لستُ وطنيا .. ولكنها عقدة نقص !

لا يروق لي عادة هذا ” الطنيّن ” الوطني الذي يتغزّل بالأوطان و ” يحلف بسماها وترابها ” ، ولكني كفلسطيني ولد منزوع الوطن ، وعشت حياتي لاجئا في أوطان الآخرين ، صار الوطن عقدة شخصية فتحت عيوني على ” عقيدتها ” في مخيم تسقط فيه رؤوسنا بعيدا عن وطن سقط من بين أيدينا ، حين تآمر التاريخ على الجغرافيا ولطش بلادنا ، ووزعنا على المخيمات .
عشت حياتي وما أزال بوطن ” شفوي ” يرويه الآباء للأبناء ويرسمون تضاريسه في المخيلة التي تصهل خيولها حنينا وطنينا في أوطان غيرنا !
ومنذ ان اصطدم المخيم بالمدينة في بلاد الشتات صار اسمي الفلسطيني في مدرسة ثانوية سورية في حمص ، لتلاميذها أسماء علم تناديهم بها ، الا انا كنت بلا اسم .. فقط اسمي ” الفلسطيني “..
وتنقّل هذا ” الفلسطيني ” من منفى الى منفى وهو يحمل في حقائبه عقدة الوطن مثل معاق من ذوي الاحتياجات الخاصة ، يحدّق في نقصه في اكتمال الآخر الذي لا يكف عن التغني بوطنه أمام فلسطيني منزوع الوطن ..
في بيروت لازمتني عقدة ” الضيعة ” حين كان زملائي اللبنانيين الذين كنت أعمل معهم يمضون نهاية الأسبوع في ” الضيعة ” في جنوب لبنان او جبل كسروان وانا مشحر لي ” ضيعة ضائعة ” في فلسطين لا تبعد كثيرا عن ضيعة صديقة لبنانية في بنت جبيل تستطيع ان تراها بالعين المجردة خلف اسلاك الجليل ..
صرت أكره نهاية الأسبوع وهي تنط في وجهي مساء كل خميس وتذكرني بضيعتي الضائعة ، وأنا اتسكع وحيدا في شارع الحمرا ببيروت ..
ومن بيروت .. قبرص .. الى السويد تتنقل عقدة “النقص الوطنية ” معي من مطار الى مطار الى ان اخترعت وطنا مفتعلا لي هنا في السويد منحني جنسيته الشقراء بسخاء ، هذه الجنسية التي بفضلها زرت وطني لأول مرة في حياتي ، وكان يحدّق بي تمثال رأس بن غوريون المقطوع على مدخل مطار اللد ، وبلادي تحمل لي بكفها اللوز الأخضر وشتلة زعتر بري لعلها تداوي بالأعشاب الطبيعة عقدتي التي ولدت معي تحت صفيح مخيم على أطراف حمص السورية ، وتنقلت معي من عاصمة الى عاصمة .. ورجعت ولو مؤقتا الى ” ضيعتي الضائعة ” في الشجرة ، ووقفت على أسلاك رأس الناقورة الوح لصديقتي اللبنانية في بنت جبيل التي ” جننتني ” بضيعتها في نهاية كل أسبوع بيروت ..
قال لي مرة صديق سويدي دلوع : الوطن لا يعني لي شيئا انا صدفة ولدت سويديا الوطن شوفننية مريضة تقلل من إنسانية الانسان التي ترى العالم وطنا طبيعيا لكل البشر وحقا لكل الناس ان يعيشوا في أي مكان يختارونه ، كان سيقنعني كلامه لو لم أر على وجهه علم السويد الذي رسمه بالألوان وهو يشجع فريق السويد في المونديال الماضي ..
لستُ وطنيا .. ولكني أعاني كفلسطيني عقدة نقص تلك هي القضية يا صديقي السويدي الدلوع !

Author: خالد عيسى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *