تم تدمير مخيم جنين . والجيش الإسرائيلي طرد سكانه البالغ عددهم 21 ألف نسمة . 200 منزلاً من منازل المخيم وجميع الطرق فيه تدمرت . وهناك 400 منزل آخرى لم تعد صالحة للسكن . وتواصل جرافات الهدم عملها رغم أن المخيم أصبح بالفعل ” منطقة اشباح “، كما وعد سائق الجرافة العسكرية ” دوفي كوردي”، متباهياً بأفعاله. كان ذلك في عام 2002. وفي عام 2025، أصبح مخيم جنين مخيم أشباح أكثر مما كان عليه آنذاك ، منازله وشوارعه تحولت إلى أكوام من الركام ،تتدفق مياه الصرف الصحي عبرها.
لم يعد أحد يعيش في مخيم جنين. الجيش الإسرائيلي يطلق النار على كل شيء يتحرك ولا أحد يجرؤ على الاقتراب من منطقة الموت هذه . مات مخيم جنين وسكانه لاجئين إلى الأبد. وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه لن يسمح بإعادة بناء أي منزل أو أي طريق . وهذا يعتبر خبر سار للكثير من الإسرائيليين.

. وكثيرون أخرون ، ربما الأغلبية سيهزون أكتافهم بلا مبالاة . كنا نسمع على مدى السنين أن مخيم جنين هو ” عش الدبابير ” . يمكن الفرح بعد خراب العش . لكن تدمير هذا المخيم يعد جريمة حرب شنيعة بشكل خاص . من يعرف المخيم، وبالأخص سكانه، لن يستطيع إلا أن يبكي هذا الاسبوع .
من الجدير أن نتوقف للحظة عند الصيغ التي استخدمها الجيش الإسرائيلي ، مثلما نشرتها أبواقه الساخطة الذين لم تدس أقدامهم أرض المخيم إلا في داخل أليات الجيش المدرعة . قال المراسلون موضحين بأن تدمير المخيم يهدف إلى “ضمان حرية عمل الجيش”. وبأن ” العملية تركز الآن على جوانب البني التحتية والجوانب الهندسية ” . “بنى المخربون (!) المخيم بكثافة وضيّقوا الطرق بحيث لا يمكن المرور فيها إلا بأليات صغيرة ” ، و” كل منزل تم تدميره كان منزلاً صغيراً “.

إن كذب الجيش الإسرائيلي هو الأكبر في العالم . ليس المخربين من بنوا المخيم ، بل الإمارات العربية المتحدة، التي ساهمت في إعادة إعماره بعد تدميره عام 2002 . ومن المفارقات أن المخططين حرصوا في ذلك الحين على أن يكون عرض الشوارع كعرض الدبابة، حتى لا تدمر الدبابات كل شيء في طريقها في المرة التالية التي يجتاح فيها جيش التدمير هذا المخيم . وأي كلمات مصقولة وشيطانية يتم ستخدامها لتبرير التدمير الكامل، مثل “البنية التحتية والجوانب الهندسية”.
كان مخيم جنين مخيما مقاتلا ، رمزاً للنضال ضد الاحتلال . وفي السنوات الأخيرة، كان يتجول فيه الكثير من المسلحين؛ كان من المستحيل التجول في المخيم دون مقابلتهم . لقد كانوا شبابًا مؤمنين بالهدف . شباب صغار عملو في مختبرات محلية لاعداد عبوات ناسفة تهدف إلى منع اجتياحات أخرى للمخيم ، كما حدث في عام 2002. لم يخضع مخيم جنين للاحتلال أبداً . ولو كان الأمر يتعلق بنضال من أجل الحرية في مكان آخر ، لكان المخيم قد تحول إلى أسطورة دولية لها أبطالها، وكان سيتم إنتاج أفلام عنها .
كان هناك، وبشكل لا يصدق، أيضا حياة في المخيم . كان فيه مسرح رائع يعرض مسرحيات مثيرة للأطفال والكبار ، وكانت فيه حياة اجتماعية وثقافية ، وكل ماهو ممكن في ظل الواقع القاسي لمخيم لاجئين . في حفلات الزفاف البسيطة، والتي عادة ما تقام في الشارع، كان كل واحد من الضيوف يضع مبلغا من المال في ظرف مغلق يوضع في صندوق ، دون أن يُعرف كم هو المبلغ الذي تبرع به كهدية للزوجين الشابين، حتى لايتم إحراج
أحد . كانت تسود المخيم روح التضامن . جميع سكان المخيم كانو من اللاجئين وأبناء اللاجئين الذين طردتهم إسرائيل من بلادهم عام 1948. عاش هؤلاء السكان في ماضيهم الذي افتقدوه كثيراً . إن مجتمع يعيش على ماضيه وكوارثه، مثل المجتمع الإسرائيلي، كان عليه أن يفهم ذلك . وعندما يتم تدمير مخيم هؤلاء الناس للمرة الثانية خلال نصف قرن، وبعد 77 عاماً من طردهم القسري من بلادهم، فمن المستحيل تجاهل ماضيهم.
مخيم جنين هو تجربة . مخيما نور شمس وطولكرم على الطريق . يوجد لدى الجيش خطة لكل المخيمات ال18 . عندما يتم إغلاق حديقة حيوانات يكون هناك اهتمام لنقل الحيوانات إلى أماكن أمنة . وعندما يتم إغلاق مخيم لاجئين، يتم إلقاء السكان بدون أي شيء إلى جانبي الطريق، للمرة الثانية والثالثة في حياتهم . بهذه الطريقة نحل مشكلة اللاجئين: نحولهم إلى لاجئين أكثر وأكثر .

المصدر: هآرتس

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *