كمال عدوان: حكاية حب انتهت بالاغتيال


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

في ذكرى استشهاد كمال ناصر وكمال عدوان ومحمد يوسف النجار  يوم 10 أبريل 1973 في مدينة بيروت..

سياج الأمان الذي طوّق به عائلته لم يحمه ويحمهم من سيناريو دموي كان يُدبّر لهم في ليلة ظلماء..

كمال عدوان: حكاية حب انتهت بالاغتيال

لربما لم يدر في خلد الصبية العشرينية مها الجيوسي أنّ ذلك الغداء التكريمي، الذي دُعيَت إليه إبان دراستها الجامعية في القاهرة، سيصحبها نحو رحلة عمر طويلة تستعصي على الخيال في مواضع عدة.

كانت مها وكان ذلك الشاب، الأسمر طويل القامة، كث الشعر، القادم من قطاع غزة، كمال عدوان.. عدوان الذي سيصير بعد مضي أعوام من ذلك اللقاء خبراً عاجلاً تبثّه وكالات الأنباء العربية والعالمية، بعد أن كان هو من يقوم على البيانات الإعلامية والتصريحات الصحافية لفصيل فتح الذي ينتمي إليه.

سياج الأمان، الذي طوّق به كمال عائلته، لم يحمه ويحمهم من سيناريو دموي كان يُدبّر لهم في ليلة ظلماء.. “كان كما القنبلة الموقوتة التي تود أن تنفجر لتُحدث تغييرها المنشود في المنطقة. منذ عرفته وطاقة داخلية مسعورة ودوافع رهيبة تعتمل لديه. كان يترجمها جميعها في عمله السياسي كمفوّض للأرض المحتلة، إلى جانب دوره الإعلامي البارز في بيروت لكونه مفوضا للإعلام الثوري آنذاك”، تقول مها، مردفة “لو كانت الأمور تقاس بعدد السنين لما كان كمال قد أنجز شيئاً بعد؛ إذ رحل وهو لمّا يكمل الثامنة والثلاثين من عمره، لكن الكثير الكثير من الإنجازات كانت ممهورة بتوقيع كمال عدوان”.

ذلك الحماس المحموم حيال الإنجاز، وذلك التوق العارم لتكثيف الأحلام وحيثيات تحقيقها في مدة زمنية مختزلة، دفع كمال سريعا لتتويج ميله نحو مها، بالزواج منها في صيف العام 1965. ذلك الزواج الذي أثمر “دانة” في أيلول عام 1968 و”رامي” في نيسان عام 1970.

بقدر ما اتسمت تلك المرحلة بزخم عالٍ ومتسارع، كانت ثمة تفاصيل رقيقة أيضاً، بحسب مها. تقول “اتصل بي ذات مرة على هاتف بيت الطالبات، داعياً إياي للتمشي. يومها، أهداني مخطوط روايته التي عنونها بـ (إرهاب وراء الحدود)”، مكملة “مضت الأيام، وإذ بكمال يرسل لي من غربته في قطر رسالة يقول في مطلعها (عزيزي محمد) يشرح في متنها خطه النضالي ورؤيته لسيرورة الثورات ونمطية الأحزاب وديكتاتوريتها. طلب مني أن أقرأها بتمعن، وأن أحسم أمري بناء على ما ورد فيها”.

آتت سياسة الاغتيال أُكلها إذا ما قيست الأمور بالقضاء على جيل فذ من القياديين الفلسطينيين

سيناريو دموي

سياج الأمان، الذي طوّق به كمال عائلته، لم يحمه ويحمهم من سيناريو دموي كان يُدبّر لهم في ليلة ظلماء. تقول مها “لم يُشعرني يوماً بأي قلق أو ممارسات استخباراتية. كان بارعاً في التفكير عن نفسه وعن غيره، وكان محترفاً في إشعاري بالأمان؛ لذا ما كان يتبادر لذهني بأنّ شيئاً مما حصل سيكون، لا سيما وأن بيروت هي معقل فتح في ذلك الحين”.

حين تعود مها لذكريات الليالي التي سبقت العاشر من نيسان (أبريل) من العام 1973 تجد أنّ أمارات كثيرة كانت ترمز للاغتيال، بيد أن عدوان، بجثته ومحبته الهادرة لزوجته وطفليه، كان يبدد أي عارض قلق. تقول “كنت أرقب من شرفتي ساحة مدرسة الروضة الثانوية قُبيل اغتياله بساعات. أذكر أني ناديته مرارا كي يأتي لينظر لطفلة تشبه ابنتنا دانة حين تكبر. لا يمكن لي نسيان ثورة غضبه يومها وكيف صرخ بي أنه يريد رؤية دانة حين تكبر في الواقع، لا من خلال أطفال الغير”.

تسربلت بيروت بالسواد حداداً على كمال ورفيقيه، لثلاثة أيام متواصلة، بل لأشهر بقي فيها الناس والصحافيون يأمّون مكان الحادثة

ليست تلك الحادثة فحسب، وفقاً لمها تقول “كانت هنالك حقيبة أوراق مهمة، بقي كمال يلحّ عليّ طوال الأيام التي سبقت الحادثة أن أسلمها لمدير مكتبه أبي المنذر في حال حدوث أي شيء؛ مخافة أن تصل إليها الأيدي. وكان له ما أراد”، مضيفة بأن كمال، الذي لم يحدث أن أعار الأحلام اهتماماً يُذكر، جاء طالباً منها أن تُفسر له حلماً أزعجه. تقول “أخبرني بأنه شاهد ذاته عارياً على قمة جبل وبأن ثلاثة يتقدمون نحوه لقتله. أحدهم كان اسمه داوود. وكان يدفع بي بعيداً عنه في الحلم كي لا أتضرر”.

التفاصيل الآنفة تلك غدت وقائع، بحسب الجيوسي، التي تقول “حين باغَتَ القتلة كمال، كنت أنادي عليه من الغرفة كي يأتي ليتحقق مما أراه. كانت شظايا زجاج النافذة متناثرة فوق أغطيتنا. وَقَف قبالتي في الممر الضيق وبقي يومئ لي كي أبقى صامتة وألا أذرَ طفلينا وحدهما في الفراش. كان يتمتم (الله يستر)، حتى اخترقت جسده ثمان وخمسون رصاصة أردته شهيداً أمامي”.

تقول مها بأنها كانت تعاني في تلك الأيام من آلام في الأضراس واللثة، وبأن موعد إحدى حبّات المضاد الحيوي كان في الواحدة ليلا. ذهبت هي تحت وطأة الحمى والألم لسرير طفليها، فيما بقي كمال في غرفة الطعام ليكتب محاضرة للكوادر التنظيمية. نادته، بحسبها، لتسأله إن كان موعد الدواء قد جاء، فأجابها بأنه يتابع الوقت بالثانية. حين حانت ساعة الدواء، كانت ساعة كمال قد حانت هي الأخرى.

محض هلوسات

“ماجت الأرض بي حين رأيت جثة كمال تهوي تدريجياً أمامي، وهو يتمنطق الكلاشنكوف. وقوعه أحدث صوتاً. رأسه كان عند الحمام فيما قدماه عند غرفة النوم. حتى اللحظة ظننت أن ما أراه محض هلوسات بفعل الحرارة المرتفعة”، وفق مها التي تضيف “تقدّم مني رجلان ما زلت أذكر هيئة أحدهما جيداً. كان معتدل القوام بشعر أملس وجاكيت بني وبلوزة صفراء بياقة مرتفعة. سلّطوا الضوء على وجهي وطفليّ، وكنت أخبّئ رأسي بالغطاء وأقول بأني سيدة دعوني وشأني، وكنت أستنجد بأهلي الذين لم يكونوا حولي؛ إذ كانوا موزعين بين الأردن والبحرين”.

فهمت مها من فحوى التخابر الذي أجراه القتلة فوق رأسها، باللغة العبرية، أن هنالك تساؤلاً يدور بينهم حول ما إذا كان عليهم قتل المرأة والطفلين أيضاً. تقول “يبدو أنهم عدلوا عن الفكرة حين تأكدوا أن كمال جثة هامدة، وبأننا بلا حول ولا قوة. لم يكتفوا بقتله بل بقوا يركلون جسده المسجّى على الأرض، وكانوا يغنون أناشيد تشي بالنصر وهم خارجون من البيت”.

رامي: آتت سياسة الاغتيال أُكلها إذا ما قيست الأمور بالقضاء على جيل فذ من القياديين الفلسطينيين

وكأنما كان كمال، الذائع الصيت فيما يتعلق بحاسته السادسة واستشرافه لما سيأتي، يرسم بقلمه مشهد اغتياله. يقول في صفحات روايته عن اغتيال بطلها رياض “لم يعد يحس بهؤلاء أمامه حينما هوى على أصوات الرشاشات ويده تضغط على صدره من الألم لتستمع للدم المتدافع. وأحس بأحشائه تحترق وهو يضغط على نفسه”.

لم يكن دم كمال عدوان الدم الوحيد المُراق ليلتها في منطقة الفردان في بيروت. كان إلى جانبه اثنان من قادة فتح: كمال ناصر وأبو يوسف النجار. النجار، الذي بقيت مها تستنجد به طوال ليلة الاغتيال، والذي لم يهرع لصديقه كمال كما توقعت. تقول “جاءت خادمة مصرية تعمل لدينا إلى الغرفة التي ننام فيها وكانت قد قفزت عن جثة كمال. كانت تبكي وتولول (عمي على الأرض). بين الصحو والهذيان كنت. بدّلت ملابسي وملابس أطفالي وقمت لأستنجد بالنجار الذي يسكن قبالتنا”. تكمل “لم يأتِ. ولم أستوعب أنه اغتيل حتى حين كرّر تلامذة كمال، الذين هرعوا للبيت برغم محاولة الجيش اللبناني منعهم، قولهم بأن أبا يوسف النجار ينتظر كمال في سيارة الإسعاف. لشدة ما ناديت عليه ولمت عليه تأخره عن نجدة صديقه، صرخ أحد الفدائيين: يا إم رامي أبو يوسف استشهد”.

تلتقط مها أنفاسها المتسارعة، وتشعر بشيء من الراحة حين تذكر كيف “لقي كمال وجه ربه طاهراً وبهندامه الكامل؛ إذ كان يحرص على الاستحمام عند بدء الكتابة أو العصف الذهني ليلاً، كما أنه كان في انتظار رفاقه الأخوة هايل عبد الحميد وهاني الحسن ويحيى عاشور ليلتها”. توضح “في العادة كانت اجتماعات الكوادر في القيادة المركزية تجري بعد منتصف الليل، وحين اتصلت بالأخ هايل لأخبره بما حدث لصديقه بقي يقول أن هنالك ضيوفاً ثقلاء الظل حلوا عليه وبأنه قادم في الطريق. لم يلتقط عبارتي التي كررتها مراراً بأن كمال قد استشهد”. ردة الفعل ذاتها كانت لدى أبي المنذر وعائلة مها. عقدت الصدمة ألسنة الجميع. الشبيبة الذين أمّوا البيت كانوا يضربون رؤوسهم في الحائط، تقول مها، مكملة “حاولوا المستحيل لأسمح لهم بإخراج جثة كمال. كنت أسألهم: إلى أين تخرجونه؟”. حاول أحد أقرباء مها، الذين قدموا عقب الاغتيال مباشرة، ثنيها عن الوقوف على شرفة البيت الذي يقع في الطابق الثاني. عاندته، وخرجت لترى ما تدعو الله حتى الآن ألا يراه أي إنسان غيرها على وجه البسيطة. تقول “كانت الدنيا كميدان حرب. سيارات الإسعاف تملأ المكان. الشرطة والجيش في كل ركن، وجثث الشهداء تمضي لطريقها نحو الكارنتينا الواحدة تلو الأخرى. قتل الإسرائيليون ليلتها ستة عشر شهيدا دفعة واحدة”.

مقاضاة الجناة

تسربلت بيروت بالسواد حداداً على كمال ورفيقيه، لثلاثة أيام متواصلة، بل لأشهر بقي فيها الناس والصحافيون يأمّون مكان الحادثة. ملصقات صورهم وشعاراتهم كانت في كل مكان، كما رقصت نعوشهم على الأكفّ في الثاني عشر من نيسان (أبريل) 1973. تقول مها “من شدة ذهولي في ذلك الحين كنت أسأل من حولي عن هوية صاحب الصورة والقول. كنت أنظر لكمال في كل مكان وأتساءل أين رأيته وقرأت عبارته من قبل؟”.

مكبرات الصوت زلزلت سماء بيروت يومها، تقول مها، مكملة بأن أبرز النعوت التي قيلت عن كمال كانت “فيلسوف الثورة ومنظّرها وأستاذها”. تضيف “أمّت وفود حركات التحرر العالمية بيروت للتعزية بكمال ورفيقيه. كانوا يُفجعون حين يرون عمري وعمر طفليّ اللذين بقيا طوال تلك الأيام ينظران بعين ملؤها الدهشة من كل ما يحصل، واللذين كانا يأتيان بحركات جسدية غاضبة ومتشنجة طوال الوقت، كما لو أن وعيهما الغضّ يبكي على ما حصل”.

مقاضاة الجُناة ما تزال فكرة مجمدة حتى اللحظة، كما يقول رامي. يوضح “لم يملك العالم مقاضاة إسرائيل لاقترافها مجازر حصدت أرواح الآلاف كصبرا وشاتيلا ودير ياسين وغيرها كثر، كما أن مسألة كهذه لا بد أن تتم في بلد أجنبي وأن ترصَد لها مبالغ طائلة”.

رامي كمال عدوان

تقول مها “انشغلت طوال العقود الماضية بتدبّر أمور طفليّ. منذ ذلك الحين وأنا أنظر لقضية اغتيال كمال كقضية جماعية ستتولاها فتح، لا سيما وأن رفيقيه معه أيضاً. الشأن في قضيتنا عام”، مردفة “كما أن ثقافة المقاضاة كانت غير دارجة في ذلك الوقت. ولم تكن هنالك أدوات ووسائل اتصال وتسجيل كالموجودة الآن”.

رامي: والدي صاحب فكر مستنير وكان منظّراً ومثقفاً إلى جانب نشاطه الإعلامي والبحثي

يرى رامي بأنّ استهداف والده يتجاوز حدود كونه مفوض الأرض المحتلة. يقول “والدي صاحب فكر مستنير وكان منظّراً ومثقفاً إلى جانب نشاطه الإعلامي والبحثي. لوالدي رواية طويلة واثنتا عشرة رواية قصيرة لم تساعدنا الظروف على نشرها لوجودها حتى الآن في بيت عائلته في غزة ولتمزق صفحات منها”، مضيفاً “آتت سياسة الاغتيال أُكلها إذا ما قيست الأمور بالقضاء على جيل فذ من القياديين الفلسطينيين. ترمز هذه السياسة لحالة الإفلاس التي يعاني منها العدو، وفي الوقت ذاته تشي بحجم الاختراق الذي يمكن له تحقيقه في أي بلاد وليس في فلسطين فقط”.

في صورتين متباعدتين، يجسّد كمال حلمه ومخاوفه؛ إذ ثمة حقل ما يزال ينتظره في قرية “بربرة”، التي أبصر النور فيها. قال عنه ذات بوح “كل ما يهمني بعد انتصار ثورتنا أن أعود إلى رابية عالية، تعلو سهول بلدي، لأستريح في أحضان قرية بدأت منها وإليها سأنتهي.. كل الذي أريده يومها زوجتي وولدي وبيتي وحقل يمتد أمامي أشاغل به نفسي.. من يدري هل أستطيع أن أنتظر في هدوء إلى تلك اللحظة؟ من يدري لو انتظرت إلى يومها قد أستطيع أن أكمل بعض دوري وتكون الثورة بدأت وانتهت بي. رفعت أول شعار لها وقد أرفع آخر صوت للعقل فيها”.. وثمة خوف مما ستؤول إليه الثورة، التي قال عنها بقلق “كل الثورات في لحظاتها الاخيرة تفقد عقلها بشكل ينحر انتصارتها وينحر شعبا لها قدم فيها ليستريح بعدها

 

عن صفحة أدب الشتات على الفيس بوك

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: رشا سلامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *