لعبة الشرع المزدوجة: كيف أصبحت حيادية سوريا ضرورة للبقاء

منذ صعود أحمد الشرع في ديسمبر 2024، شهدنا محاولة لإعادة تشكيل النظام السوري في واقع لم تعمل فيه الدولة قط كمركز واحد ذي سيطرة كاملة . فالساحة السورية أشبه بفسيفساء تضم مناطق ذات قيادات محلية، وميليشيات ذات ولاءات متباينة ، وفجوة مستمرة بين ما يُعلن في دمشق وما يُمكن فرضه على أرض الواقع .
والنتيجة هي إدارة مستمرة لواقع معقد ، يتم فيه بناء النظام جزئيًا أثناء الحركة .
في الوقت نفسه ، تندمج سوريا في منطقة تتغير هي الأخرى ، ولم تعد فيها معسكرات واضحة أو تحالفات مغلقة ، بل تعدد في الأطراف التي تعمل وفقًا لمصالح متغيرة . وفي هذا السياق ، تعمل سوريا بحذر : تتحاور مع مختلف الأطراف ، وتتعاون عند الضرورة ، لكنها تتجنب الانحياز الكامل لأي طرف . وبهذا، تُصبح هذه الحالة مثالاً يُجسّد المنطق الإقليمي الجديد الذي تم بناؤه من خلال الإدارة المستمرة للعلاقات والمصالح المتداخلة . وتُشكّل حرب إيران 2026 مختبراً يُمكن من خلاله استخلاص نموذج العمل السوري.
وفي حين يُطلب من الدول الأخرى اختيار أحد الجانبين ، تختار سوريا عدم الانحياز ، مع أنها لا تغيب عن الساحة السياسية . فهي لا تنضم إلى الصراع ، لكنها لا تبقى مكتوفة الأيدي ، بل تضع حدوداً للميليشيات الموالية لإيران ، وتُعزّز سيطرتها على الحدود ، وفي الوقت نفسه تفتح قنوات حوار مع مختلف الأطراف الفاعلة ، من أوروبا وبريطانيا إلى تركيا ودول الخليج . وهكذا يتبلور خط عمل واضح : تجنّب الحرب الى جانب توسيع حيز العمل السياسي .
ويظهر هذا النمط أيضاً في الساحة الدبلوماسية . فالشرع يتحدث مع الجميع ، لكنه لا يستسلم لأحد ، ولا حتى لتركيا، على الرغم من تزايد وجودها في سوريا والدعم الكبير الذي قدّمته له وللميليشيات التي كانت تعمل تحت إمرته في إدلب قبل وصوله إلى السلطة . يوجد تعاون ، لا سيما في المجالين الاقتصادي والأمني ، لكن لا يوجد التزام كامل ولا تبعية مطلقة للأتراك .
وهذه بالتأكيد محاولة واعية للحفاظ على حرية العمل .
لا يسيطر النظام سيطرة كاملة على كامل الدولة . ففي الجنوب الغربي وفي السويداء ، في منطقة الدروز ، تنشط ميليشيات محلية قوية ، وفي الشمال الشرقي الكردي ، يوجد حكم ذاتي بحكم الأمر الواقع ، وفي مناطق أخرى ، تنشط قوى ذات ولاءات مختلفة ، بعضها محلي ، والبعض الآخر مرتبط بجهات خارجية .
هذا يعني أن سيطرة المركز جزئية، وتعتمد أحيانًا على اتفاقيات مؤقتة بدلًا من الخضوع التام.
يتم استخدام القوة بشكل مختلف من مكان لآخر . مع الأكراد ، هناك حذر وجهد لتجنب تصعيد واسع النطاق ، مما يدل على مستوى أعلى من سيطرة المركز . في المقابل ، شهدت السويداء حوادث عنف شديدة ضد الدروز . من غير الواضح إلى أي مدى يمكن ان يكون هذا توجيهًا مباشرًا من الأعلى ، وليس من المستبعد أن تنبع بعض هذه التصرفات من ديناميكيات محلية ، كالرغبة في الانتقام والضغائن القديمة بين الجماعات . على أي حال، تبقى فجوة قائمة : فهناك مناطق تنجح الحكومة في ضبطها وتوجيهها ، وأخرى يكون فيها سيطرتها محدودة .
وهنا تبرز شخصية أحمد الشرع الغامضة كقائد يعمل ضمن واقع يتطلب المرونة . هذا الرجل ، الذي كان جهاديًا في الماضي ، يتحدث اليوم بلغة الدولة ، مع أنه لا يعمل وفقًا لنموذج الدولة التقليدي . الشرع شخصية مركزية وحذرة، يعتمد على دائرة محدودة من المقربين ، ولكنه يفسح المجال أحيانًا لجهات أخرى للعمل عندما يخدم ذلك مصالحه . هذه القدرة، التي لا يُستهان بها ، على العمل على مستويات متعددة في آن واحد ، عسكريًا وسياسيًا وإقليميًا ، دون التقيد بخط واحد، هي ما مكّنه من البقاء وترسيخ سلطته .
من منظور أوسع ، تعمل سوريا اليوم ضمن نظام متعدد الأقطاب : لا يوجد طرف واحد في المنطقة يفرض النظام ، ولا توجد تحالفات مغلقة وواضحة. بل توجد شبكة من المصالح ، بعضها متداخل، وبعضها متناقض ، وتحاول سوريا التكيف معها دون أن تفقد السيطرة.
من منظور المنطقة، وإسرائيل على وجه الخصوص ، المعنى واضح : لا استقرار هنا ، ولكن لا فوضى عارمة أيضاً . لا يوجد تهديد مباشر وفوري ، ولكن لا يقين أيضاً . يمكن أن تكون سوريا شريكاً في تسوية محدودة ، وفي الوقت نفسه ساحة للمفاجآت.
سوريا في عهد الشرع هي أحد التعبيرات المعقدة للانفجار الذي يشهده الشرق الأوسط . بلد يحاول النهوض من جديد بعد انقسام ، يقوده رجل يحاول التخلص من الماضي ، لكنه لا ينجح ، وربما لا يريد أيضاً التخلي عنه تماماً .

موقع واللا العبري

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *