كتيب السياسات الإسرائيلية الراهنة إزاء الضفة الغربية: جرس الإنذار يُقرع، فهل مَن يسمع؟


يجدر بكل فلسطيني وعربي ومهتم بالشأن الفلسطيني والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني قراءة كتيب “السياسات الإسرائيلية الراهنة في الضفة الغربية: تطهير عرقي تمهيداً للحسم وفرض الضم”. ويلخص العنوان بحد ذاته جوهر الكتاب، ويشير إلى الخطر المحدق القريب؛ فبعد تدمير قطاع غزة وتشريد أهله، يوشك الفلسطينيون على خسارة الضفة الغربية أيضاً خلال فترة زمنية غير بعيدة إذا استمرت المخططات الإسرائيلية التي تقوم بها حكومة اليمين الإسرائيلي الحالية برئاسة بنيامين نتنياهو، التي تستولي على مزيد من الأراضي الفلسطينية عبر إصدار القوانين والقرارات التي تشرعن العنف والمحو والإبادة، وتحمي عنف المستوطنين وأعمال البلطجة التي يمارسونها ضد الفلسطينيين، وعمليات توسيع المستوطنات القائمة وزيارة البؤر الاستيطانية والبؤر الرعوية، عبر نهب أراضي الفلسطينين وتهجيرهم ودفعهم إلى الرحيل، وكل ذلك في ظل دعم علني من أحزاب اليمين القومي المسياني وممثليه في الحكومة الإسرائيلية الحالية وتأييد ضمني من الجيش والشرطة والشاباك.
من يقرأ الكتيب يرتسم أمامه المشهد بكل فظاعته وعنفه، فنحن أمام نكبة جديدة ترتكبها إسرائيل، وعملية تهجير جماعي للفلسطينيين عبر أعنف عملية تطهير عرقي يشهدها القرن الحادي والعشرين والأبشع بين غيرها. وفي ظل حرب الإبادة على غزة، والحرب على إيران ولبنان، تنفذ إسرائيل خططاً جهنمية لتشريد الشعب الفلسطيني من مدنه وقراه وبلدته تحت أنظار العالم وصمته المريب.
إن قراءة الكتيب هي دعوة إلى اليقظة والعمل من أجل وقف هذا المخطط الجهنمي الذي تنفذه إسرائيل كحلقة من سلسلة حلقات القضاء على الوجود الفلسطيني في أرض فلسطين. وما يجري في الضفة الغربية هو إنشاء لواقع جيوسياسي جديد يقوم على تفريغ الضفة من أهلها، وزرعها مستوطنات ومزارع يهودية. إنها أكبر عملية تزوير للتاريخ وتحوير للحقائق تشارك فيها كل أجهزة الدولة، وتتوطأ معها الأحزاب الإسرائيلية كلها من كل المعسكرات، والأخطر أن الجمهور الإسرائيلي نفسه ينقسم بين غير مبالٍ بما يجري، وبين مَن يعرف ولا يحتجُّ، وآخرين يدعمون عملية ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل من دون خجل، ويعتقدون أنه زمن تحقيق النبؤات، ولا سيما حلم إسرائيل الكبرى والقضاء نهائياً على فكرة الدولة الفلسطينية.
لقد بدأ العمل على هذا الكتيب منذ أكثر من عام ونصف العام بطلب من مدير عام المؤسسة خالد فراج الذي استشعر في وقت مبكر من حرب غزة الخطر المحدق بالضفة الغربية، فطلب من الزميل عصمت منصور إعداد الكتيب. وقد مر العمل بعدة مراحل قبل أن يأخذ الزميل أنطوان شلحت مسؤولية الإعداد النهائية، فعمل على تحديث المواد وترجمة المطلوب وإضافتها إلى المادة التي جمعها وترجمها عصمت، وقام بتوزيعها على فصول وتبوبيها. لكن الأهم هو المقدمة المهمة التي كتبها، والتي يمكن اعتبارها دليلاً للقارئ لفهم ما يجري اليوم في الضفة، وكي يرى الخطر المحدق بمستقبل الفلسطينيين هناك.
في هذه المقدمة، يقوم شلحت بتشريح عنف المستوطنين، ويتابع الغوص في تفاصيل عملية “الضم الزاحف” التي يقومون بها، والتي تعتمد على سياسة التهجير وإقامة بؤر استيطانية بالقرب من التجمعات الفلسطينية، والإساءة إلى الفلسطينيين ومضايقتهم ودفعهم إلى الرحيل.
كما يتحدث شلحت عن “مأسسة الضم” عن طريق القوانين التي أصدرتها الحكومة الحالية، وخصوصاً القانون الذي ألغى بنوداً في قانون فك الارتباط عن غزة، وأجاز إقامة 4 مستوطنات في شمال الضفة أُخليت بموجب هذا القانون الذي صدر سنة 2005، بالإضافة إلى مصادقة الحكومة سنة 2025 على خطط البناء في المنطقة “E1″، وأخيراً القرار الذي اتخذه المجلس الوزاري المصغر الكابينيت في شباط/فبراير 2026، القاضي بإلغاء القانون الذي يحظر بيع الأراضي في الضفة إلى اليهود، ونقل صلاحيات البناء في الحي اليهودي والحرم الإبراهيمي الشريف وأماكن أُخرى من بلدية الخليل الفلسطينية إلى مؤسسات التخطيط التابعة للإدارة المدنية، وإلغاء التصاريح الخاصة المفروضة على اليهود.
كما يستعرض شلحت خطة الحسم لسموتريتش، والتي تهدف إلى القضاء على “الأمل الفلسطيني بقيام دولة فلسطينية” و”إنهاء” الصراع بدلاً من إدارته، والتغيير الجوهري للضفة الغربية وصولاً إلى “أرض أكثر وفلسطينيين أقل”.
وفي الواقع، تشكل هذه المقدمة تكثيفاً وتلخيصاً دقيقاً للسياسات الإسرائيلية الراهنة في الضفة الغربية، والتي يدعونا معدَّا الكتيب إلى التعرف عليها عن كثب عبر أقسامه الخمسة؛ بدءاً من الفصل الأول، الذي يعرض التحولات في السياسة الإسرائيلية إزاء الضفة، ولا سيما خطط التطهير العرقي وخطط الضم، وإرهاب المستوطنين، مروراً بالفصل المتعلق بالأهداف الأمنية لخطط الضم والسياسات الاقتصادية. أمَّا الفصلان الأخيران، فمخصصان للوقائع الميدانية.
ولا تقتصر أهمية المادة التي احتواها الكتيب على كونها مأخوذة من أهم مراكز الأبحاث والدراسات في إسرائيل (كمعهد دراسات الأمن القومي)، بل أيضاً تُعَرِّفُنَا على الجهد التوثيقي الذي تقوم به منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان الإسرائلية، كـ “يش دين” وبتسيلم وحركة السلام الآن وموقع “شومريم” (مركز الديمقراطية والصحافة الاستقصائية)، والتي تعمل على تقصّي الحقائق على الأرض وملاحقتها ومتابعتها على أكثر من صعيد، بالإضافة إلى الدور الذي أدته التحقيقات الاستقصائية التي تقوم بها صحيفة “هآرتس” في متابعة عنف المستوطنين وتوسع الاستيطان.
وتطلق مؤسسة الدراسات الفلصسطينية عبر هذا الكتيب صرخة تحذير وإنذار ودعوة إلى اليقظة والتحرك قبل فوات الأوان، فهل مَن يستجيب؟
عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية