لنترك هذا المفهوم: حماس ليست وكيلًا – يمكنها الاستمرار حتى بدون إيران

الحرب الحالية، المكونة من حربين مازالت لم تنتهِ . الحرب في إيران حاليًا في حالة وقف إطلاق نار . والامر يتعلق باتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، ومن غير الواضح ما إذا كان سيتم توقيعه وما هو مضمونه، وما إذا كانت إيران ستتخلى عن برنامجها النووي العسكري كجزء منه، أو أن البرنامج قد تراجع إلى الوراء لفترة غير معلومة . بالنسبة لمنظومة الصواريخ الإيرانية فإنها تضررت ، ولكن لا توجد أي مؤشرات على استعداد إيران لإلغاء هذا البرنامج أو كبحه.
الحرب الثانية، ضد حماس، وهي مستمرة منذ أكثر من عام وثمانية أشهر، وهي سيئة للغاية بالنسبة لإسرائيل. إنها حرب منفصلة عن حرب إيران. وإن تصوير حماس على أنها مبعوث أو “وكيل” لإيران أمر خاطئ، وقد خلق وهمًا بأن وقف إطلاق النار مع إيران سيؤدي إلى إنهاء الحرب في غزة. حماس تخوض حربها الخاصة، وتتلقى الدعم من قطر، ولديها القدرة على الاستمرار دون إيران.
حان الوقت لاستعراض موجز مؤقت للحربين الحاليتين. لا شك بأنه في الحرب مع إيران حققت إسرائيل، وخاصة سلاح الجو والموساد، إنجازات مذهلة . لكن ما تحقق لا يُقارن بالنصر الكبير الذي تحقق في حرب الأيام الستة.
إلى جانب هذه الإنجازات العظيمة، ظهرت مشاكل خطيرة. فالصواريخ الإيرانية ألحقت أضرارًا بالغة بالمدن الإسرائيلية، وتسببت في قتل وإصابة المئات، وتدمير منازل آلاف السكان . ولأول مرة في تاريخها، وجدت إسرائيل نفسها تحت حصار فعلي . فالمطار ظل مغلقاً طوال فترة الحرب في إيران، وبقي عشرات الآلاف من الإسرائيليين عالقين في الخارج .
وهذه أيضًا هي المرة الأولى في تاريخها التي تحتاج فيها إسرائيل إلى مساعدة دول أجنبية، ليس فقط في توريد الأسلحة، بل في النشاط الفعلي، بدايةً في الدفاع ضد الصواريخ والطائرات المسيرة، ولاحقًا في القتال الأمريكي النشط في إيران. يبدو أيضًا أن إسرائيل، على الأقل في الوقت الحالي، لا تملك ردًا مُرضيًا على إطلاق الصواريخ.
انتصارات كثيرة – ردع قليل:
الحرب مع حماس هي الأطول في تاريخ إسرائيل، ولا يزال النصر بعيدًا. ولأول مرة في تاريخ البلاد، تتعرض الجبهة الداخلية لهذا القدر الكبير من الضربات القوية . بدأت الحرب بمجزرة 7 أكتوبر/تشرين الأول، وفي أعقابها، ألحق حزب الله دمارًا هائلًا في شمال البلاد. تم إجلاء العديد من سكان الشمال ، ولم يعد بعضهم إلى منازلهم حتى الأن .
وفي تقييم عام، عند حساب العوامل المادية فقط (عدد الصواريخ والأسلحة، والسيطرة على الأراضي، وحجم الخسائر، إلخ)، يبدو أن إسرائيل حققت تفوقًا، لكنها دفعت ثمنًا باهظًا. حزب الله وحماس ضعفوا بشكل كبير؛ وانهار النظام السوري ، وخسرت إيران علماء وقادة عسكريين وصناعاتها النووية والصاروخية تضررت. ومع ذلك، عندما نأخذ في الاعتبار عوامل
مثل القوة السياسية، تصبح الصورة أقل وضوحًا بكثير .
لقد تقوّضت مكانة إسرائيل السياسية تمامًا، في حين أن مكانة الفلسطينيين ليست فقط لم تتضرر ، بل إنها تعززت. وتقوض مكانة إسرائيل يشكل خطرًا على العلم والثقافة والاقتصاد ، في وقت تتزايد فيه الدعوات لمقاطعة إسرائيل في جميع المجالات. ويجدر التأكيد على أن الخطر يُهدد الأمن أيضًا، وقد يُودي بحياة بشر.
على هذا الأساس يجب دراسة استمرار الحرب في غزة . ففي عملية “عربات جدعون” تكبدنا خسائر فادحة . خسائر حماس أكبر بكثير، لكن المنظمة الإرهابية لا تجد صعوبة في دفع ثمن خسائرها، وتحمّل الدمار ومقتل مئات الفلسطينيين غير المشاركين في القتال. ترى حماس أن الوقت يعمل لصالحها . ويبدو أنها لا تُبالي بالخسائر، وخاصةً خسائر غير المشاركين، وتشاهد بفرح كيف تُنشر كل يوم من أيام القتال صور النساء والأطفال المصابين في غزة، مما يُسهم في تقويض مكانة إسرائيل الدولية. وبنظرة عامة إلى دولة إسرائيل، يُمكن القول إنها تخوض حربًا منذ تأسيسها، بل بدأت قبل ذلك، منذ إعلان وعد بلفور. تخلل هذه الحرب فترات راحة قصيرة، ثم استؤنفت. وتتزامن جولة الحروب الحالية مع تصريحات مفادها أنه كلما عززنا من ضرباتنا لأعدائنا، كلما زاد ردعنا. إلا أن الحقيقة الكئيبة هي أن الضربات القاسية التي وجهتها إسرائيل لأعدائها لم تمنع تجدد القتال (أي أنه ثبت أن الردع محدود ) .
في حرب الأيام الستة، تم تدمير الجيش المصري وتحول إلى شظايا ، وخسر معظم طائراته ومدرعاته وتكبد أكثر من عشرة آلاف قتيل. كل هذا لم يردعه ولم يمنع حرب الاستنزاف وحرب يوم الغفران. لذلك، من المشكوك فيه أن يردع الدمار الذي لحق بغزة وإيران الحوثيين، أو الحركات الإرهابية المختلفة، أو الإيرانيين.
لقد تعلمنا درسًا واحدًا من حرب الأيام الستة والحروب الحالية، وهو أنها أدت إلى زيادة هائلة في ميزانية الامن وإطالة أمد الخدمة العسكرية. هذه الخدمة، بعد تمديدها، يصعب تقصيرها مجددًا. كما تعلمنا من تجارب الماضي أن الأسلحة أخذة بالتطور . نحن نعرف كيف نفاجئ العدو، ولكننا مع مزيد الأسف نتعرض أيضًا لمفاجآت مؤلمة . لم يتحقق هدوء نسبي حتى الآن إلا من خلال اتفاقيات السلام، ولدينا اتفاقيات كهذه مع مصر والأردن.
ضرر جسيم :
السؤال المحوري المطروح أمامنا هو كيف نمضي قدمًا. برأيي، المهمة الأولى والأهم هي استعادة مكانة إسرائيل السياسية. لذلك، عندما نتحدث عن زيادة هائلة في الميزانية الامنية ، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: بماذا نوظف المال . وبرأيي، الاستثمار مطلوب أيضًا في تعزيز منظومة الإعلام والبث الإسرائيلي للعالم بشكل عام ، وللعالم الإسلامي بشكل خاص . من الجدير دراسة الأثر والضرر الذي تُلحقه قطر بنا من خلال منظومة الإعلام والإذاعة المعادية، لفهم ما يجب علينا فعله . في الوقت نفسه، ثمة حاجة إلى سياسة يمكن أن نقترح لها مبررات يقبلها العقل . من أخطر الكوارث التي ألحقتها بنا الحرب الحالية هو تعميق العنصرية والعداء تجاه الجمهور العربي في إسرائيل والفلسطينيين بشكل عام . صحيح أن عرب إسرائيل ارتكبوا مجازر خلال عملية “حارس الأسوار”، وصحيح أيضًا أن بينهم عناصر قومية تُعارض إسرائيل الصهيونية.
ولكن يوجد أكثر من وجه ثاني لهذه المسألة . عرب إسرائيل يشكلون ركيزة أساسية في الخدمات الطبية في البلاد. وقد اندمجوا في سوق العمل، ويلعبون دورًا هامًا في مجالات أخرى. سيكون بينهم من هم على استعداد وقادرون على تمثيل موقف إسرائيل . وتعزيز العناصر المعتدلة في المجتمع العربي يشكل مصلحة إسرائيلية، ناهيك عن الطائفة الدرزية، التي لا شك في دعمها لإسرائيل. بدلًا من ذلك، نصطدم بهجمات عنصرية على سائقين عرب، وأصوات ابتهاج وفرح لسقوط صاروخ إيراني في قرية عربية . والاشد خطورة من ذلك هو الوضع في الضفة الغربية ، حيث ينشط الإرهاب اليهودي على نطاق واسع ضد السكان الفلسطينيين. هذا الإرهاب لا توقفه قوات الأمن. بل على العكس، يبدو أن الإرهاب اليهودي يعمل انطلاقًا من شعوره بأنه يحظى بدعم ليس فقط من محيطه المباشر، بل أيضًا من الحكومة وبعض مكونات الائتلاف.
وفي الآونة الأخيرة، تم توجيه هذا الإرهاب أيضًا ضد جنود الجيش الإسرائيلي وممتلكات ومعدات تُستخدم لأغراض أمنية، والسؤال الذي يطرح نفسه هو : لماذا ؟ الإجابة المحتملة هي أن قوات الأمن تحاول أحيانًا وقف الإرهاب اليهودي، ولو بشكل رمزي ، وهذا كافٍ لإثارة غضب مؤيديه. إجابة أخرى محتملة هي أن الإرهابيين لا يكتفون بالسلوك السلبي نسبيًا حيال الجيش الإسرائيلي والشرطة، اللذين لا يوقفانهم، بل يتوقعون دعمًا فعالًا من قوات الأمن في الأذى الذي يلحقونه بالفلسطينيين.
في هذه الأثناء، فإن الرد على الإرهاب اليهودي يعتبر معتدلًا جدًا مقارنةً بما كان سيحدث لو أقدم إرهابيون فلسطينيون على أذى مماثل لقوات الأمن. من الصعب أيضًا عدم الانفعال من سذاجة اعتبار الإرهاب اليهودي جريمة عادية، في حين أن هذه الأفعال، عندما يرتكبها فلسطينيون، تُشكل إرهابًا. من المهم التأكيد على أن الإرهاب يعني إيذاء الأبرياء بدافع سياسي (الجريمة العادية مدفوعة باعتبارات عامة أو مشاعر شخصية). ودوافع الإرهاب اليهودي واضحة ومعروفة.
من ناحية مصالح إسرائيل، يُمثل استمرار القتال في غزة والإرهاب في الضفة الغربية كارثة وخطرًا كبيراً .
كل يوم يستمر فيه هذا الوضع فإنه يُسهم في تدهور الوضع السياسي لإسرائيل، التي لم يعد لديها أي احتياطيات في هذا المجال . ناهيك عن أن الضرر لا يقتصر على الوضع الاقتصادي والثقافي للبلاد فحسب، بل يمتد إلى أمنها أيضًا .
معاريف