قضية فلسطين وتصريحات الأميرين السعوديين: بن فرحان وبن سلطان

أثارت تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (السبت الماضي) بأن “القادة الفلسطينيون صادقون برغبتهم في تحقيق الأفضل لشعبهم” اهتمام المراقبين، سيما اعتباره أن الآراء التي أدلى بها الأمير بندر بن سلطان والتي هاجم فيها القيادة الفلسطينية في برنامج وثائقي انتجته قناة العربية مجرد “رأي شخصي” ولا تعبر عن الموقف الرسمي للملكة العربية السعودية. وكان غرّد الأمير بن فرحان قبل ذلك (في سبتمبر الماضي)، تعليقاً على سماح المملكة لطائرة العال الإسرائيلية عبور اجوائها وهي في طريقها الى الإمارات، قائلاً: “مواقف المملكة الثابتة والراسخة تجاه القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني لن تتغير بالسماح بعبور أجواء المملكة للرحلات الجوية القادمة لدولة الإمارات العربية المتحدة والمغادرة منها إلى كافة الدول.” هكذا، فإن اهتمام المراقبين ينصب على محاولتهم فهم تلك التصريحات، وما إذا كانت تعني أن المملكة باتت تنأى بنفسها عن موجة التطبيع التي أضحت تجتاح ما كان يعرف بدول “الاعتدال العربي” وتتمسك بالخط السياسي التقليدي لها الداعم للقضية الفلسطينية، أم الحقيقة أن ثمة وراء الأكمة ما وراءها؟

والحال ففي ظل غياب معلومات مؤكدة حول الاتجاه الذي تأخذه التصريحات السعودية المتناقضة فيما يخص الملف الفلسطيني فإن من الممكن استشفاف مجموعة من الدلالات من منها، أهمها: اولاً، محاولة المملكة تمييز نفسها عن موجة التطبيع الحالي اذ لا يمكن للرياض أن تكون ملحقة بجولات تطبيعية سودانية بحرينية إماراتية، فهي أي السعودية إذا أرادت أن تطبّع فذلك وفقا لطقوس خاصة بها وليس وفقا لطقوس الآخرين. وهذا يقود الى الاستنتاج الثاني وهو أن ثمن التطبيع السعودي كبير، وهذا أمر مفهوم بسبب تميزها وأهمية تطبيعها، تبعا لمكانتها. ثالثاً، لن يكون هناك تطبيع سعودي-إسرائيلي قبل الانتخابات الأمريكية، فثمن التطبيع الحالي قد تم استنفاذه من الدول التي سبقتها إلى ذلك، وبالتالي لم يعد هناك إنجازات جديدة يمكن تحقيقها من تطبيع سعودي وشيك، لذا فقد أصبح المطلوب سعوديا، ربما، مكافأة من نوع جديد للدول المطبعة ويكمن ذلك في المعادلة السياسية التي ستسفر عنها الانتخابات الأمريكية، والتي قد تختلف جوهرياً عما يعايشه العالم العربي في الوقت الراهن من سياسات ترامبية، خصوصاً إن أسفرت الانتخابات عن فوز المرشح الديمقراطي جوزيف بايدن.

ومهما كان الأمر فإنه يمكن القول بأن التصريحات السعودية الحالية من المستبعد أن تكون معبرة فعلاً عن الموقف السعودي التقليدي المبني على مبادرة “السلام العربية”، والذي يشترط اتفاق سلام فلسطيني-إسرائيلي قبل أن يحدث تطبيعاً سعودياً مع تل أبيب، لأسباب متعددة، أهمها: وجود حملة منظمة سعودية تتنصل من التزامات الرياض التاريخية تجاه القضية، لا بل وصلت بعض المواقف فيها ما يمكن تسميته “نزع الشرعية السعودية” عن القيادة الفلسطينية كما حدث في هجوم الأمير بندر العنيف على القيادة الفلسطينية في ثلاث حلقات وثائقية من قبل قناة إعلامية سعودية رئيسية، حيث استغرق ذلك مرحلة من الاعداد والتحضير لها، أي أن ما حصل لم يحدث بمجرد تصريح عابر يمكن أن يتم تحريفه من وسائل إعلامية “مغرضة.” ما يعزز مثل هذه القراءة هو طبيعة النظام السياسي الذي تحدث فيه تلك التفاعلات وهو نظام معروف بمركزيته الشديدة، بمعنى أنه لا يوجد فيه عفوية أو آراء شخصية، أي أنه من غير الممكن أن يخرج أي تصريح، مهما كان صغيراً، ما لم يكن هناك ضوءاً شديد الاخضرار يسمح له بذلك. فلو صدرت مثل هذه التصريحات من نظام سياسي ليبرالي غير مركزي، كما في كندا مثلاً، لفهمت تلك التصريحات على أنها تمثل فعلاً مطلقها ولا يمكن لها أن تخرج عن هذا الإطار. وأكثر من ذلك فإن ما صدر عن المملكة تجاه القضية الفلسطينية لم يقتصر على تصريحات الأمير بندر، بل فثمة حملة منظمة يشترك فيها الاعلام الرسمي والمغردون وقادة الرأي وغير ذلك، لذا لا يمكن تخيل أن كل ذلك يجري دون الضوء الأخضر الرسمي، وبالنهاية فإن بندر لا ينطق عن الهوى.

وبعودة الى تصريحات الأمير بن فرحان فمن المحتمل أن تكون عبارة عن تهيئة لمفاوضات معقدة مع ساكن البيت الأبيض بعد الانتخابات الامريكية المقبلة. ليس سراً أن جوزيف بايدن سينتهج سياسة صقورية تجاه الرياض إن فاز في الانتخابات، فقد توعد أكثر من مرة بإعادة فتح “ملف خاشقجي” بالإضافة لملفات أخرى مرتبطة بقضايا حقوق إنسان وحرب اليمن وغيرها الكثير. من جهة أخرى فهناك اليسار الراديكالي المتمثل ببيرني ساندرز واليزابيث وورن المرشحان المنافسان السابقان لجو بايدن والذي يهمه بقائهم لجانبه ليحافظ على حزب ديمقراطي موحد. فمن المعلوم أن تلك القيادات تأخذ موقفاً متشدداً ضد القيادة السعودية وهذا سيزيد من تعقيد التفاهمات السعودية مع بيت ابيض يسكنه جوزيف بايدن ويلتف حوله قيادات مثل سنادرز وورن.

في ظل هذا المهمة شديدة الصعوبة بالنسبة للملكة ستكون الرياض بأمس الحاجة للورقة الفلسطينية والعلاقة مع إسرائيل للتفاوض مع جوزيف بايدن الذي يعرف نفسه بعبارة “لست بالضرورة ان تكون يهودياً لتكون صهيونياً” بمعنى آخر فإن جو بايدن المتشدد تجاه الرياض هو نفسه الذي تحتل إسرائيل المنطقة الرخوة في قلبه وعقله. ومن هنا، ربما، يأتي التشدد السعودي الرسمي تجاه القضية الفلسطينية والتطبيع مع إسرائيل، في الوقت الراهن فهي الورقة التي ستمكنها من الوصول الى قلب بايدن في مفاوضات مستقبلية معقدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *