“لكن إذا لم أسرقها، فسيسرقها شخص آخر”! التراكم الاستعماريّ الاستيطانيّ الإسرائيلي عبر نزع الملكية


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

في مقطع فيديو تمّ تداوله على نطاق واسع على منصات التواصل الاجتماعي في أواخر نيسان/أبريل2021، شوهدت منى الكرد (فلسطينيّة من سكان حي الشيخ جرّاح في القدس الشرقيّة) وهي تواجه يعقوب فاوتشي (مستوطن يهوديّ إسرائيلي من لونغ آيلاند) في ساحة منزل عائلتها.

تنادي منى: “يعقوب، هل تعلم أن هذا ليس منزلك؟”

يجيب يعقوب: “نعم، لكن إذا أنا ذهبت، فلن تعودي أنت أيضًا. إذًا، ما هي المشكلة؟ لماذا تصرخين في وجهي؟ أنا لم أفعل هذا، لم أفعل هذا…”. ويتابع جازمًا: “من السهل الصراخ في وجهي، لكنّني لم أفعل ذلك”.

تتابع منى: “أنت تسرق منزلي”.

يردّ فاوتشي: “نعم. لكن إذا لم أسرقه أنا، فسوف يسرقه شخص آخر”.

في مقابلة لاحقة، أوضح فاوتشي سبب عدم تحمّله أية مسؤولية شخصيّة: “مهما كان الوضع، وهذا ما كنت أحاول شرحه في ذلك الفيديو المنتشر، فإنّهم (عائلة الكرد) لن يعودوا إلى هنا… لذا، سواء كنت أنا هنا أو لم أكن، سواء كنت أنا أو كان شخص آخر، سواء كان قردًا أو زرافة، فإنّهم لن يعودوا إلى هذا المنزل أبدًا. أنا أفهم سبب غضبهم مني، وأفهم لماذا يكرهونني، لكنني لم أفعل هذا بهِم، لا أفعل هذا لهم. وكما قلت، فإن أنا غادرت سيتم استبدالي على الفور. بل إنني أجرؤ على الاعتقاد بأنني إذا ما غادرت، فإن من سيأتي إلى هنا لن يكون سهلًا مثلي”. 

من المرجّح أن يكون مقطع فيديو المواجهة بين الكرد وفاوتشي قد حظي باهتمام شعبي واسع لأنّ فاوتشي، بلكنته النيويوركية، يجسّد امتيازات المستعمر بوضوح وقح وبلا مبالاة. إنّه يسلّط الضوء بهدوء على تعقيدات الاستعمار الاستيطانيّة من حيث كونها بنية سياسيّة راسخة بعمق، فضلاً عن أنّ الممارسات الفعلية الحقيقية للاستعمار يتم تنفّيذها على يد مستعمرين أفراد. كما تعكس كلماته منطق التهجير والاستبدال الاستعماري الاستيطانيّ. 

يمثل التفاعل بين فاوتشي والكرد، بين المستعمِر/ة والأصلاني/ة، نموذجًا أوسع للاستيطان والاستبدال على المستويين المحلي والقومي. في فلسطين في القرن التاسع عشر، كان سكان حي الشيخ جراح من النخبة المسلمة في القدس، بالأساس، إلى جانب بعض العائلات اليهودية والمسيحية. ومع ذلك، فإن معظم العائلات الموجودة هناك الآن هي من اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجروا خلال النكبة من منازلهم السابقة في القدس الغربية وحيفا في الغالب وأعيد توطينهم في الحي في الخمسينيات، من قِبل الحكومة الأردنية ووكالة الغوث والتشغيل التابعة للأمم المتحدة [3]. 
بعد خمس سنوات من احتلال إسرائيل للجزء الشرقي من القدس عام 1967، اعترفت المحكمة العليا ضمنيًا بمطالبات الملكية من جانب مجموعة من أحفاد اليهود السابقين لستة منازل في الشيخ جراح، وذلك عندما منحت لسكان تلك المنازل الفلسطينيين وضع “المستأجر المحمي”. (تم الاعتراف رسميًا في العام 2008 من قبل محكمة القدس المركزية). منذ العام 2001، بدأ المستعمرون اليهود المتدينون، مثل فاوتشي، باحتلال المباني الفلسطينية بينما مهدت المزيد من المعارك القانونية الطريق لهم للاستيطان في الأحياء الفلسطينية. في العام 2003، قامت شركة “نحلات شمعون” (شركة مسجلة في ولاية ديلاوير الأمريكية) بشراء المنازل الستة، بما في ذلك منزل الكرد بأكمله، من أحفاد الملاك اليهود قبل عام 1948. منذ ذلك الحين، تعتمد “نحلات شمعون” المسار القضائي لطرد العائلات الفلسطينية واستبدالها بالمستعمرين اليهود، كجزء من حملة إسرائيلية أوسع لتغيير التركيبة السكانية في القدس والضفة الغربية.

احتج الفلسطينيون ومجموعة صغيرة من المتضامنين الإسرائيليين اليهود المناهضين للاحتلال على النشاط الاستيطاني في الشيخ جراح منذ حوالي عقدين من الزمن، وسط هذا الزحف الإسرائيلي والتوسع الاستعماري. عندما ظهر خطر السلب إلى الواجهة في العام 2021، عقب محاولات إضافية من قبل منظمات استيطانية لطرد الفلسطينيين خلال شهر رمضان، حشد الفلسطينيون في جميع أنحاء العالم حملة احتجاج شعبية رداً على ذلك (أطلق عليه اسم “هبة أيار”، “هبة الكرامة” أو “انتفاضة الوحدة”). على الرغم من هذه المقاومة، تستمر الممارسات الاستعمارية في التوغل والتوسع الاستيطاني.

الاختلاف الشديد بين احتمالية، أو إمكانية، مطالبة اليهود الإسرائيليين والفلسطينيين بالسيادة على الأرض يتكرر ليس فقط في التخوم الحضرية المقدسية (urban frontier of Jerusalem)، ولكن أيضًا في ما يسمى بـ “المدن المختلطة” في إسرائيل وفي منطقة النقب وفي الكتل الاستيطانية الإسرائيلية والبؤر الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة. تأخذ عمليات الاستعمار والإحلال هذه – المستمرة منذ بدء الاستيطان الصهيوني في فلسطين العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر – أشكالًا مختلفة وغالبًا ما تؤدي إلى نتائج مختلفة، لكن يمكن تحليلها من خلال برادايم الاستعمار الاستيطانيّ

تم اعتماد الإطار التحليلي الاستعماري الاستيطاني بشكل متزايد في وسائل الإعلام وفي الأبحاث الأكاديمية لفهم الديناميكيات بين المستعمرين المستوطنين والسكان الفلسطينيين الأصليين. على سبيل المثال، قال شقيق منى الكرد، الكاتب والشاعر محمد الكرد، في مقابلة متلفزة على شبكة “سي إن إن” في 11 أيار/مايو 2021: “هذه هي المرة الثانية التي يتم فيها تهجيري وإذا استمروا في فعل ذلك فهذا أمر مخيف، لكن هذا الأمر له اسم أيضًا. إنه الاستعمار الاستيطانيّ، وهو أبارتهايد (فصل عنصري). والحقيقة أن منظمات المستوطنين تعمل مع الدولة وتستغل القانون لطرد الفلسطينيين”. بعد يومين، انضمت الباحثة القانونية الفلسطينية الأمريكية نورا عريقات إلى كريستيان أمانبور في مقابلة عبر شبكة “سي إن إن” وقالت: “[الفلسطينيون] هم من السكان الأصليين الذين خضعوا لحكم استعماريّ استيطانيّ يسعى إلى إبعادهم عن منازلهم وإلى استبدالهم بيهود صهاينة”. يمكن للباحثين/ات والناشطين/ات المهتمين/ات بماضي ومستقبل فلسطين وإسرائيل استخدام لغة الاستعمار الاستيطانيّ بشكل ناجع للتراجع عن المفاهيم الخاطئة السائدة، مثل الاعتقاد بأن جذور الصراع تكمن في الهوية العرقية أو الدينية أو القومية البحتة. علاوة على ذلك، يمكن للباحثين/ات والناشطين/ات، أيضًا، استخدام هذا الإطار في الاستراتيجيات السياسية لإنهاء الاستعمار، على سبيل المثال من خلال إظهار كيف يمكن أن يؤدي تفكيك السيرورات الاستعماريّة الاستيطانيّة إلى تفكيك الاستعمار الصهيوني وتجريد اليهود الإسرائيليين من استعماريتهم.

برادايم (أنموذج) الاستعمار الاستيطانيّ

 اتخذ برادايْم (أنموذج) الاستعمار الاستيطانيّ – مجموعة غير متجانسة إلى حد ما من الخطابات التحليلية التي ظهرت في منتصف القرن العشرين – أشكالًا مختلفة وتبنى غايات سياسية مختلفة بمرور الوقت. يُمكن القول إن الدراسات الاجتماعية والتاريخية الحالية تُجمع حول مفهوم الاستعمار الاستيطانيّ بأنه سلسلة من الأحداث تبدأ عندما تقدم مجموعة من المستعمرين المهاجرين بالسيطرة على الأرض والمكان الذي عادة ما يسكنهما السكان الأصليون. يعيد المستعمرون تشكيل النظام الاجتماعي للمستعمرة من خلال إدخال تسلسلات هرمية ومؤسسات جديدة عبر التوغل والاستيلاء وإعادة التوزيع والاستغلال، الإبادة، المحو والعنف. يقومون بتغيير طابع الأرض والمجتمع بموازاة العمل على تجريد السكان الأصليين من ملكيتهم لأرضهم ومن السيادة على وطنهم. تؤدي هذه التغييرات إلى اسقاطات مختلفة على السكان الأصليين، مثل نزع الملكية والتشريد والعمل القسري والتطهير العرقي والإبادة الجماعية. قد تصبح ممارسات الاستعمار روتينية وتشكل هياكل تمنح المستعمرين المستوطنين امتيازاتٍ على السكان الأصليين وتمنعهم، بشكل منهجي، من إقامة سيادتهم.

يرفض بعض النقاد فكرة أن الحركة الصهيونية هي حركة استعماريّة استيطانيّة فيزعمون بأن اليهود في الشتات حافظوا دائمًا على ارتباط ديني بـ “أرض إسرائيل”، وأن استيطانهم في بداية ثمانينات القرن التاسع عشر في فلسطين كان مجرد عودة إثنية إلى “أرض الميعاد” وأن الصهيونية لم تحظ برعاية أية مدينة أو “دولة أم”، كما هو الحال في حالات الاستعمار الاستيطانيّ الأخرى. وبينما يحذر بعض الفلسطينيين من أن تصنيف الفلسطينيين كمجموعة من السكان الأصليين من الممكن أن يتجاهل تطلعاتهم الوطنية، وكأنهم من خلال هذا التعريف يسعون إلى الحقوق الثقافية فقط وليس الى السيادة القومية، ينتقد بعض الباحثين أيضًا برادايم الاستعمار الاستيطاني لأنه يركّز كثيرًا، برأيهم، على الجانب الاستيطاني من الاستعمار، مما يمحو مكانة السكان الأصليين ودورهم في تشكيل المجتمع، وهو ما قد يعزز وضعهم التبعي كمستضعفين.

تبنى باحثون فلسطينيون وعرب، مثل فايز صايغ وجورج جبور وإبراهيم أبو لغد وبهاء أبو لبن وإدوارد سعيد وجميل هلال، الاستعمار الاستيطانيّ كتصنيف نظري مقارن. وكان ذلك لدى بعضهم منذ منتصف القرن العشرين [4]. لقد شبهوا ممارسات المستعمرين الصهاينة الأوروبيين في الغالب بممارسات المستعمرين الأوروبيين، مثل أولئك الذين جاؤوا للسيطرة على جنوب إفريقيا أو روديسيا، وسلطوا الضوء على عنف نزع الملكية واستبدال السكان الأصليين بمهاجرين مستعمرين. ومع ذلك، لم يكن ثمة إجماع كامل لدى الفلسطينيين دائمًا حول برادايم الاستعمار الاستيطانيّ ومنظوره المقارن. على سبيل المثال، قال رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات ذات مرة: “لا يمكنهم إبادة خمسة ملايين فلسطيني. لا يمكنهم القضاء عليهم. نحن لسنا الهنود الحمر”. باستخدام “الهنود الحمر”، كرمز للشعوب الأصلية التي تمت إبادتها بشكل كبير، نفى عرفات فائدة المقارنة بين السكان الأمريكيين الأصليين والفلسطينيين.

على الرغم من الاختلافات بين الباحثين الذين يستخدمون إطار الاستعمار الاستيطانيّ، إلا أنهم يؤكدون أن بعض خصائص عمليات الاستعمار الاستيطانيّ تختلف بين الأشكال المختلفة من الاستعمار. في العقدين الماضيين، على وجه الخصوص، كان هناك تصاعد في العمل الأكاديمي الذي يعتمد الاستعمار الاستيطانيّ كإطار تحليلي. يمكن ردّ سبب ذلك بصوة جزئيًة إلى أن باحثين في الغرب استخدموا الإطار الاستعماري الاستيطانيّ (مثل الباحث الأسترالي باتريك وولف) للمقارنة بين حالات استعمارية استيطانيّة مختلفة معتبرين حالة فلسطين حالة استعمار استيطانيّ.

للأسف، تبني نماذج المعرفة النقدية ليس منفصلاً عن أنماط المعرفة العنصرية المهيمنة حيث غالبًا ما لا تُسمع أصوات الباحثين/ات المنحدرين/ات من الفئات المهمشة أو المستعمَرة، أو لا يحظون بالشرعية، ولا يتم بالتالي الأخذ بمساهماتهم النظرية النقدية والمناهضة للاستعمار. يجب على الباحثين/ات عدم طمس التفكير المقارن السابق حول الاستعمار الاستيطانيّ، وخاصة من قبل الفلسطينيين حول عنف الاستعمار الصهيوني والفصل العنصري (الذي أشغل عددًا من الباحثين/ات الفلسطينيين/ات اللاجئين عقودًا قبل أن يصبح هذا التوجه شائع الاستخدام إلى حد ما). عندما يستخدم شخص مثل محمد الكرد – الذي يعرف بشكل مباشر معنى الاعتداء على مساحات منزله ومحيطه تدريجيًا – مصطلحات الاستعمار الاستيطانيّ، فإنه يقدم ما قد يسميه علماء الاجتماع “تصنيف الممارسة”(category of practice)، وهو مصطلح يرتبط بمعاني التجربة اليومية [6]. لا يحتاج الباحثون/ات بالضرورة إلى تبني هذا التصنيف كتصنيف تحليليي. لكن هذا يعني أن مواجهته مع العنف تضيف إلى رؤيته وتصنع المعنى بطرق يمكن أن تسمح بفهم أفضل للعمليات التي ينتجها هذا العنف.

الاستعمار الاستيطانيّ والصراع الصهيوني الفلسطيني

ما الذي يجعل التصنيف التحليلي للاستعمار الاستيطانيّ مفيدًا عند مناقشة حالة إسرائيل وفلسطين؟ عند النظر إلى تاريخ إسرائيل من خلال ظهورها عبر مشروع إعادة توزيع إقليمي واسع بدعم القوى الإمبريالية، يتضح كيف تم تشكيل إسرائيل من خلال تسلسلات هرمية معينة تأسست فعليًا قبل إقامة دولة إسرائيل في العام 1948. كما يوفر التصنيف التحليلي للاستعمار الاستيطانيّ، أيضًا، إطارًا لدراسة ما حدث وكيف حدث ولماذا حدث من دون اللجوء إلى التفسيرات الجوهرانية الخاطئة، مثل تفسير صراع الثقافات غير المتكافئة (إما المجموعات الدينية أو العرقية)، أو تفوق التطور الصهيوني أو رؤية الصراع على أنه فقط صراع بين حركتين قوميتين (الحركة الصهيونية والحركة الوطنية الفلسطينية). في الوقت نفسه، يشجع نموذج الاستعمار الاستيطانيّ على تحليل كيفية ارتباط الأحداث والعمليات والهياكل المنفصلة بقوى اجتماعية وسياسية أوسع. يوفر هذا الإطار أيضًا الفرصة لفحص العلاقات بين المُستعمِر والمُستعمَر، اللذين يمارسان هذه الأدوار بتفاعل الواحد مع الآخر في سياق الـ frontier، أي الحالة الاستعمارية المستمرة ومحاولة التصدي لها. بعد ذلك، يصبح من الممكن تحليل التفاعل بين الممارسات الاستعمارية الاستيطانيّة الفردية وممارسات الدولة، المؤسسية والعسكرية، والمعايير القانونية والدعم الامبريالي ورأس المال الأجنبي الذي شكل، ولا يزال يشكل، مبنى وسيرورة الاستعمار الاستيطانيّ، مقابل نضال ومقاومة السكان الأصليين المستعمَرين. 

منذ نشأتها، استخدمت الحركة الصهيونية مصطلحات الاستعمار وعملت على الاستيطان الدائم وخلق مجتمع استيطاني كهدف أساسي للعمل الجماعي. تسلط هذه الحقيقة الضوء على كيفية ظهور الصهيونية كرد فعل لتيارات الحداثة الأوروبية الرئيسية، وكتجسيد لها أيضًا، بما في ذلك القومية والتصنيف الإثني – العرقي والإمبريالية والاستعمار. تضمّن المشروع الصهيوني نقل مجموعة من المستوطنين من أوروبا إلى منطقة مأهولة، فعليًا، بالفلسطينيين الأصليين، وتراكم الأراضي عن طريق نزع ملكية السكان الأصليين وتهميشهم. في البداية، كان المشروع قائمًا على السيطرة على الأراضي، والتي تسارعت مع غزو الاستعمار البريطاني لفلسطين في العام 1917. كانت عملية تملّك الأراضي عملية عنيفة قاومها معظم الفلاحين الفلسطينيين الأمر الذي أدى، بدوره، إلى مزيد من العنف. وهكذا، فقد أسهمت طبيعة المقاومة الفلسطينية بتصميم وصقل المشروع الصهيوني في كافة مراحله، مما يعني أن عملية الاستعمار والاستبدال كانت عملية جدلية وليست ديناميكية أحادية الاتجاه فقط. حتى العام 1948، كانت الحركة الصهيونية قد سيطرت على أقل من عشرة بالمائة من أراضي فلسطين الانتدابية. وقد كان عنف حرب العام 1948، إلى جانب إقامة سيادة الدولة الإسرائيلية، مرحلة مفصلية مكّنت المؤسسات الصهيونية من السيطرة على المزيد من الأراضي وطرد السكان الفلسطينيين منها وتأسيس الهيمنة الاستعمارية على شكل جهاز دولة المستعمِرين.

مع قيام دولة إسرائيل في العام 1948، فرضت الحكومة الاسرائيلية حكمًا عسكريًا على السكان الفلسطينيين المتبقين حتى العام 1966 [9]. وقد دعم هذا القانون أهداف الحكومة المتمثّلة في تأمين وجود متلامس على الأرض ومنع عودة المهجرين واللاجئين. في الوقت نفسه، مُنح السكان الفلسطينيون الأصليون، الذين بقوا داخل دولة إسرائيل، الجنسية وحقوق المواطنة المؤهلة، مما خلق شكلاً غير متكافئ من المواطنة الاستعمارية الاستيطانيّة خلال فترة الحكم العسكري [10]. وهكذا، على الرغم من منحهم الجنسية، إلا أن الدولة لم تعترف بالفلسطينيين كجماعة قومية أصلانيّة، بل اعتبرتهم عقبة متبقية وتهديدًا ديموغرافيًا. وقد أدى الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية والجولان السوري في العام 1967 إلى تسريع وتحويل العملية الاستعمارية الاستيطانيّة، من خلال فتح جبهة جديدة للتوسع والاستيطان، مصحوبة بجولة أخرى من التهجير ونزع الملكية. وقد جرت العملية، هذه المرة، تحت رعاية دولة إسرائيل التي أصبحت أقرب إلى دولة أم (a mother or a sponsor state)، أو راعية تعمل على التوسع الاستعماري الاستيطانيّ وتروّج له.

استمرت عملية الاستعمار – وفي صلبها الاستيلاء على الأراضي والممتلكات – منذ العام 1967 بكامل قوتها، سواء داخل دولة اسرائيل أو في الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وتشكل منطقتا القدس والنقب اليوم أحد الاهداف الرئيسية للاستعمار. يشمل العنف، الذي يمارسه العديد من الجهات الحكومية والمؤسسات الإسرائيلية والبلدية والمستعمرون أنفسهم، السيطرة على الحيز والمكان الفلسطينيين ونزع الملكية والتهميش المستمر للفلسطينيين. على سبيل المثال، في كانون الثاني/يناير 2022، حاول “الصندوق القومي اليهودي” (“كيرن كييمت”) زراعة الغابات بغية انتزاع الأراضي من أيدي البدو الفلسطينيين في قرية العراقيب في منطقة النقب، والتي تُعرف اليوم بجنوب إسرائيل. لطالما استخدمت المؤسسات الصهيونية والإسرائيلية التشجير ذريعة للاستيطان في الأراضي الفلسطينية واستبدال السكان الأصليين الفلسطينيين بمستعمِرين إسرائيليين.

يُعتبر قانون الأساس الذي أقرّه الكنيست في العام 2018 بعنوان “إسرائيل – الدولة القومية للشعب اليهودي” تتويجًا لترسيخ التسلسل الهرمي السياسي الاستعماري، الذي يمنح اليهود الإسرائيليين الأولوية في الحقوق والامتيازات وفي السيطرة على الحيز والموارد المادية والرمزية [11]. ويأتي هذا القانون، برأيي، كأحد ردود فعل الدولة الإسرائيلية على الأشكال المتغيرة من التعبئة والنشاط السياسي الفلسطيني والتنظيمي الذي يتحدى تصنيف إسرائيل كدولة يهودية. ومن الأمثلة البارزة على هذا التحد مشروع حزب “التجمع الوطني الديمقراطي” السياسي الذي يدعو إلى إنهاء استعمار الدولة من خلال تحويلها إلى “دولة لجميع مواطنيها”.

يتحدى نموذج الاستعمار الاستيطانيّ المفاهيم النظرية المحدودة، في نظري، بأن العلاقات بين الإسرائيليين والفلسطينيين هي علاقات نابعة من كون الصراع صراعًا عرقيًا قوميًا استثنائيًا. وفي الحقيقة، فقد استخدم مستعمرون آخرون في أماكن أخرى عديدة من العالم استراتيجيات مماثلة لتلك التي استخدمها ويستخدمها المستعمرون الإسرائيليون ومؤسساتهم الحكومية للسيطرة على الأرض واستعمارها وتهميش الفلسطينيين، أو محوهم منها، لتحقيق أهداف مماثلة للسيطرة على الحيز وعلى موارد القوة بصورة حصرية. يقدم برادايم الاستعمار الاستيطانيّ منظورًا تاريخيًا مقارنًا بعيد المدى يتجاوز التركيز الضيق على أحداث 1948 أو 1967 ولا يحصر الاستعمار في الماضي. وباستعراض تاريخ ما يسمى بـ “الييشوف” باللغة العبرية (والمقصود المجتمع اليهودي في فلسطين في ثمانينات القرن التاسع عشر) من خلال الإطار الاستعماريّ الاستيطانيّ، يتضح أن المستعمرة الاستيطانية (الييشوف) شكلت، في الواقع، مؤسسة شبه سيادية (semi sovereign) أسست للمشروع السيادي المتمثل بإقامة دولة اسرائيل ومشروع استبدال الفلسطينيين الأصليين بالمستعمرين الصهاينة. لا يُلغي التصنيف الاستعماري الاستيطانيّ المركب القومي في الصراع، بل يسعى إلى استكشاف الطرق التي تتشابك بها القومية في السيرورات الاستعمارية الاستيطانيّة.

الاستعمار الاستيطانيّ وتفكيك الاستعمار

لا يقتصر استخدام برادايم الاستعمار الاستيطانيّ على الابحاث الأكاديمية، إطلاقاً، بل قامت هذه الأبحاث بتفعيله. وبدوره، أدى هذا البرادايم إلى إحياء الفكر والنشاط السياسيين. في الإطار التحليلي، لا مناص من النضال من أجل التحرر من الاستعمار الاستيطانية، لأنّ هذا النضال يوفر لغة يمكن من خلالها التعبير عن ظروف الهيمنة والتفوق البنيوي، إلى جانب العلاقة بين الأحداث التي تبدو وكأنها منفصلة وبين العمليات السياسية الأوسع. على سبيل المثال، في حالة الشيخ جراح وهبة الكرامة في أيار/مايو 2021، استخدم العديد من الفلسطينيين والمؤيدين مصطلح الاستعمار الاستيطانيّ من أجل: أولًا، إضفاء التاريخيّة على سيرورة نزع ملكية الفلسطينيين عن أراضيهم وممتلكاتهم في الحي؛ وثانيًا، توضيح تباين واقع الدولة الواحدة وسيطرة اسرائيل على جميع المجموعات الفلسطينية التي فصلها النظام الاستعماري عن بعضها. رغم أن العمل السياسي هو الذي يعيد، برأيي وفي الغالب، صياغة المفاهيم والأطر النظرية ويؤدي إلى تغييرات في التنظير والنماذج الفكرية والمعرفية، إلا أنّه يمكن للمعرفة المناهضة للاستعمار أن تغذي مناحي أكثر راديكالية للعمل السياسي وتعطيها زخمًا. أحد الأمثلة على هذه الديناميكية في فلسطين هو الطرق التي يستخدمها الناشطون من الفلسطينيين وبعض اليهود غير الصهاينة والمناهضين للصهيونية مفهوم تفكيك الاستعمار. عند اعتماد الإطار الاستعماري الاستيطاني، فإنّهم يقترحون (ولو ضمنيًا) أن السبيل لإنهاء عمليات العنف وعدم المساواة المترسخة هو إنهاء الاستعمار والمطالبة بحق تقرير المصير القومي للسكان الأصليين وتحويل العلاقة الاستعمارية بين الفلسطينيين والإسرائيليين اليهود إلى علاقة ديمقراطية وغير هرمية، حيث يتم تفكيك مبنى الفوقية (supremacy) اليهودية الإسرائيلية.

ومع ذلك، فإن إنهاء الاستعمار هو مفهوم غامض يتطلب، مثله مثل الاستعمار الاستيطانيّ، تفصيلًا وتفكيكًا. وعند وضع استراتيجية للخروج من الظروف الحالية – التي تبدو مختلفة بالنسبة لسكان الضفة الغربية وغزة والفلسطينيين في إسرائيل والمقدسيين واللاجئين في الشتات – غالبًا ما ينظر الباحثون/ات والناشطون/ات في فلسطين وإسرائيل إلى الدروس المستفادة من حالات أخرى. أحد هذه الدروس التي ينبغي أن يستخلصها الفلسطينيون من حالة جنوب إفريقيا هو أن إنهاء الاستعمار السياسي لا يتأتى فقط من إنهاء الاستعمار المادي. إن إيلاء الاهتمام لحالات أخرى كهذه وللتاريخ عند تفكيك العلاقات الاستعمارية الاستيطانيّة يعني التأمّل في تحديات وقيود إنهاء الاستعمار، الذي يغيّر الظروف المعيشية المهيمنة بطرق لا تديم العنف أو الفوقية العرقية. على سبيل المثال، في حين أن الأهمية المعرفية والرمزية كانت حاسمة لإنهاء نظام الفصل العنصري والتحرّر السياسي والمعنوي لأغلبية سكان جنوب إفريقيا غير البيض، فإن ظروفهم الاقتصادية غير المستقرة تشابه ظروف آبائهم وأمهاتهم وأجدادهم وجداتهم في ظل نظام الفصل العنصري [12]. علاوة على ذلك، فإن إراقة الدماء التي حدثت في الجزائر لدى دحر الاستعمار كانت بالنسبة للكثيرين بمثابة ضوء أحمر أو إشارة تحذيرية بحيث أنه يتعين على عملية الإنهاء الحذر للاستعمار مراعاة اشكاليات التقسيم الطبقي الاقتصادي بين المستعمرين والمستعمَرين والتوفيق بين المطالب القومية اليهودية والفلسطينية، ومنع عملية ترانسفير، أو نقل سكان، والعمل على تصويب وتصحيح وضعية الاستيلاء الصهيوني على الممتلكات والأراضي. 

إذا استخدم الباحثون/ ات والناشطون/ات برادايم الاستعمار الاستيطانيّ وتفكيك الاستعمار، فسيتعيّن عليهم ملء هذه المفاهيم النظرية بمحتوى فعلي. على سبيل المثال، نظم المواطنون الفلسطينيون في إسرائيل خلال العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، منتديات متعددة لتخيل أشكال الإنهاء العادل للاستعمار، بحيث تحافظ على المطالب القومية لكل من اليهود والفلسطينيين. تُوجت هذه المساعي بوثائق “رؤية مستقبلية” حددت نماذج لمجتمع جديد ولأساليب عيش مشتركة تخلو من العلاقات الاستعمارية، واقترحت أفقًا لتفكيك هيمنة المستعمِر والبُنية الاستعمارية والتسلسل الهرمي السياسي والاجتماعي والاقتصادي. هذه الجهود تصب في صالح صياغة أفق لإنتاج أشكال ديمقراطية للتفاعل والحوكمة [13]. كما تشكل هذه الوثائق دليلًا على القوة الكامنة في المفاهيم والأطر التحليلية. ولذلك فإن تشخيص الحالة الإسرائيلية الفلسطينية وفهم منابع العنف المؤسس للمشروع الصهيوني، باعتباره أحد حالات الاستعمار الاستيطاني، قد ساهم في انطلاق مجهود التنظيم السياسي والفكري بالعمل، ليس من أجل التنظير الفكري أو الأكاديمي فقط، وإنما تساهم أيضًا في إدخال لغة جديدة في الخطاب السياسي، بوسعها أن تفرز إمكانيات ومفاهيم تحريرية تفكك الاستعمار. تستمر هذه المبادرات والأطر مؤخرًا في منتديات مثل ملتقى فلسطين، وائتلاف الأكاديميين من أجل المساواة، وحملة الدولة الديمقراطية الواحدة. تُظهر هذه المبادرات أن الحد الفاصل بين البحث العلمي والممارسة السياسية هو، في الواقع، غير واضح تمامًا.

مثّلت هبة الكرامة الفلسطينية في أيار/مايو 2021، التي استكملت بإضراب وحدوي (لم تعهده فلسطين منذ العام 1936) وفعاليات احتجاجية في الشوارع، وغير ذلك من التعبئة، لحظة سياسية جددت الاحتمالات لتشخيص الاستعمار الاستيطاني وخلق أفق جديد لتفكيك الاستعمار. يمكن للباحثين/ات والناشطين/ات البناء على الدروس المستفادة من عقود من التنظيم والتنظير الأكاديمي محليًا ودوليًا لتصور أشكال جديدة للحياة السياسية في فلسطين. على الرغم من تفرّدها تاريخيًا، فإن المسألة اليهودية (كيف يمكن لليهود الصمود في مواجهة الإقصاء والعنف الرامي إلى استئصالهم) والقضية الفلسطينية (كيف يمكن للفلسطينيين الصمود في مواجهة الإقصاء والعنف والمحو) تصطدمان مع الاستعمار الاستيطاني وتشتبكان وتتشابكان ولا يمكن حلهما إلا معًا، ومن خلال إنهاء الاستعمار.

هذا المقال نشر باللغة الإنجليزية في موقع MRP- مشروع الشرق الأوسط للبحوث والمعلومات (عدد ربيع 2022): https://merip.org/2022/05/but-if-i-dont-steal-it-someone-else-is-gonna-steal-it-israeli-settler-colonial-accumulation-by-dispossession/


المراجع:
[1] Tamer Makalda, “It is not enough that you are an occupier and a thief, and also rude!!!” Socialist Zionism

[2] “Inside the Battle for Jerusalem,” VICE News, May 19, 2021.

[3] Joel Beinin, “Mixing, Separation, and Violence in Urban Spaces and the Rural Frontier in Palestine,” The Arab Studies Journal 21/1 (2013).

[4] Fayez Sayegh, Zionist Colonialism in Palestine (Beirut: Research Center, Palestine Liberation Organization, 1965); George Jabbour, Settler Colonialism in Southern Africa and the Middle East (Beirut: Palestine Liberation Organization Research Center, 1970); Ibrahim Abu-Lughod and Baha Abu-Laban, eds., Settler Regimes in Africa and the Arab World: The Illusion of Endurance (Wilmette, IL: Medina University Press International, 1974); Edward Said, “Zionism from the Standpoint of Its Victims,” Social Text 1 (1979); Jamil Hilal, “Imperialism and Settler Colonialism in West Asia: Israel and the Arab Palestinian Struggle,” Utafiti: Journal of Arts & Social Studies & Social Sciences 1/1 (1976). For a more thorough historical overview see Areej Sabbagh-Khoury, “Tracing Settler Colonialism: Genealogy of a Paradigm of Knowledge Production in Israel,” Politics and Society 50/1 (2022). The category did not take hold among scholars until later in the twentieth century. See Baruch Kimmerling, Zionism and Territory: The Socio-Territorial Dimension of Zionist Politics (Institute of International Studies, University of California, 1983); Gershon Shafir, Land, Labor and the Origins of the Israeli-Palestinian Conflict, 1882–1914 (Cambridge University Press, 1989).

[5] Scott McLeod, “An Interview with Yasser Arafat,” New York Review of Books (June 1987).

[6] Rogers Brubaker and Frederick Cooper, “Beyond ‘Identity’” Theory and Society 29/1 (2000).

[7] See Amnon Raz-Krakotzkin, “Jewish Peoplehood, ‘Jewish Politics,’ and Political Responsibility: Arendt on Zionism and Partitions,” College Literature 38/1 (2011).

[8] Areej Sabbagh-Khoury, Colonizing Palestine: the Zionist left and the making of Palestinian Nakba. (Stanford, CA: Stanford University Press, forthcoming).

[9] Sabri Jiryis, The Arabs in Israel (Monthly Review Press, 1976).

[10] Nadim Rouhana and Areej Sabbagh-Khoury, “Settler-Colonial Citizenship: Conceptualizing the Relationship between Israel and Its Palestinian Citizens,” Settler Colonial Studies 5/ 3 (2014).

بالعربية انظروا: 

نديم روحانا وأريج صباغ خوري، “المواطنة الكولونيالية الاستيطانية: ماهية العلاقة بين اسرائيل ومواطنيها الفلسطينيين”، في: قضية فلسطين ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني- الجزء الثاني: الكولونيالية الاستيطانية واعادة تصور مستقبل المشروع الوطني (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2016).

[11]  حسن جبارين وسهاد بشارة، قانون الدولة القومية اليهودية: السوابق والتداعيات الدستورية> مجلة الدراسات الفلسطينية 48/2 (فبراير 2019).

[12] Andy Clarno, Neoliberal Apartheid: Palestine/Israel and South Africa After 1994 (University of Chicago Press, 2017).

[13]  وثائق التصوُّر المستقبليّ: دستور عدالة الديمقراطيّ؛ التصوُّر المستقبليّ للعرب الفلسطينيّين في إسرائيل الصادر عن لجنة رؤساء السلطات المحلّيّة العربيّة؛ وثيقة حيفا المنبثقة عن مدى الكرمل: المركز العربيّ للدراسات الاجتماعيّة والتطبيقيّة؛ دستور مساواة للجميع المنبثق عن مركز مساواة لحقوق المواطنين الفلسطينيّين في إسرائيل.

عن فارءه معاي

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: أريج صباغ -خوري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *