة، وأصبحنا الآن أمام ديناميكية جديدة تتطلب منا التفكير بصوت عال والإجابة على تساؤل أساسي: هل تمتلك القوى السياسية المتشكلة في القائمة المشتركة القدرة الذاتية لقيادة أي تحول من هذا القبيل؟ أو هل تعتبر أصلا أن من مهامها العمل على أن يكون فلسطينيي الداخل استمرارا لكل الفلسطينيين، وأن قضيتهم تمثل جزء من الكل؟ بالفعل لا استطيع الإجابة، وأرغب بالحصول على مقاربات سياسية لذلك، رغم محاولة الزعبي أن تقدم شيئا بهذا الخصوص لكنه لم يكن كافيا. بحاجة إلى الدخول إلى أعماق الطبقات السياسية لا الاكتفاء بتوصيف سلوك بعض الأفراد الطامحين من القائمة المشتركة ليكون لهم مكان في عالم السياسة، وأي سياسة هذه ما لم تكن المصلحة الوطنية الفلسطينية على رأس أجنداتها، وليس صحيحا أن “أهل مكة أدرى بشعابها” بل إن كل الشعاب والقضايا هي ملك لكل الشعب الفلسطيني ولا ضير أبدا إن تحدّث بها، بل على العكس عليه أن تشكل قضايا الفلسطينيين وفي كل أماكنهم مثار اهتمام مشترك، انطلاقا من أن القضية هي قضية الكل، وأن تحقيق الحلم بحرية الشعب الفلسطيني لا يستقيم إلا بإشراك الكل والتعامل معه على أنه وحدة واحدة، وأن قضيته  قد لا تجد حلا يحقق عدالة نسبية إلا ضمن هذا المعيار، معيار يأخذ مبدأ المواطنة ليس بالمعنى القانوني، على أهميته، بل أيضا بمعنى انتماء للوطن وللسردية التاريخية للشعب الفلسطيني…أسئلة كثيرة أثارها وسوف يثيرها مقال حنين الزعبي، بحثا عن معنى باراديم مشترك لكل الفلسطينيين، فهل نفلح  في أن نجعل من الباراديمات لفلسطينيي الـ 48 و67 والشتات تصورا باراديما واحدا وجوهرياً؟

 

*النموذج أو المثال أو القِياس أو الباراديم (باللاتينية: Paradigma) ويستعمل غالباً مقروناً بالفكر مثل النموذج الفكري أو النموذج الإدراكي أو الإطار النظري وقد ظهرت هذه الكلمة منذ أواخر الستينيات من القرن العشرين في اللغة الإنجليزية بمفهوم جديد ليشير إلى أي نمط تفكير ضمن أي تخصص علمي أو موضوع متصل بنظرية المعرفة. (ويكيبيديا)

 

(اللوحة للفنان سليمان منصور)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *