للحكاية بقية….(1)

حدثني صاحبي أنه كان يا مكان في حاضر الزمان رجل أراد أن يخرج خارج الدائرة، أراد أن يكون له صوتاً، إلا أن الأسلاك الشائكة منعتهُ، والخوف الساكن في قلبه جلّد قدميه، وشلّ يديه. فكّر ملياً، هل يكون إنساناً في يوم من الأيام، أم يبقى حبيس نفسه، وسجين خوفه، وأسير واقعه. ظن أن الأمر هيناً، وأن كسر الطوق تكفيه صرخةً أو صرختان في وجه الطغيان، لكن صاحبنا خابت تقديراته، فبقى حائراً، متردداً، يرى الظلم أمام عينه، يصرخ قلبه بأعلى صوته، ويكف لسانه عن الحراك، يجعل من عقله ملعباً للصراخ، يحبس ما يدور فيه، يتلفت يمنه ويسرى، ويخشى من عسس الطغيان أن يعرفوا ما يدور في جمجمته، أراد أن يكون شهيداً، لكنه بقى شاهداً، يرى ما يدور حوله، يسجل بعقله مشاهد الدمار والعذابات، ولا يجرؤ على أن يخط بقلمه ما تراه عيناه، فالخوف الساكن بات مستوطناً، عميقاً، حافراً أخاديده في تجاعيد الرجل المغلوب على أمره، جاعلاً من عقله، ومن ذاكرته سجلاً لألم أدمى الأطفال، وجعل منهم أبطالاً، لكنه سلب منهم طفولتهم .

شاهد الرجل، كما يحدثنا صاحبنا، الخوف الهابط على قلوب النساء، شاهد الرجل، تارة بأمه عينه وتاره عبر الشاشة، كيف تنتهك الحرمات، ويذّل الرجال أمام نسائهم وأطفالهم. بكى كالأطفال لكن لسانه أصابه الشلل، لم يجرؤ على رفع صوته، ربما لأنه يمتلك بعضا من الثقافة، وكثير من الحذر، وقليل من المغامرة، ربما لأن سنوات العمر المتبقية له باتت قصيرة أمام سنوات العمر الماضية. آثر الصمت، ولم يصرخ. مضت الأيام والشهور، وتغيرت الأحوال بتغير المكان، فأراد صاحبنا الصراخ، لكن صراخه لم يعد له معنى، ولم يعد له جدوى، فتش عن طريق للصراخ، بحث عن مكان هنا أو هناك ليطلق العنان لنفس مكبوتة، وصوت مخنوق، أراد أن يصرخ، أن يقول ما لا يقال، لكنه عجز حتى عن بوح في المتاح.

فكَّر ملياً أليس من طريق للصراخ، أليس ثمة أفق لانبثاق الضوء بعد عتمة الليل؟ فكّر ومحّص، تأمل وتنهد، فكان له أن يمضي بعتمة الليل إلى قلمه، وبياض صفحة دفتره، علّه يخفف من عذاباته، وأن يعيد له بعضاً من صوته المسلوب، ومن قهره الساكن في قلبه؟ ألم يحن للصوت أن يكون صوتاً، وللقلب أن يكون نابضاً بالحب والعطاء، وأن يكون العقل أكسير حياة الثورات. فكّر كيف يكون نصيراً للمظلومين وهو منهم، فكيف يكون نصير نفسه؟ وكيف يكون صوتهم المخفي؟ فكّر أن يكون لدبيب قلمه صوتاً ومعنى وحضوراً بعد غياب.

هل يمكن للكلمة، كما يحدثنا صاحبنا، أن يكون لها فعلها وسحرها وألقها حتى لا يطمرها النسيان. فكّر صاحبنا بذلك، وعزم على أن يكون للكلمة حضورها في زمن الكذب والطغيان، في زمن التكفير وإلغاء التفكير، في زمن استيقاظ العصبيات ودفن العقلانيات، في زمن يسود فيه منطق الصغار، وتبدو السياسة وكأنها لعبة يملكها الحاكم السلطان، الجائر، القادم إلى المُلك بقوة العصبية، لا بصوت الجماهير.

هي الحكاية، يريد صاحبنا أن يحكيها دون تكلف أو عناء، وأن يكون الشاهد، لا الشهيد، يرى الحب ويهتف له، حتى وإن غادره، فلنمض في الحكاية، وللحكاية بقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *