قصة المؤرخ الفلسطيني الراحل محمد عزة دروزة وكفاح شعب

يلحظ المتابع لسيرة المؤرخ الفلسطيني الراحل محمد عزة دروزة، أنه أرخّ لاتجاهات تطور الحركة الوطنية الفلسطينية خلال القرن العشرين. ويستطيع القارئ لمذكرات دروزة استحضار التاريخ الكفاحي الوطني للشعب الفلسطيني منذ انعقاد المؤتمر الصهيوني الأول في نهاية شهر آب/ أغسطس من عام 1897م في مدينة بازل بسويسرا، مروراً باحتلال فلسطين وإنشاء إسرائيل ونكبة الفلسطينيين الكبرى عام 1948، فضلاً عن نكسة حزيران/ يونيو 67، وصولاً إلى انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة في الفاتح من كانون ثاني/ يناير 1965.

كفاحه الوطني

ولد المفكر والكاتب والمناضل القومي محمد عزة بن عبد الهادي دَرْوَزَة في مدينة نابلس الفلسطينية في 21 حزيران/ يونيو من عام 1887؛ وتوفي في 26 تموز/ يوليو من 1984 في العاصمة السورية دمشق. وقد قاد دروزة العديد من النشاطات المناهضة للانتداب البريطاني على فلسطين وسياسة تقسيم الأراضي العربية، ودعا إلى توحيد سوريا ومصر في خمسينيات القرن العشرين، هذا جنباً إلى جنب مع نضاله الدؤوب ضمن الحركة الوطنية الفلسطينية خلال النصف الأول من القرن العشرين؛ وكان دروزة أحد قادة ثورة فلسطين في سنة 1936 التي دعت إلى إضراب عام انتهى بثورة شعبية عارمة ضد الانتداب البريطاني. وكان أيضًا من بين الذين طالبوا باعتماد إسم سوريا الجنوبية لمنطقة الانتداب البريطاني في بلاد الشام بدلا من إسم فلسطين الذي أصر عليه الإنجليز وفرضوه على العرب.

كان على رأس المقاومين للسياسة البريطانية ومشاريعها المختلفة، فقام مع رفاقه بحركة مقاطعة الدستور وانتخاب مجلس تشريعي مغلول اليد؛ الأمر الذي ترتب عنه وأد الفكرة وقتلها في مهدها،

وتعتبر مذكرات دروزة خمسة وتسعون عاماً في الحياة (1888- 1982) من أغنى الوثائق بمادتها العلمية والتاريخية، وقد صدرت بعد وفاته بسنوات عن عدة دور نشر ومؤسسة، ومنها دار الغرب الإسلامي في بيروت، 1993م، وفيها تفاصيل حضارية للبيئة والمجتمع والحياة والطبيعة في فلسطين، إضافة للأحداث السياسية التي رافقت الانتداب الإنجليزي والاستيطان الصهيوني ونهوض الفلسطينيين لمقاومتهما، وفي المذكرات تفاصيل الحالة في أواخر الدولة العثمانية ومحاولات العرب الوحدوية وترجمات لعشرات الرجالات العرب البارزين الذين التقى بهم وعايشهم لسنين طويلة أيام التدريس والجهاد والنفي والعمل لأجل قضية فلسطين.

نضال ضد الغزاة

إضافة إلى كونه مؤرخا، كان أديباً وصحفياً ومترجماً ومفسراً للقرآن في ذات الوقت؛ ناهيك عن كونه أحد مؤسسي الفكر القومي العربي إلى جانب المفكرين السوريين ساطع بن محمد هلال الحصري وزكي نجيب ابراهيم الأرسوزي. وقد اتبع دروزة نضالاً وحدوياً تجاوز ظروف التجزئة والحدود المصطنعة، فشارك في تأسيس ونشاط الجمعيات والأحزاب الاستقلالية العربية الوحدوية النضالية في سوريا الكبرى قبل تقسيمها من قبل الاستعمارين الفرنسي والأنجليزي، مثل جمعية العربية الفتاة وحزب الاستقلال العربي. وهو أحد أعضاء المؤتمر السوري العام (1919م) وسكرتير الجمعية التأسيسية، وأحد واضعي الدستور السوري الأول. وقد أعلن دروزة من على شرفة بلدية دمشق في ساحة المرجة استقلال سوريا وتأسيس المملكة السورية العربية في 8 آذار/ مارس من عام 1920.

لم يحبذ الراحل محمد دروزة الظهور، ولم يتبوأ أية مناصب سياسية حكومية رغم نشاطه السياسي الكثيف وعلاقاته المتشعبة وصداقته لشخصيات مؤثرة داخل فلسطين وفي الدول العربية. وقد شارك دروزة في انعقاد المؤتمرات السياسية التي كانت تخطط للحركة الوطنية وتتابع نشاطها. كاستمرار لنشاطه الوحدوي، ساهم عام 1932 بشكل فاعل في إقامة فرع لحزب الاستقلال العربي في فلسطين الذي شكل امتداداً للحزب الأصلي في دمشق، وشارك في المؤتمرات الفلسطينية وتسلم فيها مناصب فعالة، كما هي حاله في الأحزاب والجمعيات، حتى أصبح علماً من أعلام النضال الوطني العربي ضد الإنكليز والفرنسيين واليهود.

كان على رأس المقاومين للسياسة البريطانية ومشاريعها المختلفة، فقام مع رفاقه بحركة مقاطعة الدستور وانتخاب مجلس تشريعي مغلول اليد؛ الأمر الذي ترتب عنه وأد الفكرة وقتلها في مهدها، وقاد مظاهرات مختلفة ضد السياسة البريطانية، وأدى هذا إلى اعتقاله، وتقديمه للمحاكمة، والحكم عليه بالسجن، مثلما حدث له في سنة 1934.

اعتزل دروزة العمل السياسي الوطني المباشر عام 1949 بسبب مرضه، واعتكف في منزله في العاصمة السورية دمشق ليتابع نضاله غير المباشر من خلال الكتابة والدعوة إلى الوحدة العربية ودعم النشاطات الفلسطينية الهادفة إلى تأسيس كيان فلسطيني قادر على القيام بحركة تحرير شعبية، وخصوصاً دعمه منظمة التحرير الفلسطينية وتنظيماتها العسكرية.

مخزونه البحثي

اللافت للمتابع أن معظم مذكرات دروزة لم تنشر قبل عقد الستينيات من القرن العشرين؛ وقد انشغل دروزة في الكتابة بعد اعتزاله العمل السياسي، وانصب اهتمامه على توثيق يوميات الحركة الوطنية والقومية؛ وتأليف الكتب المدرسية للنهوض بطلاب العلم، وكتابة الروايات الوطنية الهادفة التي تشعل الحماس في نفوس الناشئة، إضافة الى البحث والتوثيق في تاريخ العرب والترك واليهود؛ وبلورة وطرح أفكار حول العروبة والوحدة العربية، وكذلك اجتهد في تفسير القرآن والكتابة عن السيرة النبوية وبعض القضايا الإسلامية الاجتماعية.

إضافة إلى المجلدات الضخمة التي احتوت مذكراته، قام دروزة بتأليف عشرات الكتب، وبعضها بقي في مرحلة المخطوطات ولم يطبع أو ينشر. إضافة لأهميتها الفكرية، تكمن أهمية كتب دروزة، وخاصة مذكراته الشاملة، في توثيقها للتاريخ الشفهي العربي، والفلسطيني بالذات؛ حيث قام بتوصيف تصويري دقيق لمدينته التي ولد فيها نابلس بكل ما فيها من مساجد وأحياء سكنية وبساتين وصناعات وأسواق وسكان المدينة وعاداتهم المختلفة في كافة المناسبات وخاصة الدينية منها كالاعياد.

إضافة إلى ذلك، أسهب دروزة في وصف التكوين الاجتماعي لمدينته نابلس وشرح خصائص وعلاقات عائلاتها وبروز فئات جديدة في المجتمع النابلسي. وختم المؤرخ الراحل محمد عزة دروزة نتاجاته البحثية الهامة في إصدار كتاب مؤلف من جزأين حول القضية الفلسطينية في عام 1984، عن دائرة الإعلام  والثقافة الفلسطينية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية والتي كان مقرها في ساحة الشهبندر في وسط العاصمة السورية دمشق .

عن عربي21

Author: نبيل السهلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *