قراءة في “مكان بين الأمم.. إسرائيل والعالم”.. نتنياهو ورؤيته لـ”مستقبل فلسطين”

مع أن الرجل اليمينيّ البارز في إسرائيل، بنيامين نتنياهو، لم تكن له حصةٌ في تشكيل الحكومة في الانتخابات السابقة، فإنّ حضوره لم يغب حتى في أكثر لحظات الحكومة الإسرائيلية استقراراً، وهذا الحضور المفرط في المشهد السياسيّ الإسرائيليّ لم يكن محض مصادفةٍ سياسية، وإنما كان انعكاساً لمواقف زعيم حزب الليكود، والرجل البارز في معسكر اليمين في الانتخابات التي ستعقد مطلع الشهر القادم.

يمكن لأي متابعٍ للمشهد السياسيّ الإسرائيلي أن يلحظ دور نتنياهو في ملفاتٍ حساسة جداً بالنسبة لإسرائيل، على غرار ملف ترسيم الحدود البحرية مع لبنان في الآونة الآخيرة، فهو الذي لم يحالفه الحظ في تشكيل الحكومة في الانتخابات السابقة، إلا أن تصريحاته تجاه الاتفاقية كانت الأبرز في المشهد السياسيّ، وهو الذي قال بثقة المتأكد إنه لن يلتزم بهذه الاتفاقية عندما يصير رئيس الحكومة في إسرائيل. 

تتناول هذه المراجعة في الأساس رؤية نتنياهو لمستقبل فلسطين، وانعكاسات هذه الرؤية على موقعه باعتباره رئيس الوزراء السابق، مستعيناً بكتابه “مكان بين الأمم: إسرائيل والعالم” (الناشر: الأهلية للنشر والتوزيع، ترجمة: محمد عودة الدويري، عدد الصفحات: 420) لرصد أبرز المحاور في رؤيته ومعرفة جذورها، وتتبع مسيرة رجل اليمين الصهيوني بتحقيق رؤيته على أرض الواقع، ليفرض بذلك خطابات جديدة/ قديمة لكن بنكهة إسرائيلية يمينية صهيونية ودينية.

وتسلط هذه المراجعة الضوء على التصورات التي يطرحها أكثر رئيس وزراء حكما في إسرائيل، بما يخص مسألة السلام الفلسطيني- الإسرائيلي، بناءً على كتابه وخطابات أدلى بها تدل على توجهاته، بالإضافة إلى صفقة ترامب- نتنياهو المسماة “صفقة القرن”. 

 تتراوح ادعاءات نتنياهو في كتابه حول المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 بين أحقية إسرائيل وبين حاجة إسرائيل إلى التمسك بها، فنراه في كتابه “مكان بين الأمم: إسرائيل والعالم” تارة يعزو التشبث بهذه الأراضي بصورة غير مباشرة إلى مطلق أحقيةِ مُنحت لليهود وفقا لمؤتمر فرساي. والذي بموجبه، يحق للشعب اليهودي وطنا يمتد من النهر إلى البحر، بحيث يقول في كتابه: “لقد تم في فرساي، التعهد لليهود بإقامة دولة في فلسطين، وشمل الوطن القومي آنذاك ضفتي نهر الأردن”. وتارة أخرى يطرح الأسباب الأمنية والعمق الاستراتيجي التي تمنحه هذه الأراضي لإسرائيل، والتي من دونها ستصبح إسرائيل عرضة للإبادة من قِبل جيرانها الطامحين لإزالة الكيان اليهودي عن الوجود، إذ يدّعي نتنياهو أنه “بغض النظر عن الخلافات في الرأي الداخلي الإسرائيلي، سواء بين مؤيدي حزب العمل، أو الليكود، أو بين المعارضة، والحكومة، فإن معظم الجمهور الإسرائيلي يؤمن بأن إسرائيل لا تستطيع العودة الى حدود حزيران 1967، دون أن تعرّض وجودها للخطر، وأنه لا يحق لها التفريط بالسيطرة الاستراتيجية على الجولان، ومناطق الضفة الغربية”. ويضيف نتنياهو أنه “لا يزيد عرض إسرائيل من نهر الأردن وحتى البحر المتوسط، على 65 كم، وكأن هذا الوضع ليس خطيرا بما فيه الكفاية، لتوجه لإسرائيل مطالب لا تحصى من جانب دول مختلفة، بشأن تقصير هذه المسافة إلى 15 كم فقط (ويشارك في هذه المطالب أيضا إسرائيليون، فقدوا أي علاقة لهم بالواقع). وإذا وافقت إسرائيل على هذه المطالب، فلن يكون بمقدورها العيش طويلا”!

السلام والخلفية الأيديولوجية لنتنياهو

“سلام دائم”، هكذا عنون نتنياهو فصله التاسع في كتابه، الذي يستعرض فيه رؤيته حول السلام الذي من الممكن أن يتحقق مع الفلسطينيين. 

فكيف يتحقق السلام الدائم وفقا لنتنياهو؟ 

يرى نتنياهو أن مسألة اللاجئين خلقها العرب، وحلها يتم في الدول العربية، أي خارج “حدود” إسرائيل، إذ يقول إن “الدول العربية قادرة وبسهولة على تمويل عملية توطين اللاجئين بقدرتها الذاتية (…) الدول العربية هي التي خلقت مشكلة اللاجئين منذ البداية، وهي المسؤولة أيضا عن عدم حلها حتى اليوم”. قائل هذه المقولة هو الشخص نفسه الذي يرى بأحقية الشعب اليهودي بالعودة إلى “أرض آبائهم”، ويدعي أنه “يجب على العالم الغربي أن يعلن، بصورة لا تقبل التأويل، أن قرارات الأمم المتحدة، التي مضى وقتها، والمتعلقة باللاجئين، أصبحت ملغاة”. ولا يتوقف عند ذلك، فهو يرى “أن الظروف تتغير مع الزمن، ويجب على العرب أن يدركوا بأنه لا يمكنهم إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء كلما أرادوا ذلك”.

هذه الادعاءات المتناقضة عند نتنياهو، الذي يطالب بحق اليهود الممتد لآلاف السنين في العودة إلى فلسطين، ويدعي في الوقت نفسه أن على العرب أن يدركوا أنه يجب عليهم المضي قدما وفقا لشروطه ورؤيته، جعلته يحاول جاهدا الخروج من هذا التناقض عبر الرواية الصهيونية المتعصبة حول أحقية اليهود وتميزهم عن باقي الشعوب، فينطلق من خلفية ترى “أن نهضة شعب إسرائيل هي على أي حال أحد الرموز الكبرى للإنسانية، فهذه ليست قصة اليهود فقط، إنما هي روح الإنسان التي ترفض بإصرار وعناد الاستسلام لحكم التاريخ، هذه رحلة لا مثيل لها، رحلة شاقة لشعب صمم على العودة من جديد ليحظى بالمكانة التي يستحقها بين الشعوب”. 

كيف يريد نتنياهو تحقيق السلام؟ وهو الذي يرى بأنه “يجب أن لا يُطلب من إسرائيل التفاوض بشأن أي جزء من القدس، ولا بأي ظرف من الظروف، تماما مثلما لا يجوز أن نطلب من الأميركيين التفاوض على واشنطن…”؛ وهو الذي يقول: “نظرا لأهمية القدس بالنسبة للشعب اليهودي، والحقائق التي نشأت في المنطقة بعد بناء الأحياء اليهودية الجديدة بعد تحرير المدينة عام 1967 (…) لم تعد فكرة تقسيم القدس من جديد، واردة في الحسبان”. نتنياهو الذي يخط مصطلحا جديدا في كتابه “المبدأ الفلسطيني” فيقول إن: “المعركة التي يديرها العرب ضد إسرائيل، خلقت ما أنا مستعد لتسميته (المبدأ الفلسطيني)”، يرى أن الأقلية الفلسطينية تطالب بما لم يطالب به أحد من قبل، وهو إقامة دولة لأقلية، والمثير للسخرية أنه يضيف إلى ذلك تبريرا لاضطهاد كل أقلية تطالب بكيان يمثلها بل وإبادتها، “ومن سخرية القدر، أن تطبيق “المبدأ الفلسطيني” سيلحق الضرر بحقوق الأقليات في العالم كله. فإذا كانت كل أقلية تشكل خطرا فعليا على سلامة ووجود الدولة التي تعيش فيها فلا بد أن تبحث الأغلبية في هذه الدول عن طريق لقمع وضغط مثل هذه الأقليات، أو ربما لتصفيتها في النهاية”.

ما هو السلام الدائم الذي يريد تحقيقه نتنياهو؟

يرى نتنياهو أن هنالك نوعين من السلام؛ سلام بين دول ديمقراطية، وسلام مع دول دكتاتورية. ومن نافل القول إن رئيس المعارضة الحالي ينظر إلى السلام مع العرب والفلسطينيين، باعتباره سلاما من النوع الآخر، أي مع دول دكتاتورية، ويصف هذا السلام تحت مصطلح “سلام الردع”، إذ يرى في كتابه بأنه “في الوقت الذي لا نرى في الأفق احتمالا حقيقياً لتطبيق الديمقراطية في منطقتنا، فإننا نشهد في السنوات الأخيرة، تعزيزا للاتجاه المعاكس، وبخاصة تجاه التطرف الديني الإسلامي الذي بدأ يحتل مواقع جديدة له كل سنة (…) ولكن الاستنتاج هو أن السلام الذي سميته “سلام ديمقراطيات” ليس مجالا للبحث الآن. وإن السلام الذي تستطيع دولة إسرائيل أن تتوقع الحصول عليه، هو سلام الردع”. يُبنى سلام الردع هذا على اعتبارات إسرائيل الأمنية، ومن أجل تحقيق هذا النوع من السلام يجب على “الأنظمة العربية التي تملك مساحات كبيرة من الأرض تبلغ 500 ضعف مساحة إسرائيل، تقديم تنازل ضئيل مقابل التنازلات الكبيرة التي قدمها اليهود (…) وهذا التنازل يجب أن يكون عن منطقة الضفة الغربية، قلب الوطن القومي اليهودي، والسور الواقي لدولة إسرائيل، والتي تشكل استمرارا للجدار الواقي في هضبة الجولان”.

كما يعارض نتنياهو كليا قيام دولة فلسطينية، فهو يرى “أنّ المطالبة بقيام دولة فلسطينية في الضفة الغربية تتعارض كلياً مع السعي لتحقيق سلام حقيقي، إذ أن وجودها يضمن حالة عدم استقرار ونزاع مستمر، تؤدي في النهاية الى حرب حتمية”؛ وبالتالي يرى أن الحل “يتمثل بإقامة دولتين: دولة يهودية للشعب اليهودي المقيم غرب نهر الأردن، ودولة عربية للشعب العربي الذي يقيم معظمه شرقي النهر”. بل ويمانع نتنياهو ويرفض أن يطالب الفلسطيني بدولة ويحدد له مطالبه بمطالب مدنية تحت حكم يهودي، إذ أن “الفلسطيني الذي اختار العيش في الضفة الغربية، يجب عليه الاعتراف بحقيقة أنه اختار أن يكون أقلية في منطقة خاضعة لسلطة الدولة اليهودية. ولا يحق له المطالبة بدولة فلسطينية ثانية في الضفة الغربية، مثلما لا يحق لعرب إسرائيل المطالبة بدولة فلسطينية ثالثة في الجليل ورابعة في النقب”، على حد تعبيره، مضيفا: “إن الموضوع الذي يجب مناقشته والتفاوض بشأنه مع عرب الضفة الغربية هو مسألة صفتهم المدنية، وليس مطالبتهم بالسيادة العربية على هذه المناطق الحيوية لمستقبل إسرائيل”!

كيف تُرجمت رؤية نتنياهو إلى خطط سياسية؟

بعد عودة نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية عام 2009، قام بإلقاء خطابه المعروف بخطاب بار إيلان. في خطابه هذا، وجه نتنياهو الدعوة إلى السلطة الفلسطينية من أجل الاستمرار بالمفاوضات دون شروط: “أناشدكم، جيراننا الفلسطينيين، تحت قيادة السلطة الفلسطينية: دعونا نبدأ المفاوضات على الفور، دون شروط مسبقة. إسرائيل ملتزمة بالاتفاقيات الدولية وتتوقع من جميع الأطراف الأخرى الوفاء بالتزاماتها. نريد أن نعيش معكم بسلام وحسن جوار”. مع ذلك لم يتخل نتنياهو عن الثوابت التي وضعها في كتابه “مكان بين الأمم”، إذ أن بدء المفاوضات غير المشروطة يحمل شرطين أساسيين: الأول، هو إصرار نتنياهو على أنه لن يعود أي لاجئ إلى “الأراضي الإسرائيلية”، ويرفض بشكل قاطع مطالبة الفلسطينيين بعودة اللاجئين. الثاني، بالنسبة لنتنياهو، الترتيبات الأمنية التي يعتبرها أساس وجود إسرائيل على المدى الطويل. بالتالي، يطالب بنزع السلاح من الضفة الغربية، حتى لا يكون هناك جيش بأسلحة ثقيلة، ويطالب المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، بالإشراف على نزع السلاح والسماح للقوات الجوية الإسرائيلية بحرية التحليق فوق سماء الدولة الفلسطينية.  على ما يبدو أن هذا لم يكن مفاجئا في خطابه. في حين أن المفاجئ في خطاب نتنياهو هو في حديثه عن الشعب الفلسطيني المتواجد على أرضه، فهنا افترق نتنياهو عن اليمين المتطرف الراغب في الترانسفير، وكذلك مع أتباع “الخيار الأردني”، عندما عرض على الشعب الفلسطيني علما ونشيدا وحكومة خاصة به. ولكن السبب الأول في انهيار المفاوضات، في الفترة الأولى من عهد نتنياهو والذي سوف يمتد حتى نهاية العقد، هو المستوطنات. في خطاب بار إيلان، طرح نتنياهو قضية المستوطنات في الضفة الغربية، وتوعّد بأنه لن يتم إنشاء مستوطنات جديدة ولن تتم مصادرة أي أرض لأغراض الاستيطان. لا يوافق نتنياهو على التزام شارون وأولمرت بمواصلة البناء داخل حدود المناطق القائمة وفي الكتل الاستيطانية المجاورة لها أيضا. كما أنه لا يقبل على الإطلاق بمفهوم الكتل، الذي يترك جزءا صغيرا فقط من الضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية. لكنه لا يعارض “النمو الطبيعي”، بل يُصر فقط على “الحياة الطبيعية” في المستوطنات القائمة، مما يترك فرصةً للتسوية مع الأميركيين.

في فترة أوباما- نتنياهو توقفت المفاوضات برغم كل المحاولات الأميركية والعربية لإحيائها، حتى استلم الرئيس الأميركي ترامب مقاليد الحكم في الولايات المتحدة. وحملت فترة ترامب أكبر كوابيس الفلسطينيين من جهة، ومن جهة أخرى وضعت إسرائيل حيث يراها نتنياهو، بحيث أعلن الرئيس الأميركي عن “صفقة القرن” أو ما يطلق عليها عزمي بشارة “صفقة ترامب- نتنياهو”. ويبين بشارة في كتابه “صفقة ترامب – نتنياهو: الطريق إلى النص، ومنه إلى الإجابة عن سؤال ما العمل؟” انحياز الولايات المتحدة، منذ النكبة، إلى الدولة التي تُشرف على الاحتلال، إلا أن ما يزيد الطين بلة في “صفقة ترامب- نتنياهو”، هو انتقال الولايات المتحدة إلى التماهي الكامل مع مواقف اليمين الاسرائيلي وخطابه، وحتى طريقة تفكيره. تم التخطيط لهذه الصفقة عبر مجموعة تتبنى نهجاً يمينياً صهيونياً، بل وتفكر كما يفكر اليمين الإسرائيلي وكما يفكر بنيامين نتنياهو. إن الهدف من وراء هذه الخطة تحقق مطامح صاحب كتاب “مكان بين الأمم.. إسرائيل والعالم”. فهي تتجاوز ما سمي اتفاق أوسلو، وما وصف بقضايا الحل النهائي أي الحدود والقدس واللاجئين، ضمن طاولة المفاوضات إذا توفرت. وإن كارثية صفقة ترامب- نتنياهو لا تتوقف عند ذلك، بحيث تتبنى الوثيقة السردية الاسرائيلية القومية الدينية اليمينية.

ان العمل على تطبيق الصفقة توقف مع خسارة ترامب ونتنياهو في الانتخابات. إلا أنه لا يمكن التخلص من ترسبات فترة حكم ترامب- نتنياهو، بل إن هذه الفترة أعطت الشرعية للعديد من الخطوات التي لا يمكن التراجع عنها في المستقبل القريب، مثل اعتراف الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على أراضي الجولان المحتل. كما اعترفت بالقدس كعاصمة إسرائيل “الأبدية”، ونقلت سفارتها إلى القدس. بالإضافة إلى ذلك، التماهي مع فكرة ضم الضفة الغربية إلى اسرائيل بشروط نتنياهو، واتفاقيات أبراهام للتطبيع مع الدول العربية برعاية الولايات المتحدة. وهي خطوات أصبحت قائمة على واقع وفعل وعلى ما يبدو لن يتم التراجع عنها، وأصبحت منجزاً إسرائيلياً، بما فيها استمرار الاستيطان وقضم الضفة الغربية والضم الزاحف لها.

وتزداد التخوفات، خاصة وأن نتنياهو لا يزال يصارع في الحلبة السياسية الإسرائيلية من أجل العودة إلى سدة الحكم. وفي الجهة الأخرى من العالم، لا يزال ترامب المرشح الأول لدى الجمهوريين في الولايات المتحدة. 

عن المشهد الإسرائيلي -مدار

Author: ياسر عاصي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *