لماذا يحب الإسرائيليون جيشهم رغم الإخفاقات المريعة في السابع من اكتوبر؟


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

تقديم :

لم استطع إخفاء دهشتي عند متابعة مقال جدعون ليفي، وتناوله بالنقد ، رغم أن بعض الفلسطينيين يلوموني على انتقاد الكاتب التقدمي جدعون ليفي. باعتباره استثناء للغالبية الساحقة من يهود المستعمرة الصهيونية، وجرأته وشجاعته في عديد المقالات التي يسلط فيها الضوء على الإرهاب الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني. وتكثيف استهدافه من قبل اليمين الصهيوني وأمثاله، خصوصا بعد عملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول/2023/. حيث لم تعد تداعيات الإرهاب الصهيوني تقتصر على أبناء الشعب الفلسطيني على امتداد فلسطين الانتدابية. بل باتت تطال اليهود داخل وخارج المستعمرة الصهيونية، المنتقدين لمواصلة ارتكاب جرائم الإبادة والتطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني. في ظل بوادر صحوة عامة تتبدى ملامحها، تربط طوفان الأقصى بالسياق التاريخي المتصل بجذور الصراع .

ما يثير غضب جدعون ليفي وأمثاله التقدميين، المتصالحين أخلاقيا مع مبدأ ارتكاب الإبادة والتطهير العرقي سابقا، باعتباره ضرورة لإنشاء إسرائيل فوق أنقاض الشعب الفلسطيني عام 1948، وماض يتوجب قبوله والتسليم به فلسطينيا والتعايش معه بسلام. خصوصا بعد أن وافقهم وسلم به الأصدقاء وذوي القربى باعتباره قدرا محتوما قرره النظام الدولي الذي أنشأته القوى المنتصرة في حربين كونيتين .

ينحصر اعتراض جدعون ليفي ورفاقه باستمرار ذات النهج الاستئصالي الإحلالي الصهيوني فيما استكمل احتلاله من الوطن الفلسطيني عام 1967. خصوصا وأنه لم يتم استكمال إبادة واقتلاع سكانه وتشريدهم خارجه كما جرى سابقا . ما خلق واقعا جديدا مختلفا يستوجب معالجة مغايرة ، للتعامل مع مقاومة الشعب الخاضع للاحتلال المستجد، وباتوا يزعجون يهود المستعمرة الصهيونية الذين استقروا وأمنوا وازدهروا في موطنهم الجديد. وظنوه نجاحا في استنساخ النموذج الاستعماري الاستيطاني، الذي سبق وأقامه ذات الغزاة الأوروبيين فيما بات يعرف بالولايات المتحدة الأمريكية وكندا وأستراليا ونيوزيلاندا. وأغفلوا أوجه الاختلاف : لاختفاء الشعب الأصيل من جهة، ولتحول تلك المستعمرات الاستيطانية بعد ذلك لدول وطنية تساوي بين مواطنيها من جهة أخرى.

فتفاجأ جدعون ليفي -كما سائر يهود المستعمرة الصهيونية ورعاتها الغربيين -في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر/ الماضي، بحضور صاخب لأحفاد الفلسطينين- الذين استقر الغزاة المستوطنون فوق أنقاض أسلافهم الذين أبيدوا واقتلعوا من ديارهم، ثم استهدف أبناءهم وأحفادهم في مواطن لجوئهم داخل فلسطين وخارجها على مدى ثمانية عقود لإخضاعهم بالقوة القاهرة ، وحاصروهم في قطاع غزة . وتم إنكار وجودهم والتنكر لحقوقهم الأساسية في الحياة الحرّة الكريمة . وأذهله ويهود المستعمرة الصهيونية وحماتها الغربيون تمرد الجيل الفلسطيني الفتي الفقير الضعيف المحاصر برا وبحرا وجوا، ونجاح ملفت لألف من الثوار في اجتياز الحواجز والجدران المنيعة للمستعمرة النووية، ووصولهم بسهولة بالغة إلى قرى ومدن أجدادهم، وتذكير الغزاة الذين استقروا فوق أنقاض شعبهم بوجودهم وبحقوقهم الإنسانية المتساوية في الحياة والحرية والعودة وتقرير المصير على أرض وطنه.

الأمر الذي اعتبره جدعون ليفي والتقدميون أمثاله جريمة حرب وحشية تستحق عقابا رادعا لحماس التي قادت الهجوم، يحاكي عقاب الإمبراطورية الرومانية للعبد اسبارتاكوس، الذي قاد ثورة العبيد قبل عشرين قرن. كي لا يتجرأ أحد على تكرار ذلك داخل حدود المستعمرة الصهيونية، التي يعتبرها جدعون ليفي وطنا حصريا لليهود بوعد إلهي ودنيوي . غير أنه- خلافا للصهيونية الدينية التي تريده دولة هالاخا – يريده جدعون ليفي -كما اليسار العلماني- وطنا يهوديا غربيا حديثا ديموقراطيا مستقرا ومزدهرا .

اللافت في تساؤلات جدعون ليفي حول أسباب حب الإسرائيلين جيشهم حد العبادة، رغم أنه خذلهم في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر/ وما يزال عاجزا عن إخضاع المقاومة الفلسطينية وحاضنتها الشعبية رغم تواصل حرب الإبادة الجماعية والتدمير الشامل لمقومات الحياة في قطاع غزة للشهر الرابع على التوالي .

فهل فعلا يجهل جدعون ليفي -الغاضب من إخفاق جيشه في حماية المستعمرة الصهيونية، ما يدركه عامة يهودها ، بأن وجود الجيش الصهيوني -خلافا لباقي جيوش العالم – سابق لوجود الدولة الصهيونية ؟ وهل حقا يغفل أن الجيش هو الذي أنشأ الدولة وليس العكس؟

وأن دولة الجيش ليست سوى قاعدة استعمارية استيطانية عسكرية متقدمة للتحالف الاستعماري الغربي الصهيوني العنصري؟

وأن جل مستوطنوها جنود في الخدمة الفعلية أو في الاحتياط؟والمستثنون من مواطنيها من الخدمة هم من تبقى من السكان الفلسطينيين الأصلانيين المستهدفين بالاقتلاع والتطهير العرقي(20%)، وليس كما يقول ” الحريديم” الموكل إليهم مهمة استكمال تهويد واستيطان فلسطين .

وهل يعتقد جدعون ليفي حقا ان لإسرائيل وجها غير مظلم ؟ وهل يعني حقا الـتساؤل الذي يختتم به مقاله ” أي جيش نحبه كثيرا ؟ هل الجنود الذين رأيتهم الأسبوع الماضي يعذبون السائقين الفلسطينيين عند نقاط التفتيش؟ أم الوحدات التي اختفت يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر/؟

ألا يدرك أن لا فوارق بين جيش ومستوطني المستعمرة الصهيونية ؟

أما قوله” أن الوقت قد حان لأن نتعامل مع الجيش كمنظمة ورطت إسرائيل في أفظع حرب في تاريخها” فليس سوى محاولة للتهرب من مواجهة حقيقة المستعمرة الاستيطانية الصهيونية، التي ورطت المنطقة والعالم بأفظع الحروب منذ إنشائها .

وفيما يلي ترجمة للمقال

” يحب الإسرائيليون جيشهم حبا أعمى، لا حدود له، وغير مشروط. إن اليسار الصهيوني يحب قوات الدفاع الإسرائيلية أكثر من اليمين.

‎ويبدو أن المرء قد يتوقع أيضا أن اليمين، الذي يخدم جيشه أهدافه ـ غزو وتدمير الشعب الفلسطيني ـ أكثر بكثير من أهداف اليسار، سوف يحب الجيش أكثر من اليسار. لكن هذا لا يحدث.

‎ويبدو أن المرء كان يتوقع موجة جارفة من الغضب والانتقادات والرغبة في معاقبة الجيش الذي تركنا في 7 تشرين الأول/أكتوبر/ إذ كان من الممكن إنقاذ الآلاف من البشر، من الإسرائيليين والفلسطينيين، لو كان هناك جيش حاضر في السابع من تشرين الأول/اكتوبر/. لم يكن من الممكن أن تقع وفيات، ولا عمليات اختطاف، ولا حرب.

‎اليسار دائما مع الجيش الإسرائيلي – واليمين كذلك، لكن بشكل أقل. ولم يتغير شيء في هذه النسبة الذهبية بعد السابع من تشرين الأول/أكتوبر/.

‎هو زمن الحرب، وهو الوقت الذي يسهل فيه فهم حب الناس لجنودهم. إنه وقت حزم الرعاية للجنود، والخصومات، والتنهدات، وقصص البطولة والحزن. ولا يوجد شيء أكثر إنسانية من ذلك.

‎ومع ذلك، في الوقت نفسه، قد يتساءل المرء كيف ظلت الثقة والإعجاب بالجيش كما كانت من قبل، بعد فشل السابع من تشرين الأول/ اكتوبر/وبعد أن تحمل قادته مسؤولية ما حدث، استمر مستوى العبادة قبل الحرب وكأن شيئا لم يحدث.

‎ومن الواضح أن القيادة السياسية، وفي مقدمتها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية، لكن الجيش هو الذي انكشف بكل عاره. لكن عار 7 تشرين الأول لم يلتصق به.

‎رغم الأموال الهائلة التي تدفقت عليه ، ورغم الهيبة والأهمية الذاتية، لم يكن هناك استخبارات قبل 7 تشرين الأول/أكتوبر/، ولم يكن هناك جيش يوم المجزرة. لقد اختفى جيش الدفاع الإسرائيلي، وتبخر، وجرد من الماديات، وإسرائيل تغفر له. وقادته، في الماضي والحاضر، هم أبطال الساعة.

‎لماذا نتسامح مع الجيش؟ إن تاريخ إسرائيل بالطبع مليء بالنزعة العسكرية. بعد حرب يوم الغفران، انتهى عصر عبادة شخصية قادة الجيش، ولكن ليس حب الجيش. لقد تم تصويره على أنه جيش الشعب، لكنه لم يكن كذلك أبدا.

‎الجيش الإسرائيلي هو جيش نصف الشعب، في أفضل الأيام . فقط بعد استبعاد العرب، الحريديم، المرضى، الرافضين، والمتهربين من التجنيد، يمكن تسميته بجيش الشعب.

‎فهو يمثل بعضا من أسوأ الشرور التي تعاني منها إسرائيل، وهو أيضا مسؤول عنها إلى حد كبير. ومع ذلك فهو معبود.

‎إذا كانت إسرائيل تتمتع بسمعة سيئة ـ وهي كذلك ـ فإن هذا خطأ الجيش. إذا أصبحت إسرائيل منبوذة، فإن الجيش يتحمل مسؤولية كبيرة عن ذلك. فهو يشوه سمعة الدولة، كما يفعل الآن من خلال القتل العشوائي والدمار الذي يلحقه بقطاع غزة – ونحن نغفر له.

‎وباعتباره جيشا يتم التعبير عن طبيعته الأساسية في الاحتلال، فإنه يظهر الجانب المظلم لإسرائيل. إنه يتنمر ويعذب ويهين ويقتل دون تمييز، وما يزال الجيش الإسرائيلي و”القيم” مترادفين في إسرائيل. ليس لدينا أي شيء أكثر “توجها نحو القيم” من جيش الدفاع الإسرائيلي.

‎وحتى أم كل الكوارث لم تحطم سمعته. وسائل الإعلام تمتصها كما لم يحدث من قبل أي منظمة أخرى.

‎لا يوجد نوع من المراسلين بعيد عن أي مبدأ صحفي مثل المراسل العسكري. ولا توجد صحافة أكثر تملقا من تلك التي يمارسها معظمهم. كل جندي هو بطل، وكل قائد يحظى بالاحترام.

‎وفي زمن الحرب، تزداد هذه الخصائص بطبيعة الحال. الجيش يقاتل من أجل الدفاع عنا، وجنوده يضحون بحياتهم بشجاعة من أجل حماية الوطن. لكن في بعض الأحيان يعرض الجيش الأمن أيضا للخطر، كما يفعل الآن في الضفة الغربية، حيث يعمل على تأجيج نيران الانتفاضة المقبلة.

‎ففي نهاية المطاف، يعمل العاملون في مجال الرعاية الصحية أيضا على حماية رفاهيتنا بتفان لا حدود له (ولو دون المخاطرة بحياتهم)، ونحن لا نقدرهم بهذه الطريقة.

‎حان الوقت لنسأل أي جيش نحبه كثيرا. الجنود الذين رأيتهم الأسبوع الماضي يعذبون السائقين الفلسطينيين عند نقاط التفتيش؟

‎الوحدات التي اختفت يوم 7 تشرين الأول/أكتوبر/؟ لقد حان الوقت لأن نتعامل مع الجيش كمنظمة ورطت إسرائيل في أفظع حرب في تاريخها، وأن لا ننسى ذلك.”.

(المصدر: هآرتس)

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: جدعون ليفي- تقديم وترجمة غانية ملحيس

2 thoughts on “لماذا يحب الإسرائيليون جيشهم رغم الإخفاقات المريعة في السابع من اكتوبر؟

  1. بُورك عطاؤك وعمق تبصُّرك .. أوافقك الرأي في كل ما تفضلت به من تمحيص نقدي وتساؤلات إذ بمثلهما تُستعاد حقائق الأمور وتتجلى في صفائها الأوَّل بعيداً عن التشويه والخداع المُضَللين، وما من معيارٍ، أو مبدأ، أو نظامٍ قيميٍّ، واجب الوجود والاحترام في هذا السياق وسواه بسابق ما لا ينبغي أن يُسبق، وهذا هو: الحق، والحقيقة، والعدالة، والحرية، والكرامة الإنسانية، وحقوق الإنسان وحرياته الأساسية على شمولهما وتعاضدهما

  2. تحياتي وتقديري دكتورة غانية ملحيس, لرؤياك الصاءبة دوما وتحليلك الذي يضع الأمور الى نصابها لتتحقق العداله والحرية على ارضية الحق , وليس التغني بها كشعارات تردد, لم تعد تنطلي على شعبنا الذي يتعرض يوميا لابشع الجراءم والأبادة الجماهية اليومية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *