كي لا نصفع بانتخاباتنا الديمقراطية

في غمرة الجدل الدائر حول الانتخابات الفلسطينية على مستوى “السلطتين” التشريعية والتنفيذية تتوالى الكثير من الآراء والتحليلات والتوقعات حولها بدءا بإمكانية وحظوظ إجرائها أصلا ومرورا بالمعوقات الاسرائيلية أمام إجرائها والاشكاليات الأخرى الفنية والسياسية الكثيرة التي تعترضها، وانتهاء بجدواها ومآلاتها وما يمكن ان تُسفِر عنه من نتائج وما سيتركه كل ذلك من آثار على مجمل الحال الفلسطيني. في هذا المقال حول الانتخابات الفلسطينية أتناول موضوعين أرى من المهم بمكان تسليط الضوء عليهما الاول تذكير ببعض البديهيات العامة حول مفهوم الانتخابات والديمقراطية والثاني إشارة الى عدد من الاشكاليات التي تحيط بتلك الانتخابات حال وبعد إجرائها.

الانتخابات والديمقراطية موضوعين مختلفين مفهوما وممارسة وهما مستقلين ويحملا معنيين متباينين ولا يمكن أن يستبدل أحدهما الآخر أو ينوب عنه. فالانتخابات هي ليست الديمقراطية والديمقراطية ذاتها ليست مجرد انتخابات كما يظن البعض. فالانتخابات أداة أو طريقة ربما توصل الى الديمقراطية (لكن ليس بالضرورة)، وتعني الديمقراطية تمكين الناس عبر ممثليهم  من المشاركة الفاعلة في إدارة الشأن العام. ويعني ذلك ان العلاقة بين الانتخابات والديمقراطية هي علاقة ترابط لكنها قابلة للإعراض والافتراق، كالعلاقة بين سنارة صيد وصيد مرغوب. وتستعمل مختلف الأنظمة تقريبا، وإن بمواصفات متباينة، أداة الانتخابات سواء كانت تلك الأنظمة ديمقراطية او سلطوية او شمولية، وبصرف النظر إن هي غنية أو فقيرة أو كبيرة أو صغيرة.

أما في الحالة الديمقراطية فأداة الانتخابات هي صيغة مفاضلة واختيار بين البرامج والرؤى حول إدارة الدولة داخليا وخارجيا سياسيا واقتصاديا وغير ذلك، كما هي صيغة لانتقاء الأشخاص الذين يترجمون تلك البرامج والرؤى الى سياسات عينية. طبعا يلزم التذكير هنا ان الانتخابات لوحدها لا تكفي لبلوغ الديمقراطية والحفاظ عليها، فهناك شروط أخرى لا بد من توفرها كي لا تُفضي هذه الأداة الى الاستبداد والسلطوية بدلا من الديمقراطية التعددية، سأشير الى شرطين منها: الأول عام يتمثل بضرورة الانتباه الى الحدود الفاصلة بين خمسة فضاءات هي: المجتمع والدولة والسلطة والنظام والحكومة، ما يعني ان أداة الانتخابات تُعنى بالحكم فقط ولا علاقة لها ببقية الفضاءات، وإلا فإنها تتحول إلى أداة إنتاج وترسيخ للشمولية. الشرط الثاني أكثر تحديدا ويضم قضايا كسيادة القانون والقضاء المستقل والفصل بين السلطات وتداول سلمي للسلطة وحزبية سياسية نشطة وقوانين حمائية للحقوق والحريات بما في ذلك مسألة المرأة وغير ذلك من القضايا. ولكي تستطيع أداة الانتخابات تلك خدمة الديمقراطية لا بد ان تتم بحرية ونزاهة وبشكل دوري.

طبعا، هذا الوجه الايجابي للانتخابات، لكن هناك وجه آخر لا بد من الاشارة اليه. فالانتخابات يمكن ان تكون أيضا أداة التفاف على الديمقراطية كما حدث عام 1992 في الجزائر عندما تم إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وكما حدث عام 2006 في فلسطين عندما تم التنكر داخليا وخارجيا لفوز حركة حماس في تلك الانتخابات، وكما حدث أيضا قبل أيام في الولايات المتحدة حين حاول ترامب ومؤيدوه الالتفاف على نتائج الانتخابات التي فاز فيها بايدن. إضافة لذلك، يمكن للانتخابات ان تكون وسيلة لصعود أعداء الديمقراطية (والانسانية) الى مواقع الحكم والتأثير، كما حصل ويحصل عندما تأتي صناديق الاقتراع بقادة نازيين وفاشيين وشعبويين.

اما العلاقة بين الانتخابات والديمقراطية في الحالة الفلسطينية فهي علاقة أكثر صعوبة وتعقيدا من أي مكان آخر، وذلك لتشوّهها ولتبعثر عناصرها ومركباتها في كل المستويات. فهي ليست حالة دولانية كما هي ليست حالة ثورية، والفلسطينيون مشتتون مبعثرون في اصقاع الارض تحكمهم ظروف شديدة التباين والاختلاف، أضعفت ما هو مشترك بينهم من هوية وانتماء فعلي. ويتضح عمق المأزق أكثر عند التمعن بشخوص القيادات الفلسطينية، التي توالت طيلة سبعة عقود فقد اتسمت بالشخصانية والفهلوة والسلطوية واختزلت الوطن بالفصيل والفصيل بلجنة مركزية أو مكتب سياسي وهذه وتلك بشخص قائد أوحد يعتقد ان الخالق لم يشأ أن يترك شبيها له على الارض!! فمن وحي بصيرته وإبداعات عبقريته يصدر ما يشاء من القرارات والمراسيم، ويتصرف بالمال العام ويغدق به على من يشاء. لقد كان من البديهي ان يلازم ذلك تهميش ومن ثم تكلس البنى والأطر والاحزاب التي كان من المفترض ان توصل الفلسطينيين يوما ما الى التحرير والاستقلال، كما من البديهي أيضا ان غاب عن تلك البنى قيم وثقافة المراجعة والتقييم والمساءلة والمحاسبة ما جعل من النزاهة مفردة غير مألوفة لدى الفلسطينيين عندما يصفون تلك القيادات.

هذا هو السياق الفلسطيني الذي يحيط الحديث عن الانتخابات تعليقا وتحليلا واستشرافا، والتي أرى في إجراءها تطور ايجابي ومفيد يخدم الفلسطينيين لكن فقط وأقول فقط ليس دون معالجة الاشكاليات والتحديات التي تقف اليوم أمام الفلسطينيين وانتخاباتهم، والتي أتناول ستة منها.

الاولى اشكالية توقيت الانتخابات، حيث يتضح ان هناك عوامل اقليمية وأخرى مرتبطة بتنصيب إدارة جديدة في واشنطن قد دفعت باتجاه اجراء الانتخابات، ما يعني ان الانتخابات لا تأتي كتجسيد صادق وحقيقي لما يتمناه الفلسطينيون، بقدر ما يراد لها أن تأتي كاستجابة لضغوطات واعتبارات خارجية لا يتم تناولها من قبل المسؤولين الفلسطينيين.

الثانية إشكالية غرض الانتخابات، حيث أرى انه يتمثل في رغبة سلطتي رام الله وغزة في استحصال شرعية ديمقراطية ليتسنى لهما استمرار السيطرة والهيمنة على الحال الفلسطيني ككل. فغرض الانتخابات برأينا هو صيانة نظامين فشلا في تحقيق الكثير من الاستحقاقات، وكذلك لتورية وإخفاء ما يعتريهما من تكلس وضعف وعدم مقبولية لدى فئات واسعة من الفلسطينيين في الخارج والداخل، خاصة في صفوف الشباب الذين يرون بهما سلطتين شبيهتين بأنظمة الاستبداد العربي التي ثأرت ضدها الجماهير العربية في العقد الاخير. وكون هذه الانتخابات تأتي لـحفظ ماء وجه السلطتين وليس للنهوض بالوضع الفلسطيني المتهتك ككل، فإنها تتشابه مع الانتخابات السابقة من حيث عدم صلتها بـ “الإرادة العامة” للفلسطينيين وفي الرغبة بترويضهم إرضاء لآخرين!

فقد جاءت انتخابات 1996 لتجميل سلطة أسيرة مكبلة ومحدودة السيادة بغية رفع درجة مقبوليتها داخليا ولتسويقها خارجيا على أساس ان القائمين عليها هم ديمقراطيون. أما انتخابات 2006 فقد جاءت أيضا لتدجين الفلسطينيين (بما في ذلك حركة حماس) بغية تكوين الفلسطيني الجديد، ذلك الفلسطيني المنتمي الى السوق والبنوك والملتصق بأجنداته الشخصية أكثر من انتمائه لوطنه. وتم إسناد هذه السياسة بتعاون أمني مع المحتل وفق خطة كينيث ديتون، وبوهم البناء المؤسسي الذي أداره سلام فياض. اما انتخابات 2021 فهي ستكون (إن حصلت طبعا) شبيهة بسابقتيها من زاوية انها لا لن تهدف الى نفض ما علق بالفلسطينيين من غبار وما أصاب حياتهم من تهتك، أو لتوسيع المشاركة الشعبية وشحذ الهمم والنهوض بالحال الفلسطيني، وإنما إلى استحصال شرعية زائفة تمكن الفريقين من الإمعان في فعل ما لا يريده الفلسطينيون!

الثالثة إشكالية غياب البرامج، فحتى اللحظة من غير الواضح ما البرامج التي يمكن أن تطرحها مختلف الأطراف وما الفروق بينها في مختلف القضايا الداخلية والخارجية، وفي مقدمتها ما برامجها ورؤاها واستراتيجياتها للتحرر والانعتاق!! طبعا هناك قضايا خلافية عديدة لم نسمع انه تم الاتفاق بخصوصها كالأمن والسلاح والموظفين والقضاء وطبيعة العلاقة مع إسرائيل وغير ذلك. إن غياب مثل هذه البرامج والرؤى والتصورات، وكذلك غياب الحوار والنقاش حولها من شأنه ان يعزز الانتماء الحزبي والعشائري الأعمى والضيق الذي يترك أثار مدمرة على الفلسطينيين ويُلحق ضررا بالغا بمدنيتهم ومسعاهم نحو التحرر والانعتاق.

الرابعة هي اشكالية غموض أدوار وحدود الأطراف التي يمكن ان تشارك في الانتخابات، وبالتالي غموض نطاق “شرعيتها” المستحصلة عبر ذلك. ففي ظل التشظي والتفتت القائم، وفي ظل وجود خارج وداخل، وفي ظل وجود سلطتين ومنظمة تحرير، وفي ظل وجود حمائم وصقور في كل من فتح وحماس، يصير من الصعب فهم معنى إدلاء الفلسطينيين بأصواتهم (تأييدا أو معارضة) لمرشحين ليس من الواضح مَن يمثلون حين تتقاطع فيهم أدوار مختلفة. مثال على ذلك: ما الذي سيعنيه بالضبط فوز الرئيس الفلسطيني في الانتخابات حين تتجمع بشخصه أدوار كثيرة مستمدة من كونه رئيس منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية وحركة فتح والقائد العام للقوات المسلحة؟ في هذه الحالة يصبح السؤال: كيف يمكن التوفيق بين مصالح وتطلعات 13 مليون فلسطيني من جهة، وما ترغب بتحقيقه حركتا حماس وفتح من هذه الانتخابات؟

الخامسة هي اشكالية استبدال الانقسام بالتقاسم بدلا من التحالف والتعاون، حيث لا يبدو ان الغرض من الانتخابات هو انهاء الانقسام بين فتح وحماس، وإنما تهذيبه وتحويله إلى تقاسم يستبعد الآخرين من احزاب وقوى وأشخاص ومستقلين ويحيلهم بعيدا عن دائرة الفعل الوطني وكأن الوطن حيّز حصري لاجتهاداتهم الخرقاء. ان الانقسامات بين الفلسطينيين أمر مألوف فقد وجد في الماضي سواء بصيغته العائلية كما في ثلاثينيات القرن الماضي، أو السياسية كما في سنوات انشقاق فصائل منظمة التحرير ونشوء جبهة الرفض أو حين نشوب حرب المخيمات أو انتهاء بصراع فتح وحركتا حماس والجهاد منذ التسعينيات حتى اليوم.

أما الاشكالية الأخيرة فهي تتمثل بالهيمنة شبه التامة للحزبين الكبيرين على الموارد المادية والقهرية والرمزية، حيث يستحوذون على المال والسلطة والشرطة واجهزة الأمن والإعلام والقضاء والوظائف. إن امتلاكهم لهذه الموارد يجعلهم أعظم قدرة بكثير من الآخرين (أحزابا ومستقلون) على التأثير بالانتخابات لغرض تطويعها لخدمة قوائمهم ولتهميش سواها.

أما المضي نحو الانتخابات دون معالجة الاشكاليات التي أشرنا اليها (وغيرها من الاشكاليات) بجدية وفطنة ومسؤولية فإنه سيضع الفلسطينيين في ايار وحزيران وآب أمام ثلاثة استحقاقات انتحابية نعم انتحابية بالحاء.

Author: باسم الزبيدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *