كاتس يعلن موت أوسلو ، والضم يلبس بزة الشرطة


لم يكن قرار وزير جيش الاحتلال ، يسرائيل كاتس نقل صلاحيات تطبيق القانون في “القضايا المدنية” المتعلقة بالمستوطنين في الضفة الغربية من الجيش (الإدارة المدنية) إلى شرطة إسرائيل ، مجرد تغيير في سلسلة القيادة أو نقل صلاحيات بين أذرع الاحتلال . بل كان في جوهره ، إعلاناً رسمياً بتجريد اتفاقية أوسلو من آخر معانيها ، وتحويل الضفة الغربية إلى ساحة اختبار لنموذج احتلالي جديد : بحيث يتولى جيش الاحتلال مهمة “مكافحة الإرهاب الفلسطيني كما يقول وحماية المستوطنات والحدود” ، بينما تتولى الشرطة التعامل مع الشؤون المدنية والأمن الداخلي للمستوطنين .
وهذا يعني بكل بساطة أن الفلسطيني أصبح في بلده وعلى أرضه تحت إدارة شرطة الاحتلال ، وجيش الاحتلال ، دون أي أفق سياسي .
أولاً : الضم عبر الباب الخلفي :
يعرف كاتس أن الضم الرسمي سيواجه فيتو أميركي وأوروبي ، ولذلك اختار طريقاً أكثر دهاءً : ضم الصلاحيات المدنية عبر الشرطة . فالشرطة الإسرائيلية ، على عكس الجيش ، ليست ملزمة بقوانين الاحتلال العسكري (كأوامر عسكرية مؤقتة)، بل بقوانين إسرائيل الداخلية. وعندما تطبق الشرطة قانون إسرائيل في الضفة ، فهذا يعني أن الضفة أصبحت عملياً امتداداً لمدن إسرائيلية ، دون حاجة إلى علم أو قرار من مجلس الأمن .
ثانياً : السلطة الفلسطينية على قائمة الانتظار :
بتجاهل القرار لتصنيف مناطق (A) و (B) يعلن كاتس أن السلطة الفلسطينية لم تعد شريكاً في الإدارة ، بل مجرد “مزود أمن” يتعامل مع الجيش في قضايا “الإرهاب الفلسطيني ” كما يسميها ، بينما تمسك إسرائيل بكل مفاصل الحياة : التخطيط ، البناء ، الترخيص ، البنية التحتية . وهذا بمثابة الموت البطيء للسلطة الفلسطينية ، وتحويلها إلى أداة لحماية الاحتلال من مقاومة الشعب الفلسطيني ، لا إلى نواة دولة .
ثالثاً: صراع اليمين الإسرائيلي يخدم المخطط :
المشهد الداخلي في إسرائيل المتمثل بتصارع سموتريتش (الاستيطان) وكاتس (الأمن)، لن يوقف هذا التوجه ، بل سيزيده سرعة . لأن كليهما يتفق على الهدف : إحكام السيطرة الشاملة على الضفة الغربية ، والخلاف بينهم هو فقط حول من يمسك العصا . وهذا الصراع يصب في النهاية ضد الحق الفلسطيني ، لأنه يزيح النقاب عن أي وهم بوجود نية لإقامة دولة دولة فلسطينية .
رابعاً: ما يريده الاحتلال من هذا القرار :
تطبيق القرار الآن هو ليس الهدف ، بل خلق واقع جديد يمكن استخدامه لاحقاً . فحتى لو بقي القرار تصريحياً اليوم، فإنه سيزرع بذرة أن الضفة الغربية هي “منطقة إسرائيلية مدنية” في الوعي المحلي والدولي . وهو يختبر ردود الفعل : إن سكت العالم ، مضى قدماً وإن اعترض جمّده مؤقتاً لكنه سيظل ورقة ضغط مستقبلية .
المطلوب فلسطينياً حالياً :
هذا القرار هو ليس قرار إداري ، بل هو انقلاب على أسس التسوية ، ويجب قراءته كدعوة مفتوحة لإنهاء كل أشكال التنسيق الأمني والمدني مع الاحتلال . والرد عليه لا يتمثل بتعديلات إدارية ، بل بكسر منطق “الإدارة” بكامله ، والعودة إلى المطالبة بإنهاء الاحتلال ، لا بتجميل أدواته . وعلى المجتمع الدولي أن يفهم أن إسرائيل لا تريد أوسلو 2 ، بل تريد أوسلو دون فلسطينيين .
ما العمل؟ :
هذا القرار هو انقلاب على أسس التسوية، ويضع السلطة الفلسطينية أمام اختبار حقيقي . الرد عليه لا يمكن أن يكون بتصريحات استنكارية عابرة ، بل بخطوات عملية تعيد تعريف العلاقة مع الاحتلال :
- . وقف فوري للتنسيق الأمني والمدني مع إسرائيل، لأن استمراره يعني المشاركة في تطبيق هذا المخطط ، خاصة في مناطق (أ) و (ب) التي يُفترض أنها تحت السيادة الفلسطينية .
- . إعادة طرح ملف الضفة في مجلس الأمن كقضية ضم غير مباشر ، مع طلب تقرير قانوني دولي يجرّم نقل الصلاحيات المدنية لشرطة دولة محتلة .
- . تفعيل العمل الشعبي والمقاومة السلمية في المناطق المستهدفة ، عبر رفع رايات الدولة الفلسطينية وإقامة هياكل إدارية موازية تُظهر رفض الاعتراف بشرعية هذا القرار .
- دعوة الفصائل الوطنية لاجتماع طارئ لوضع استراتيجية موحدة، لأن هذا القرار يستهدف الكل الفلسطيني ، وليس حركة بعينها.
- . اللجوء للمحكمة الجنائية الدولية بملف جديد يركز على “جريمة الضم التدريجي” و”نقل سلطات الاحتلال إلى أطراف مدنية”، وهو ما يعد تغييراً في طبيعة الاحتلال يستوجب المحاسبة .
أما التصريحات الإعلامية وحدها ، فلم ولن تردع احتلالاً يقرأ ضعفنا أكثر مما يقرأ قراراته . المطلوب اليوم هو فعل سياسي وقانوني وميداني متزامن ، يثبت أن الفلسطينيين بالاساس ليس فقط شركاء في الأرض بل هم اصحاب الارض ، وليسوا مجرد إداريين في أوسلو يُعاد توزيع صلاحياتهم بين جيش وشرطة احتلاليين .