كيف تهندس إسرائيل الإجرام عبر عملائها في غزة؟

أجبرني جوع أطفالي على التوجه إلى مركز المساعدات الأميركية في رفح، وعند الوصول، رأينا أشخاصاً ملثَّمين ومسلَّحين، وعرفنا لاحقاً أنهم من عصابة ‘أبو شباب‘ المتعاونة مع الاحتلال، فأمرونا بالاصطفاف في طابور، وتعمّدوا إهانة الجميع عبر الضرب بالعصي وأعقاب البنادق، والتلفُظ بشتائم قذرة، ولم يَسْلَمْ منهم أحد، حتى السيدات، وبدا أنهم بذلك كانوا يثبتون ولاءهم لضبّاط الاحتلال الذين يراقبون كل شيء بطائرات كواد كابتر على علو منخفض فوقنا، والذين بدورهم أمروا أفراد العصابة باعتقال عدد من الشبان، والذهاب بهم إلى مكان مجهول. وكان صوت تواصلهم مع ضابط إسرائيلي واضحاً من أجهزة الاتصال ‘المخشير‘، ولم يخجلوا من أنفسهم، وأطلقوا النار على أقدام عدد من الشبان، وفي النهاية أخبرونا أن نعود شمالاً لأنّ المساعدات نفدت، وانسحبوا، وعدتُ خالي الوفاض إلى عائلتي. وفي الطريق كنت أتساءل: كيف يقدر أحد على خيانة شعبه، والعمل لخدمة عدو مجرم؟ وكيف كان مثل هؤلاء يعيشون معنا قبل الحرب؟”

كان هذا ما عَايَشَهُ محمد التلابنة، الذي دفعته المجاعة المستشرية في قطاع غزة إلى المخاطرة والذهاب إلى مراكز توزيع المساعدات، والتي باتت تُعرف فلسطينياً بـ “مصائد الموت”، نظراً إلى المجازر اليومية التي يرتكبها الاحتلال بمنتظري المساعدات في محيط المراكز، والتي يروح ضحيتها يومياً عشرات الشهداء. وبعد أن قطع مسافات طويلة، فوجئ بمسلَّحين من عصابات موالية لإسرائيل يعملون بالنيابة عن جنودها.

وتُعتبر هذه مهمة ضِمْنَ العديد من المهام التي يوكلها الاحتلال الإسرائيلي إلى العصابات التي كوّنها من عملاء وخونة ومجرمين، والتي تعمل كأداة قذرة ورخيصة في يده.

وقد أشرف الاحتلال على تشكيل هذه العصابات بعد اجتياحه البري لرفح، وبرزت عصابة “أبو شباب” كأكبر هذه التشكيلات الإجرامية، والتي عملت في البداية بأوامر الاحتلال على منع وصول المساعدات والبضائع التي تدخل من معبرَي رفح وكرم أبو سالم جنوبي القطاع تجاه سائر المحافظات. وكانت تنشط في المناطق التي يسيطر الاحتلال عليها، وبذلك كانت تؤمّن استمرار المجاعة وزيادة الغلاء، ضمن سياسة إسرائيل؛ العقاب الجماعي وتجويع أهالي القطاع.

وإلى جانب جرائمها داخل المجتمع الفلسطيني، فقد ساندت عصابة “أبو شباب” جيش الاحتلال عسكرياً، إذ عملت على تمشيط المنازل قبيل اقتحام الجنود، خشية أن تكون هذه المنازل مفخخة، وكذلك كشْف مناطق تواجُد المقاومين، ومراقبة المناطق المحيطة بتجمعات قوات الاحتلال، وغيرها من المهام التي يأمرهم بها الضباط.

وقد أعلنت المقاومة الفلسطينية أنها تتعامل مع “العصابات الخائنة” بالضبط كما تتعامل مع الاحتلال. وفعلاً، نفذت كتائب القسام عملية تفجيرية بمجموعة من عصابة “أبو شباب” التي كانت تعمل على تمشيط المنازل في رفح، وأسفرت العملية عن مقتل عدد منهم.[1]

ورسمياً، اعترفت إسرائيل بتكوينها هذه العصابات ورعايتها إياها، إذ كشف أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب “إسرائيل بيتنا”، أن المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وبتوجيه مباشر من نتنياهو، قامت سراً بتسليم أسلحة إلى عائلات إجرامية وعصابات في غزة.

أمّا نتنياهو، فقد برّر تشكيل هذه العصابات واستعمالها بأن “إسرائيل تعمل على حسم المعركة ضد ‘حماس‘ بشتى الطرق، بتوصية من جميع قادة المنظومة الأمنية”.

وكشفت هيئة البث الإسرائيلية أن الرقابة العسكرية سمحت بالإفصاح عن أن إسرائيل زودت عصابات إجرامية في غزة بأسلحة من نوع كلاشنيكوف.[2]

ونقلت “القناة 12” العبرية عن مصدر أمني إسرائيلي أن خطة تسليح الميليشيا البدوية أنقذت أرواح جنود، ويأمل الجيش الإسرائيلي أن تُقصّر أيام “حماس” بصورة كبيرة، وقد وُلدت الخطة من إدراك أن إسقاط “حماس” يتطلب تشكيل حُكْمٍ بديل، إلاّ إن المستوى السياسي رفض أي حل، سواء السلطة الفلسطينية أو قوة متعددة الجنسيات، ولذلك تَقَرَّرَ إيجاد حل ميداني، تَمَثَّلَ في العصابات.[3]

وتعوّل إسرائيل على نجاح نموذج العصابات الموالية لها في جنوب القطاع لتكراره في كل المحافظات، وتزويدها بما يلزم لتكون قادرة على فرض سيطرتها الأمنية، وتتحول بالتدريج إلى بديل مدني لحكْم “حماس” في غزة، وذلك بعد أن تُساهم في إحداث نزاعات أهلية، وإشاعة انعدام الأمن، ومحاربة أي تشكيل أمني حكومي أو شعبي في غزة.

ومن جانبه، قال أحد المعنيين في غزة (م. غ) – وطلب عدم ذكر اسمه خشية استهداف الاحتلال – إن الاحتلال شكّل العديد من العصابات في مناطق متفرقة من قطاع غزة، وكان الهدف الأساسي هو زعزعة الأمن في القطاع، وإشاعة التفلّت الأمني، لكن الأمر تطور لأهداف أُخرى، إلى أن وصل إلى وهم الاحتلال؛ أن تتمكن هذه العصابات من حكْم القطاع، فيما يُسمى بـ “اليوم التالي”.

وأضاف في حديث إلينا: “حوّل الاحتلال العملاء والمجرمين وتجار المخدرات وأصحاب السوابق والمدانين إلى عصابات إجرامية منظمة، وبات يُشرف عليها مباشرةً، وجزء كبير من هذه العصابات يتمركز في مناطق سيطرة الاحتلال في مدينة رفح جنوبي القطاع، كعصابة ‘أبو شباب‘ وغيرها، بينما تمتد نشاطات هذه العصابات في كل مناطق القطاع، عبر إرسال عناصرها إلى خان يونس والمنطقة الوسطى، وقد سُجل نشاط لعصابات مشابهة في مدينة غزة وشمالها”.

وكشف أن الاحتلال استخدم هذه العصابات لنصْب كمائن لعناصر وزارة الداخلية ووحدتها المتخصصة في ضبط الأمن خلال الحرب، والمعروفة باسم “قوة سهم”، إذ يوجّه عملاءه على الأرض لمهاجمة المساعدات لاستدراج الأمن، وفور تدخُّل أفراد القوة، يتم قصفهم من الطيران المسيّر، وقد تكررت هذه الكمائن عشرات المرات، وراح ضحيتها مئات الشهداء. وعمل الاحتلال على تصعيد جرأة المجرمين، إذ أمرهم بمهاجمة أسواق، ومشافٍ، وفي كل مرة تتدخل قوات الأمن تتكرر الاستهدافات.

وتابع: “كشفت تحقيقاتنا مع أعضاء عصابة ألقينا القبض عليهم في مدينة دير البلح أن الاحتلال طلب منهم قطع الطريق والتعرض لشاحنة أدوية، لاستدراج ‘قوة سهم‘، وفعلاً، تدخّلت وتم قصفها من الجو. وكشفت عدة تحقيقات الارتباط المباشر بين العصابات المنظمة والاحتلال. والأمر لا يتوقف على النهب والسرقة، بل أيضاً يمتد إلى جهد استخباري منظم ضد الجبهة الداخلية. وإحدى العصابات التي كشفناها كانت عبارة عن شبكة عملاء، تزرع كاميرات، وتوفر بنك أهداف للاحتلال، وضِمن هذا البنك كانت مؤسسات خيرية، وشخصيات نشيطة في توزيع المساعدات، وتوفير المياه لمخيمات النزوح”.

وشدّد على أن هناك جهداً مركّزاً لضرب هذه العصابات وفرْض الأمن، على الرغم من الاستهدافات المكثفة التي تستهدف أي ناشط في الأمن. وكثيراً ما استهدفت منازل عناصر الشرطة والقوى الأمنية، وقتلت عائلاتهم لردع أي جهد لمحاربة الإجرام. لكن كل هذه المجازر لم تثنِ عناصر الأمن عن القيام بواجبهم الوطني والأخلاقي، بحسب وصفه.

وأوضح أنه مع تردّي الوضع الأمني، ظهرت عدة ظواهر إجرامية، سواء فردية أو جماعية، لا يرتبط مرتكبوها مباشرة بالاحتلال بالضرورة، كقطع الطريق والسرقة، والبلطجة والاحتكار، والعديد من الجرائم الأُخرى، والتي لم يكن يحدث معظمها أبداً قبل اندلاع الحرب. وهذا ناتج من استهداف الاحتلال المباشر لعناصر الأمن، وخروج العديد من المجرمين من سجون وزارة الداخلية في بداية العدوان على غزة.

وخلال الأشهر الأخيرة، زادت معدلات الجريمة في قطاع غزة، كجرائم السطو والنهب، واستخدام الأسلحة النارية والبيضاء في الخلافات، في ظل استهداف الاحتلال عناصر الأمن النشيطين.

وتنشط معدلات الجرائم بصورة أكبر في محيط المناطق التي يتمركز فيها جيش الاحتلال، كشارع الرشيد الساحلي والمناطق المحيطة بمحور نيتساريم، كونها المناطق التي يصعب أن يصل إليها عناصر الأمن.

وكان الشاب عبد الرحمن رجب أحد ضحايا جرائم قطع الطريق والنهب، في أثناء عبوره طريق الرشيد الساحلي متوجهاً من شمال القطاع إلى جنوبه، في نقطة سيطرة كاملة للاحتلال.

وقال عبد الرحمن رجب إنه مع الفقر المدقع والنزوح وفقدان منزله، قرر أن يبدأ مشروعاً بسيطاً يخفف من سوء الأوضاع المعيشية لعائلته، عبر بيع المثلجات والمياه الباردة، وكان ينقصه جهاز طاقة (ينظّم الكهرباء الخارجة من الألواح الشمسية) وثلاجة. ولتوفير ثمن هذه المعدات، قامت والدته ببيع ما لديها من مجوهرات، وبعد أن اشترى جهاز الطاقة، الذي كان ثمنه ٨٠٠٠ شيكل، حاصره بعض قطّاع الطريق في أثناء عودته.

وأضاف في حديث إلينا: “في وسط شارع الرشيد، هاجمني أربعة من قطّاع الطريق؛ ثلاثةٌ منهم يحملون أسلحة بيضاء، والآخر يحمل سلاحاً ناريّاً (مسدساً)، وطلبوا مني ترْك الجهاز ومتابعة طريقي إن كنت لا أريد الموت، فرفضتُ قطعاً، فبدأوا يضربون يدي بالخناجر، وعلى الرغم من الجروح، فإنني لم أترك الجهاز، إلى أن وجّهوا المسدس نحوي، حينها تركته، وأخذوه وعادوا تجاه مدينة غزة، وأكملتُ طريقي والدموع تملأ عينَيَّ، وتوجهتُ إلى مستشفى العودة لمداواة جروحي”.

وشدد رجب على أن قطّاع الطرق يحتمون بقوات الاحتلال، إذ يختارون مناطق مقابلة لتواجُد القوات البرية الإسرائيلية، ومُرَاقَبَةً من جانبها على مدار الساعة، ليمنعوا تدخُّل الأمن و”وحدة سهم” التابعة لوزارة الداخلية في غزة. وفي تلك المناطق، يتم العديد من جرائم السرقة يومياً.

وتابع: “شعرت بالقهر، إذ لم تكن غزة يوماً كما هي اليوم. كنا نسمع عن قطّاع الطرق في القصص القديمة التي تروي أحداث الصحراء، والآن لن أتمكن من بدء المشروع، وسنبقى في دوامة الفقر والتشتت. خسرنا كل شيء، حتى كرامتنا خسرناها.”

[1] “القسام: استهداف مستعربين تابعين لجيش الاحتلال شرق رفح“، “يوتيوب”، 30/5/2025.

[2] “بعد مفاجأة ليبرمان.. كشف تفاصيل تزويد ‘أبو شباب‘ بالسلاح“، “سكاي نيوز عربية”،5/6/2025.

[3] “قناة عبرية تكشف عن خطة تنفذها إسرائيل لإيجاد بديل سياسي وعسكري عن ‘حماس‘ في غزة” “أر تي عربية”، 7/6/2025.

عن المؤلف: 

محمد النعامي: كاتب صحافي من غزة.

عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية

About The Author

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *