قراءة فلسطينية للتطوّرات الدراماتيكية الإسرائيلية


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

لم يكن الحدث الداخلي في دولة الاحتلال، في أي وقتٍ مضى، مجرّد حدث محلي صرف يخصّ أصحابه وفاعليه فقط، ولم يكن ذات مرّة واحدة عديم الأثر والتأثير، بهذه الدرجة أو تلك، في محيطه المجاور، سيما المحيط الفلسطيني، نظراً إلى وزن إسرائيل الإقليمي الراجح في المنطقة، ودورها الوظيفي وقدراتها الحربية ونهجها العدواني، وصورتها الديمقراطية المزيفة، وغير ذلك من العوامل التي تضافرت معاً، وحقّقت لها تفوّقاً نوعياً على كل أعدائها نحو سبعة عقود وأزيد.
إذا كان هذا التشخيص صحيحاً بالنسبة للعرب عموماً، ودقيقاً إلى حد ما في دول المشرق العربي، وكان يعكس تقييماً موضوعياً بعيداً عن عاطفة الحب والكراهية، فإنه يصبح صحيحاً بالضرورة المطلقة بالنسبة للفلسطينيين، وهم أكثر الشعوب العربية اشتباكاً وتشابكاً مع الدولة التي تحتلّ أرضهم، وتصادر حقوقهم المشروعة، ما يجعل الحدث الإسرائيلي، بتداعياته السياسية والأمنية، شأناً فلسطينياً خاصاً، بفعل حالة الانكشاف التامة لشعبٍ تحت الاحتلال.
على هذه الخلفية، بدت حركة الاحتجاجات المتواصلة منذ نحو 30 أسبوعاً، على خلفية ما يسمّى انقلاباً قضائياً يقوده اليمين الفاشي، أكثر بكثير من مجرّد حدث داخلي لا يخاطب سوى الطرفين المتنازعين على هوية الدولة اليهودية، كما بدت هذه الاحتجاجات أيضاً تشي، في طورها الأخير، بوقوع تحوّل لا سابق له في دولة الاحتلال، قد يحسم الأزمة البنيوية الكامنة في قلب الحركة الصهيونية لصالح التيارات الدينية، بإقامة دولة أصولية، وبالتالي، حدوث انشقاقاتٍ في الجيش، قد تفضي إلى خراب الهيكل اليهودي للمرّة الثالثة. 
في بداية سلسلة الاحتجاجات هذه، نظر بعضهم من هنا وهناك، ومنهم مسوّد بياض هذه الزاوية الأسبوعية، إلى المشهد الاحتجاجي على أنه مجرّد صدع في حائط المبكى، وليس شرخاً بالضرورة، غير أنه عندما اشتدّت قوة دفع هذا التحرّك، ثم طال زماناً واتسع نطاقاً، رأى من رأى، بشيءٍ من الدهشة المشوبة بالتشفي، أن إسرائيل بدأت تجدع أنفها بيدها لا بيد عمرو، وأنها تمضي بنجاح لافت نحو تحطيم الصورة الملفّقة، التي كانت تطلّ منها، دولة ليبرالية ديمقراطية علمانية لديها منظومة قضائية تحاكي ما لدى الأوروبيين من منظوماتٍ قضائية.
ولعل النقطة الفارقة في مسار هذه الاحتجاجات، تلك التي أملت على المراقبين أخذ التطور الجديد على محمل الجد، تمثلت في دخول بعض وحدات الجيش الإسرائيلي على الخط، لا سيما الطيارين وجنود من الاحتياط وغيرهم من القادة العسكريين والأمنيين المتقاعدين ورؤساء أركان سابقين، الأمر الذي أعاد إنتاج تقدير موقف أولي، مفاده بأننا أمام هزّة سياسية من العيار الثقيل، ينبغي النظر إليها باهتمام أشد من ذي قبل، بعد بروز ظاهرة رفض الخدمة العسكرية أول مرّة، وتصاعد التحذيرات المتبادلة عن احتمال وقوع عصيان مدني، وربما حرب أهلية، نظراً إلى شدّة مركزية الجيش في نشأة وسيرورة تطور مجتمع متعدّد المنابت والأصول، لا يوحّد بين أطيافه العرقية سوى الجيش، الذي قيل عنه “جيش له دولة”.
من المفهوم أن لا دور للعرب والفلسطينيين، بمن فيهم عرب 48، يمكنه التأثير على مسار هذه الاحتجاجات، رغم تأثيرها غير المباشر عليهم، إلا أن من المفهوم في المقابل وجاهة عدم الانخراط الواسع في النقاش بشأن مآلات هذا العراك بين “فخّار يُكسّر بعضه” رغم ما يثيره من مخاوف وتمنّيات مشوّشة في أذهاننا، وذلك جرّاء الافتقار إلى اليقين، وربما لعدم المعرفة الكافية بديناميات هذا التحوّل الدراماتيكي الناجم عن أزمة ذاتية متجذّرة في بواطن المشروع الصهيوني، الذي لا ترى فيه معظم النخب العربية أي فوارق يعتدّ بها بين مكوّناته وأطيافه، التي لم يسبق لنا أن شاهدناها تتنازع على هذا النحو بهذه الحدّة.
ربما يكون السبب الرئيس لكل هذا الحذر والامتناع عن الدخول على خط النقاش، ولا نقول التفاعل، بشأن التداعيات المحتملة، رغم كثرة الخبراء في الشأن الإسرائيلي بيننا، مردّه الشعور بعدم الجدوى في السجال حول أمر لا يعنينا مباشرة، ولا موقف لنا يمكن القيام به، سواء أكان هذا الموقف يخدم مصالح نتنياهو وبن غفير وبقية العصابة (والعياذ بالله) أو كان يخدم معارضيه، كما أن الجزم متعذّر للغاية، إزاء مسألة ما إذا كان فوز الصهيونية الدينية يخدم القضية الفلسطينية مستقبلاً أم لا، مع أن هناك من يعتقد أن كسب الفاشيين المعركة سوف يقوّض الصورة الإسرائيلية تماماً، ويُلحق ضرراً لا يمكن إصلاحه بالدولة العبرية، ويفتح باباً أوسع لتجريد دولة الاحتلال والفصل العنصري من الشرعية الدولية.

عن العربي الجديد

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: عيسى الشعيبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *