قلب الأدوار: كيف تسعى إسرائيل لدفع الفلسطينيين إلى المواجهة؟

في خطوة نادرة وغير مسبوقة منذ عام 2002، طلب رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ، خلال زيارته المفاجئة لمقر القيادة المركزية في القدس ( المقر الرئيسي للعمليات العسكرية في الضفة الغربية والقدس . وهذه القيادة هي المسؤولة عن جميع الوحدات الإسرائيلية المنتشرة في الضفة الغربية والقدس ومنطقة غوش دان “تل أبيب الكبرى” ) ، الاطلاع على خطة جيش الاحتلال لسيناريو “قلب الأدوار” . هذا السيناريو ، الذي يتصور تحول أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية من شريك في التنسيق الأمني إلى طرف في القتال ضد إسرائيل، لا يُقرأ كمجرد إجراء أمني استباقي ، بل كوجهة تسعى إليها الحكومة الإسرائيلية.
- _ ماذا يعني “سيناريو قلب الأدوار”؟
هو توقع أمني إسرائيلي يفيد بأن أجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية (كالأمن الوقائي والمخابرات العامة) قد تنقلب على التنسيق الأمني مع إسرائيل ، وتقرر المشاركة بشكل فعال في مواجهة جيش الاحتلال الذي يدعم ممارسات المستوطنين . وهذا لم يحدث بهذا الشكل منذ عملية “السور الواقي” عام ٢٠٠٢، حيث كانت المواجهة مقتصرة على فصائل ومجموعات مسلحة ، وليست أجهزة رسمية تابعة للسلطة . - _ لماذا يعتبر طلب نتنياهو لهذه الخطة “غير بريء”؟
طلب رئيس الحكومة نتنياهو الاطلاع على خطة سيناريو محتمل كهذا لا يُقرأ كإجراء روتيني ، بل كمؤشر على نية مبيتة ، وذلك للأسباب التالية:
الدوافع المحتملة :
أ – اختبار الجاهزية للتوسع العسكري :
قد يكون الهدف تجهيز الجيش لسيناريو يسمح باجتياح موسع للمدن الفلسطينية بحجة تفكيك “خلايا أمنية” تابعة للسلطة الوطنية .
ب – إضعاف السلطة الفلسطينية :
دفع السلطة إلى موقف دفاعي يبرر تجريدها من صلاحياتها أو حتى حلها، وهو حلم قديم لأجنحة اليمين الإسرائيلي .
ج – توجيه رسالة سياسية:
إعلام الفلسطينيين والعالم بأن إسرائيل لم تعد تعتبر السلطة شريكاً، بل عدواً محتملاً .
د – قلب استطلاعات الرأي العام :
في أزمة نتنياهو السياسية ، قد يلجأ إلى تصعيد أمني لتحسين صورته كـ”حامي إسرائيل”. - _ لماذا هو “تصعيد جديد” وليس إجراءً أمنياً ؟
الفرق الجوهري أن الطلب لا يتعلق بمواجهة تهديد قائم ، بل بالاستعداد لسيناريو افتراضي يمكن أن يصبح واقعاً نتيجة استفزازات متعمدة . فبدلاً من العمل على تهدئة الأوضاع ، تسعى حكومة نتنياهو لاستباق سيناريو دراماتيكي ، وكأنها ترغب في دفعه نحو الحدوث . - _ الربط بين الطلب وسياسة المستوطنين :
يتكامل هذا الطلب مع سياسة ميدانية أخرى تتمثل في التغاضي عن عنف المستوطنين ، بل وتشجيعهم ضمنياً . فكلما زاد الاستيطان وزاد عنف المستوطنين ، زادت احتمالية ردود فعل فلسطينية عنيفة ، مما قد يجر أجهزة السلطة إلى صراع غير مرغوب فيه . وهنا يصبح سيناريو “قلب الأدوار” أقرب إلى تحقيق الذات .
وباختصار يمكن القول بأن نتنياهو ، بطلبه هذا السيناريو ، لا يسعى لحماية إسرائيل من تهديد قائم ، بل يمهد الطريق لمواجهة أوسع يتطلع إليها ، لأنها تخدم أهدافه السياسية : إضعاف السلطة الفلسطينية ، وإجهاض أي أفق سياسي، وإعادة رسم خريطة الضفة وفق رؤية اليمين المتطرف .
كيف تسعى إسرائيل للوصول إلى “قلب الأدوار”؟
المسار الذي ترسمه السياسة الإسرائيلية الحالية لا يقتصر على الاستعداد لسيناريو افتراضي، بل يمهد له فعلياً من خلال عدة محاور متكاملة:
أولاً: التضييق الممنهج :
تعمل إسرائيل على تضييق الخناق على الفلسطينيين في الضفة عبر نظام حواجز هو الأكثر تشدداً منذ عقدين، مع أكثر من 925 عائقاً للحركة، وإجراءات فصل عنصري بين نظام حركة للمستوطنين وآخر للفلسطينيين . هذا التضييق يخلق بيئة من اليأس والغضب تجعل أي انفجار أمراً مرجحاً.
ثانياً: التحريض على عنف المستوطنين :
التغاضي عن عنف المستوطنين ، بل وتوفير الحماية لهم ، يشكل رافعة أساسية لدفع الفلسطينيين نحو ردود فعل عنيفة . فكلما زادت اعتداءات المستوطنين ، زادت احتمالية ردود الفعل الفلسطينية ، مما يجر أجهزة السلطة إلى صراع غير مرغوب فيه .
ثالثاً : سياسة التصعيد المتعمد :
طلب خطة “قلب الأدوار” يبدو أشبه برغبة في دفع الفلسطينيين نحو هذا السيناريو ، وليس مجرد الاستعداد له . إنها محاولة لخلق واقع جديد في الضفة يسمح لإسرائيل بإعادة تعريف طبيعة الصراع ، وإضعاف السلطة الفلسطينية، وربما تجريدها من أي شرعية سياسية.
أبعاد السعي إلى قلب الأدوار :
البعد السياسي :
بالنسبة لنتنياهو ، قد تكون هذه المغامرة ورقة رابحة في لعبة البقاء السياسي ، حيث يمكن لتصعيد أمني أن يحسن صورته كقائد قوي ، ويعيد إليه الجمهور الذي بدأ يتسرب .
البعد الاستراتيجي : إسرائيل تسعى إلى إضعاف السلطة الفلسطينية ودفعها إلى الزاوية، وصولاً إلى حلها أو إسقاطها. تحويل أجهزة السلطة إلى طرف في القتال سيسهل وصفها بـ”منظمة إرهابية” وتبرير إنهاء أي التزام سياسي تجاهها.
البعد الميداني : عبر تفكيك الضفة إلى جزر معزولة ، وإضعاف الاقتصاد الفلسطيني ، وإشعال التوترات ، تمهد إسرائيل لسيناريو لا يمكن فيه العودة إلى حل الدولتين .
تحذيرات الجيش ، والجهات التي لا تسمع :
المفارقة الأكثر إثارة للقلق هي أن الجيش الإسرائيلي نفسه يحذر من أن سياسات الحكومة قد تؤدي إلى ما تسعى إليه . ففي جلسات مغلقة ، حذر كبار الضباط من أن عنف المستوطنين والتضييق على الفلسطينيين قد يجران الفلسطينيين العاديين إلى مقاومة مسلحة ، مما قد يحقق سيناريو “قلب الأدوار” دون حاجة إلى تخطيط مسبق.
هنا تكمن المفارقة: الحكومة تسعى لتحقيق سيناريو يحذر منه جيشها، وكأنها تريد استباقه أو فرضه.
ومن خلال القراءة المتأنية للاعلام الاسرائيلي يتضح أن السياسة الإسرائيلية الحالية لا تسعى إلى حل ، بل تسعى إلى إدارة الصراع بطريقة تجعل أي حل مستحيلاً . “قلب الأدوار” ليس مجرد خطة عسكرية ، بل هو تجسيد لرغبة سياسية في إعادة تعريف الصراع ، وإضعاف أي طرف فلسطيني يمكن أن يكون شريكاً في السلام .
في النهاية، لم يعد السؤال عن “إلى أين تتجه هذه السياسة ؟ ” ، بل عن ” متى سينفجر الواقع في وجوه صانعيه” ؟ . فالمسار الحالي ليس مجرد انزلاق نحو التدهور ، بل هو سباق محموم نحو الهاوية ، تدفعه أيادٍ تعرف تماماً ما تفعل . والجيش الإسرائيلي ، الذي يرى عن كثب بوادر الاشتعال ، لم يعد يحذر فقط ، بل يقرع أجراس الخطر بصوت مرتفع : الضفة على شفير انفجار لا يمكن السيطرة عليه . وحين تشتعل النار _ ولن تتأخر طويلاً _ لن يكون هناك من يغسل يديه ، فالجميع سيحترقون بنيران السياسة التي أُشعلت اليوم ، والجميع سيدفعون ثمن غطرسة من ظنوا أنهم يستطيعون اللعب بالنار دون أن تحرقهم .