لماذا تختار إسرائيل دائماً الحرب كخيارٍ افتراضي؟

أدى الربط الخطير بين الأساطير التوراتية والروح الصهيونية إلى خلق مجتمع ينظر إلى الحرب على أنها قدرٌ ديني وبرنامج عمل سياسي. من أجل الخروج من دوامة العنف التي لا تنتهي، يجب أن نتخلى عن فصول القتل التوراتية، وأن نعيد تبني لغة الأنبياء ورؤية السلام كضرورة وجودية ملحة.
يوجد للشعوب والدول تاريخ ومؤسسات، وأيضاً ميل في لحظات الشدة والمحن، إلى العودة إلى أنماط نفسية عميقة تشكلت بفعل التجربة والذاكرة. فوراء القرارات السياسية والنقاشات العلنية، يعمل نظام تشغيل صامت، شبه تلقائي، يوجه طريقة فهم المجتمع للتهديد واختيار الرد عليه .
تعتمد ألمانيا على النظام المؤسساتي وعلى الحذر . والولايات المتحدة تتجه نحو العمل الاستباقي . وبريطانيا تفضل التكيف التدريجي . وفرنسا تؤطر الأزمات كمسائل مبدئية. وروسيا تعود إلى أنماط المركزية والاستعداد للتضحية . وتُركز الصين على الاستقرار والتسلسل الهرمي والتخطيط طويل الأمد . أما اليابان فتُفضل الانسجام الاجتماعي والانضباط الجماعي.
وماذا عن إسرائيل؟ عندما يكون اليوم عادياً، فإن إسرائيل مجتمع فوضوي ومتمرّد على النظام، سريع في ردود الفعل ويفتقر إلى الصبر في الاجراءات .
وعندما يصبح الواقع مهدِّداً، فإن خيارها الافتراضي يكون دائماً واحداً لا غير: الحرب. لماذا؟ الجواب القصير، والمُعقَّد جداً، هو: بسبب التوراة.
نعم، نعم، كتاب الكتب الذي كان مصدر إلهام لأسمى الأعمال الإنسانية في التاريخ الغربي ، هو أيضًا حجر الزاوية في الهوس الحربي الإسرائيلي.
من أكثر ما يُعجبني في الكتاب المقدس هو شخصياته غير الكاملة. آباء وأمهات الأمة مليئون بالعيوب، بعيدون كل البعد عن صورة القديسين والأبرار. زناة، وخونة، وكاذبون، وضعفاء، وخطاة، بعيدون كل البعد عن الكمال ، وهذا هو سر جاذبيتهم: أي شخص، في أي جيل وعصر، يستطيع أن يتعاطف معهم. لكن التوراة نفسه هو أيضًا مصدر لا ينضب للسموم الخطيرة . على مرّ القرون، انشغل الفكر اليهودي في تنقيح تعاليمه. أُلغيت وصايا قاسية، وتم تخفيف أحكام ، وتم تجاهل قواعد باطلة عمدًا. ويبدو أحيانًا أن التوراة الشفوية بأكملها، وكل ما تلاها من أدبيات واسعة، كُرِّست لإحداث تغييرات جذرية في النص التوراتي . ولذا، التزمت أجيال عديدة بمقولة أن للشعب اليهودي توراتين مترابطين : التوراة المُنزلة، والتوراة الشفوية التي تُعنى بالتفسير والتنقيح . لأن التوراة المكتوبة وحدها تُشكل خطرًا حقيقيًا على الأرواح.
هذا ماكانت عليه حال الروح اليهودية حتى ظهور الفكرة الصهيونية. أحدثت الصهيونية شرخًا بين التوراة الأصلية والتلمود والأدبيات الحاخامية. عاد بن غوريون ومعاصروه إلى التوراة الحرفية، ولكن ليس بكاملها: فوصايا العين بالعين، وقطع كف الأيدي والعبودية بقيت ملغية وباطلة حتى بالنسبة للصهاينة . لكن الأفكار العظيمة أُعيدت الى الحياة بقوة مريضة ومتناقضة . آباء الصهيونية في غالبيتهم كانوا علمانيين وملحدين لا يؤمنون بوجود الله، ومع ذلك قبلوا بكلتا يديهم وعود إله غير موجود بمنح الشعب اليهودي هذه الأرض بالذات .
سعت الصهيونية التوراتية إلى العودة إلى الأماكن والأسماء والأساطير القديمة باعتبارها العناصر الأساسية للوعي القومي المتجدد . وهكذا عادت أفظع الوصايا إلى الحياة : تفوق الأرض على الإنسان، والاحتلال ، والحروب، ووصية الإبادة الجماعية من التوراة . وهذا هو أيضًا الأساس العميق للعلاقة بين الأصوليين اليهود وشركائهم الصهاينة المسيحيين.
تشترك الحركتان في نفس الفرضية الأساسية: النص التوراتي ليس قصة من الماضي بل خطة عمل. التاريخ ليس تطور بل تحقيق لوعد . ومن ينطلق من نقطة كهذه ، فإن قراراته السياسية الحاسمة تحمل دلالة شبه لاهوتية. وكل صراع هو حرب مقدسة وحرب وصية في آنٍ واحد. هذا هو الجهاد اليهودي في أسوأ صوره.
وهنا يطرح نفسه سؤال : نحن نعرف نبوءات السلام والعدل العظيمة ، والنداءات الأخلاقية التي شكلت صورة الغرب الإنساني . إذا لماذا وكيف نشأت ثقافة الحرب من كل هذا ؟ يوجد إجابتان بسيطتان على ذلك إحداهما رقمية والأخرى تفسيرية.
الأرقام تتحدث بوضوح: فالحرب والسلام أيضاً ، بدلالاتهما المختلفة، يظهران مئات المرات في التوراة ، لكن الحرب ذُكرت أكثر ، وفي آيات أكثر، وبقوة أكبر. أما السلام في الكتاب المقدس، فيُوجد في قطبين بعيدين عن بعضهما البعض . فمن جهة، هو قريب، يومي، وإنساني للغاية : سلام، سلام، كيف حالك؟ ومن جهة أخرى، يظهر سلام آخر، بعيد ومراوغ: سلام النبوءة المثالية: “سيبارك شعبه بالسلام”، ليس كعلاقات ملموسة بين الناس، بل كوعد بنظام عالمي جديد ونظري . أما الحرب في مقابل ذلك فهي مرتبطة تقريباً دائماً بمكان محدد . إنها مرتبطة بهذه الأرض.
حروب كنعان، وحروب بيت داود، والصراعات مع آشور وبابل، كلها مرتبطة بالمكان، وبالسيطرة، وبالتهديدات على هذه الأرض بالذات . الأرض هي السبب،
والمكافأة، والخطر . ودائماً يأتي من الاعلى من السماء صدى الامر الحربي “حرب للرب ضد عماليق جيلًا بعد جيل”.
تكشف هذه الفجوة عن شيء عميق حول فهم الكتاب المقدس للعالم: السلام لا يحتاج إلى مساحة جغرافية ليوجد، بينما الحرب لا تتوقف عن الغليان في هذا المكان . لقد رأى الأنبياء هذا بوضوح. لم يكتفوا بوصف الوضع، بل سعوا إلى تغييره، إلى أخذ تلك المساحة التي تُشعل الحرب مرارًا وتكرارًا، ووضعها في سياق آخر، في سياق رؤية، وقانون، وسلام لا يقتصر على شخص وآخر، بل يشمل الشعوب . حتى الآن، دون أي نجاح يُذكر .
وإذا لم يكن هذا كافيًا، فإن كل ما لا يفعله الكتاب المقدس المحارب في تفسيره الصهيوني العدواني ، تفعله الأخبار. كل يوم، طوال اليوم، وعلى مدى عقود، لا يسمع الإسرائيليون إلا نوعًا واحدًا من الأخبار : قتلنا ، اغتلنا ، ضربنا ، دمرنا، سحقنا ، هاجمنا. والقادة الذين يفهمون جيدًا سحر الحرب السياسي يغذّون هذه الآلية ويشعلونها. أليس من الطبيعي أن تولد من هذين المصدرين، الكتاب المقدس والإعلام، رؤية مشوهة لـ”إسبرطة العظمى” – ثمرة رؤية أعظم محرض للشعب اليهودي منذ الأزل ؟ ثم يأتي الحشد الأعمى الذي يؤيد غريزيًا كل حرب وعدوان.
هكذا نترعرع في دوامة الحرب، التي لا تشبع أبدًا ولا تقود إلى أي مكان آخر . أصبحت الحروب أشبه بتوقعات الطقس: نتحدث عنه كثيرا ولانفعل شيئاً .
ومع ذلك، فإن هذه الدورة ليست قدراً محتوماً. فالتاريخ يُعلّمنا أن المجتمعات قادرة على التغيير، ليس بإعلانٍ واحدٍ مُدوٍّ، بل من خلال تحوّلٍ تدريجيٍّ في اللغة، والأجندة، وما يُعتبر ذا معنىً ووجودٍ حقيقيّين. كفى خوض حروبٍ تُذكّرنا بالحروب التوراتية، والتي لم تُسفر منذ ذلك الحين إلا عن تلطيخ الأيدي بدماء القتلى ، وولادة عنفٍ أشدّ وطأة.
يجب التوقّف عن الإصغاء إلى الجنرالات والمشعوذين الذين يستيقظون كل صباح سعداء لوضع ” ثمن حرب في زمن السلم ” — وتفضيل دمنا نحن عن دم أطفالهم وأحبّائهم .
لقد حان الوقت لمحو حروب التوراة والانتقال إلى معجم السلام وبرامج الأنبياء. هذه هي المهمة السياسية الأكثر إلحاحاً في زمننا: طيّ صفحات القتل التوراتي وتحقيق تلك الأحلام التي لم نحاول يوماً العمل على تحقيقها .
موقع واللا