كفّ جنين يُلاطم المخرز


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

ما كان للعنوان أعلاه، الفائض بالفخر والاعتزاز الوطني، أن يُروّس هذه المطالعة المزهوّة بملحمة مخيم جنين الثانية، لولا تلك المقابلة المسجّلة التي وقعتُ عليها بمحض المصادفة قبل أيام، على القناة 24 الإسرائيلية، مع قائد العدوان الوحشي على المخيّم نفسه قبل نحو عقدين، قال فيه أشياء لا تُصّدق عما جرى في تلك المعركة، التي تكاد تكون الوحيدة اللافتة في خضم عملية إعادة احتلال الضفة الغربية المحتلة عام 2002، لولا أن تلك الأقوال، وهي أكثر شهادةٍ يعتد بها، كونها صادرة عن عدوٍّ رأى بأمّ عينه، وقاد عملية الاقتحام، وها هو يعترف، بعد حين طويل، بمعجزة المخيم الذي نال بجدارة لقب عاصمة الصمود والمقاومة.
يومها أسقى هذا المخيم البطل، أو قل هذه القلعة الشامخة، جيش الاحتلال كؤوساً طافحاتٍ بالدم، وتحوّل منذ ذلك اليوم إلى أيقونة فلسطينية نادرة، غير أن الناس خارج المخيم لم يعلموا بما جرى من وقائع صمود أسطوري وقتالٍ من بيت إلى بيت، ووجهاً لوجه، إلا بعد انقضاء فترة غير قصيرة على انجلاء غبار تلك المعركة التي لم تسقط من الذاكرة المشتركة لطرفيها على خطوط المواجهة المتواصلة، لهول ما كابده المحتلّون من خسائر بشرية باهظة بالمعايير الإسرائيلية، ولعظمة ما أبداه الفلسطينيون من مقاومة تجلّ عن الوصف، وسطّره المخيم الصغير من مآثر كبيرة، أحسب أنها لا تزال مشبعة بحسّ المرارة هناك، وشعور بالزهو هنا.
أمران لافتان أدلى بهما الضابط الكبير المتقاعد، وهو يدير حالياً مكتب محاماة متخصّص في ملاحقة مطالب (وتعويضات) أولئك الجنود القتلى والمصابين بصدمات نفسية، باقية فيهم لشدّة ما قاسوه من كمائن قتل وخنادق صدّ في قلب المخيم الفقير، إلا من إرادة أبنائه الصناديد. الأول اعترافه (في معرض التعليق على المعركة التي جدّت أخيرا)، بأن من المستحيل (بالنصّ الحرفي) على الجيش الإسرائيلي المدجّج بكل صنوف الأسلحة الحديثة اقتحام قلب هذا المخيم الذي طبّق المثل المفعم بدلالاتٍ رمزيةٍ باذخة، مثل قوة التحمّل والصبر وصلابة الإرادة “كفّ يلاطم المخرز”، وهو لعمري، يا أخا العرب، اعترافٌ كان يمكن اعتباره مجرّد لغو وتهويل، لو أنه جاء على لسان مقاتلٍ فلسطينيٍّ خرج لتوّه من بين حطام بيوت رافعاً إصبعي يده بعلامة النصر.
الأمر الثاني اللافت حقاً في أقوال الضابط الإسرائيلي المتقاعد تحسّره، ويا للمفارقة الفارقة، على غياب الإعلام عن وقائع تلك المعركة الطويلة الدامية التي قادها بنفسه، وبالتالي، حرمان جنوده، الذين رأوا النجوم في عزّ دين الظهر داخل مخيّم جنين، من التغطيات الإخبارية الكافية لنقل آلامهم ساعةً بساعة إلى ذويهم في المقام الأول، وإلى الرأي العام في ما بعد، ومن ثمّة جلاء الصورة من كل جوانبها، واستنباط العبر والدروس الثمينة منها، أي على العكس تماماً مما كان عليه الحال خلال العدوان أخيرا، حيث حظي الغزاة والمقاومون، على حد سواء، بمتابعاتٍ إعلامية مكثفة أولاً بأول على مدار الخمسين ساعة، التي استغرقتها عملية اقتحام المخيم والانسحاب منه تحت نار المقاومة.
وأحسب ان تحسّر قائد الاقتحام الأول لمخيم جنين على افتقار قواته التغطية الإعلامية آنذاك نابع من حسابات ذاتية على الأرجح، قاصرة عن إدراك تداعيات الحرب الوحشية ضد المدنيين العزّل، على صورة الجيوش النظامية، وربما عن قلّة وعي فادح بمضاعفات هدم المنازل على رؤوس أصحابها، ومن ثمّة صعوبة تسويغ إرهاب الدولة المنظّم للرأي العام الدولي، الذي ضاق ذرعاً بكل هذه الاستهانة بحياة الآدميين، وهذه الجرائم المروّعة التي يقارفها المحتلون المذعورون من الحساب المؤجّل، ولو بعد حينٍ قد لا يطول، فيما تبدو التغطيات الإعلامية بمثابة واحدٍ من الأسلحة القليلة المتبقية بين أيدي المقاومين.
بالحسابات العسكرية المجرّدة من كل اعتبار سياسي أو أخلاقي، يكون مخيّم جنين قد دفع ثمناً باهظاً من حيوات بناته وأبنائه، وفقد جزءاً عزيزاً من بيوت ناسه، إلا أنه، إن لم يكن قد انتصر على قوّة عسكرية متفوّقة بالعتاد والعدّة، فإنه لم يخسر المعركة رغم هذه الكلفة البشرية والعمرانية الفادحة، وإنه على أقل تقدير أفشل العدو مرّة أخرى، وفوّت عليه تحقيق أيٍّ من أهدافه المعلنة، وفي مقدمتها هدف القضاء على ما يسمّيها الاحتلال بؤرة المقاومة وملاذها في الضفة الغربية. وفوق ذلك تجلّى لنا هذا المخيم في صورة كفٍّ عاريةٍ تلاطم مخرز الاحتلال، ولا يصرُخ صاحبها من الألم مطلقاً.

عن العربي الجديد

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: عيسى الشعيبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *