لا توجد، وربما لم تكن، إسرائيل واحدة على الإطلاق

لا توجد، وربما ولا مرة واحدة على الإطلاق كانت إسرائيل واحدة . فالمجتمع ممزق إلى شرائح ولا سبيل للتوفيق بينها . وتعبيرات الاستياء والكراهية والازدراء والحقد في الخطاب العام ما هي إلا غطاء ، نتيجة التعليم والتحريض وغسل الادمغة والجهل وعدم القدرة الأساسية على الحوار والاصغاء . لو وجدت نفسي على جزيرة وحيدا في بحر غزة أو في نفق مظلم تحت أرضها وصادفت شلومو كاراي أو ماي جولان أو بتسلئيل سموتريش وأمثالهم
أشك في أنني كنت سأتبادل أي كلمة معهم. ليس بيني وبينهم شيء . ولا شيء. ولكان الدافع الوحيد لدي لإنقاذهم هو أنهم بشر، مثل البشر الآخرين. ليس لأنهم يهود، أو لأن لدي أي شعور بالمسؤولية أو التضامن القبلي تجاه أي منهم. وتحت غطاء الاشمئزاز منهم ومن شخصياتهم المحدودة هم وأمثالهم يكمن عمق الخلافات معهم . وجهتا نظر متعارضتان إلى حد يخيل أن حرب لامهادنة فيها تدور بينهما. وهذه هي المعضلة: من الذي سبق من الفرد أم المجموعة . فاليمين الأيديولوجي يؤمن بالخيط الثلاثي المتمثل في دولة واحدة وشعب واحد وزعيم واحد. ومن المفترض أن يقدم اليسار بديلاً معاكساً: دولة واحدة وشعبان وجماهير من الأفراد، كل منهم – بحسب نبي اليمين زئيف جابوتنسكي – هو ملك.
والحقيقة أن جابوتنسكي لم يحصل على لحظته المدنية في المشهد الإسرائيلي. فلسنوات عديدة سيطرت الاشتراكية بجميع صورها على قبعة التوراة . نظام غريب تبنى المفاهيم الاقتصادية لليسار العالمي والوحشية العسكرية اليمينية لجابوتنسكي نفسه . وعندما تم استبدال الاشتراكيين في عام 1977، وصلت التوراة الدينية نفسها إلى السلطة. وفي غمضة عين، لم يعد هناك أي وقت حقيقي لفحص وجهات النظر المدنية والعلمانية والليبرالية لأبو اليمين الإسرائيلي.
من المشكوك فيه أن جابوتنسكي كان سيشخص أي شيء من شخصيته في صورة خلفائه الصاخبين والأقوياء والمتحمسين . وليس لدي أدنى شك في أنه كان سيعرف نفسه على ضوء سياسة حزبه هو . ومع ذلك، فإن الشرخ الموجود حاليا على وجه التحديد يسمح بإلقاء نظرة خاطفة على مدى تعقيد مفاهيمه . وبطبيعة الحال، مثل أي مفكر كتب وأبدع لسنوات عديدة ، يوجد في كتاباته تطورات وأحيانا تناقضات داخلية .
ولهذا السبب بالتحديد، يجب على جابوتنسكي أن يوفر لأصحاب الرأي والفضول أحد تناقضاته . فهو يضع في مكان واحد أسس مجتمع ليبرالي حر يمثل فيه الفرد وحريته وحقوقه حجر الزاوية الذي يقوم عليه البناء الاجتماعي والإنساني برمته. “لو زودني خالقي بالحكمة والمعرفة الكافية لصياغة نظام فلسفي، لكنت اسست وبنيت نظامي بأكمله وفق اسلوب : “في البداية خلق الله الفرد؛ كل فرد هو ملك مساوٍ للآخر – والأخر هو أيضًا “ملك”، ومن الجيد أن يخطئ الفرد في حق الجمهور، لا أن يخطئ المجتمع في حق الفرد.” وفي مقابل مركزية الفرد، يكتب العكس تمامًا في وقت آخر: “في البداية خلق الله الأمة ” .
وهناك بالضبط نحن فيه ممزقون. أمة مفروضة من الأعلى، أو مجتمع مدني ينمو من الأسفل. فمن جهة، كان النضال البطولي للعائلات والناشطين من أجل عودة جميع المخطوفين، الأحياء منهم والأموات، انطلاقا من افتراض قيمي مفاده أنه بدون التضامن مع الفرد لا يوجد جمهور ومجتمع. لأنه أمر سيء ومرفوض أن “يخطئ المجتمع في حق الفرد”. ومن الجهة الآخرى هناك فاشستيو الجماعة . (لحظة تربوية: مصطلح الفاشية مشتق من كلمة فاسيس في اللغة اللاتينية. حزمة من أعواد البتولا تربط حول مقبض الفأس. كرمز لقوة المجموعة الأقوى من العصا الواحدة ). أولئك الذين يعتقدون أن الشعب الإسرائيلي كمجموعة يأتي قبل الفرد الإسرائيلي وأن الصالح العام يعلو على حقوق الفرد. وهذا نقاش أساسي وهام حول مصدر سلطة نظام التشغيل السياسي لدينا. هل هو سلطة الجماعة أم الأفراد ؟ في هذه اللحظة، يسيطر على القبعة (ومع القبعة) أتباع الأمة المتعصبين. والذين يُجلبون في التوابيت هم ضحايا عقيدة الأفراد . صراع غرائزي رهيب بين طائفة البيبية(نسبة إلى بيبي) وأبرياء بيت بيباس .
اذا مالذي يجب أن نفعله ؟ إذا كنا نتحدث عن جابوتنسكي، فربما يأتي اليوم الذي تشكل فيه مفاهيمه المدنية البنية التحتية لمجتمع إسرائيلي آخر. منظم ويتطلع للسلام ويكتب دستورا، كدستوره:
- يجب اعتماد مبدأ المساواة في الحقوق بين جميع المواطنين على اختلاف أجناسهم وأديانهم ولغاتهم وطبقاتهم، دون أي قيد، في كافة مجالات الحياة العامة في البلاد.
- في كل حكومة يشغل فيها يهودي منصب رئيس الوزراء، يجب أن يكون هناك نائب رئيس وزراء عربي. والعكس صحيح.
- المشاركة النسبية لليهود والعرب في الواجبات التي تفرضها الدولة وفي الاستفادة من المنح التي تمنحها. وتنطبق هذه القاعدة على الانتخابات البرلمانية والخدمة المدنية والعسكرية ومخصصات الميزانية.
- تنطبق هذه القاعدة أيضًا على البلديات أو مجالس المناطق المختلطة.
وما كل مايشبه ذلك . مجتمع مشترك ، مناطق ومسؤوليات مشتركة. كل مبني من مجمل الأفراد يحترمهم كمتساوين ، ويفسح المجال لحل كل مشاكل الحياة التي تتصادم بينهم. لأن تعددية الآراء لا تشكل تهديدا بل هي مصدر للثروة والسعادة. الأمر يستحق المحاولة – لأننا نعيش ونشهد كل يوم ثمار المفهوم الآخر . وهذا فظيع .
موقع واللا