قراءة أولية في مسيرة حركات السلام الإسرائيلية

 

 

تعود جذور العلاقة بين حركات السلام الإسرائيلية مع البرنامج والمشروع الوطني الفلسطيني الى ما قبل قيام دولة إسرائيل، وذلك من خلال المحاولات التي جرت من قبل فلسطينيين وعرب ويهود لإيجاد حلول للتعايش.

لكنني هنا في هذه المقالة سأكتفي بتناول العلاقة التي نشأت بعد عام 1967، حيث كان التأثير على الرأي العام الإسرائيلي هو أحد أدوات ‏النضال الفلسطيني، وتجلى ذلك بشكل اكثر وضوحا بعد حرب اكتوبر عام 1973، حيث بدأ ممثلون عن منظمة التحرير الفلسطينية بإرسال رسائل و‏‏اشارات ضمنية على قبول حل الدولتين على سبيل المثال. وقد نشر سعيد حمامي مقالة في جريدة مجلة التايمز، وعقدت لقاءات سرية مع احد نشطاء حركات السلام في اسرائيل  اوري افنيري، وفي عام 1974 تبنت منظمة التحرير ‏بشكل ضمني حل الدولتين، وفي العام التالي اعترفت الأمم المتحدة بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، واعتبرت الصهيونية حركة عنصرية.

لقد كانت هناك عوامل متعددة أسهمت في نشوء حركات سلام إسرائيلية منها زيارة الرئيس المصري انور السادات الى القدس، التي كان لها دور في تأسيس حركة السلام الآن، والتي دعت ‏لمظاهرة شارك فيها نحو 100,000 متظاهر اسرائيلي، بينما قام نحو ثلاثمئة ضابط احتياط اسرائيلي بتقديم عريضة طالبت بانسحاب إسرائيل من سيناء، وإقامة سلام مع مصر.

‏لكن نقطة التحول جاءت بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982، والذي تزامن مع بروز حركة “المؤرخين الجدد الاسرائيليين” والذين تحدّوا الرواية الإسرائيلية الرسمية. كما أدى الاجتياح إلى نشوب حركات ومجموعات سلام إسرائيلية مناهضة للحرب أخذت بالتواصل مع فلسطينيين في الأراضي المحتلة، ومع أعضاء وقيادات من منظمة التحرير الفلسطينية، فتشكلت في عام 1986 على سبيل المثال لجنة الصداقة الفلسطينية الإسرائيلية. ‏وفي العام ذاته أقرت الكنيست الاسرائيلية قانونا يمنع أي اتصال مع منظمة التحرير، فجاء الرد على القانون بعقد مؤتمر في رومانيا عقد المؤتمر باللغة العربية، بمشاركة فلسطينيين واسرائيليين ‏من اليهود الشرقيين كان من بينهم لطيف دوري. والى جانب المؤتمر عقدت مزيد من اللقاءات السرية بين شخصيات قيادية في منظمة التحرير وشخصيات اسرائيلية.

‏الا أن اعداد المنتمين لحركات ومجموعات السلام وانشطتها وصلت ذروتها خلال الانتفاضة الأولى، حيث تم إحياء المجموعات والحركات السابقة، وتشكيل حركات ومجموعات جديدة مثل نساء في السواد، كفى للاحتلال، بالإضافة الى تأسيس منظمة بيتسيلم (مركز المعلومات الاسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة) الذي تأسس عام ١٩٨٨.

‏استجابت هذه الحركات والمجموعات الى نداءات الفلسطينيين لإنهاء الاحتلال، وكان الشعاران الأساسيان الذين تبنتهما تلك الحركات خلال الانتفاضة هما “دولتان ‏لشعبين، وإنهاء الاحتلال” وقام الإسرائيليون بالتنسيق مع الفلسطينيين بشأن أنشطتهم التي تضمنت المشاركة في المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات بناء على متطلبات الانتفاضة، هذا من جانب، ومن جانب آخر العمل داخل مجتمعهم للتأثير على حكومتهم، والضغط عليها لإنهاء الاحتلال.

وفي الواقع فإن الانسجام في العلاقة بين قوى السلام الإسرائيلية والفلسطينيين في هذه الفترة يعود الى ابتعادهما عن الخوض في نقاشات تتعلق بجذور القضية، فلم يتم الخوض في قضية اللاجئين الفلسطينيين على سبيل المثال، او موضوع فلسطين التاريخية الذي ظل بالنسبة للإسرائيليين موضوعا مغلقا غير خاضع للنقاش. فكانت المفاهيم الاسرائيلية بشأن هذه القضايا مختلفة تماما عما كانت عليه بالنسبة للفلسطينيين. ‏وبقي شعار “حل الدولتين” الشعار الأبرز في الانتفاضة الأولى، وكانت المشاركة في الفعاليات الميدانية والاحتجاجية هي الأبرز ‏في تلك العلاقات.

‏وبما ان الشعار الذي تم تبنيه كان حل الدولتين، فقد استثنيت قضية فلسطينيي الداخل من النقاش باعتبارهم جزءا من الشعب الفلسطيني، وتم تجزئة النضال ليصبح على اراضي فلسطين المحتلة عام 67 فقط، دون اي اشارة الى برنامج تحرري يشمل فلسطين التاريخية، او حقوق الفلسطينيين داخل الخط الأخضر. استثني من ذلك قضية اللاجئين والعودة الى أراضيهم ومدنهم التي ظلت قضية محورية بالنسبة للفلسطينيين في التوصل لحل للصراع.

‏بعد اتفاق أوسلو ظهر تحول في العلاقات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث تضمن الاتفاق بندا لإطلاق مشروع “شعب لشعب” والذي كان هدفه ‏التعايش وتغيير الصور النمطية عن الآخر من أجل التعاون في ظل السلام. لكن المشروع اقتصر ‏على الخوض في قضايا ثقافية واجتماعية مبتعدا عن القضايا السياسية، في وقت بدت فيه مسألة النقاش في قضايا الحل النهائي في إطار المشروع بمثابة اداة من أدوات النضال بالنسبة للفلسطينيين، لحث الاسرائيليين على الضغط على حكومتهم من أجل ‏تحقيق سلام عادل يشمل الحقوق الكاملة بما فيها حق العودة. أصر الجانب الفلسطيني خلافا للموقف الاسرائيلي على الخوض في مشروع السلام الذي لم يتحقق وأبقى على المستوطنات، وكرس إغلاق القدس امام الفلسطينيين، ولم يضع حلا لقضية اللاجئين.  وامام هذا التباين في الموقفين الفلسطيني والاسرائيلي فشل مشروع ” شعب لشعب ” منذ بدايته.

‏كانت مشاريع “شعب لشعب” مدعومة من الدول المانحة، ‏التي قدمت الدعم للمؤسسات المشاركة، وذلك ضمن سياق نيوليبرالي فرض شروط الداعمين على المشاركين، وكانت إحدى الشروط الأساسية اشراك طرف اسرائيلي في أي مشروع.‏ وقد سعت بعض الدول الداعمة لإشراك دول عربية مثل مصر والأردن في تلك المشاريع، الأمر الذي يدفع للاستنتاج ان محاولات التطبيع التي بدأت منذ اتفاق أوسلو جاءت ربما كخطوة ‏تمهيدية لاتفاقيات التطبيع التي نشهدها حاليا، ورغم ذلك لم يكن هناك إقبال من الفلسطينيين على هذا المشروع في ظل الشكوك ان هدفه انصب على تحقيق تعاون بين الفلسطينيين والإسرائيليين في ظل ‏الاحتلال.

ولتشجيع الفلسطينيين على المشاركة وفر الممولون ‏منحا مالية بسيطة لهم إلا أن ذلك فشل أيضا وبقي إقبالهم على المشاركة ضعيفا جدا.

ومع انطلاق الانتفاضة الثانية عام 2000 طرأ تحول جديد في الظروف السياسية انعكس على مشروع “شعب لشعب”، فقد أصدرت شبكة المنظمات غير الحكومية بيانا دعت فيه إلى مقاطعة المشروع، ‏واستثنى البيان الأنشطة المشتركة التي تدعم النضال من اجل الحقوق الفلسطينية، وطالب الإسرائيليين بالاعتراف بكامل الحقوق الفلسطينية بما فيها ‏حق العودة ‏للاجئين الفلسطينيين، وذلك كشرط لأي ‏نشاط تضامني مشترك.

تجاوبت بات شالوم ( Bat Shalom ) وهي مؤسسة نسويه لهذا البيان، ونشرت رسالة باللغة العربية موجهة للفلسطينيين في صحيفة القدس عام 2001 ، اقرت فيها بمسؤولية إسرائيل عن تهجير الفلسطينيين، واعتبرت حل قضية ‏اللاجئين أساسا لأي حل عادل ودائم، وتعهدت ببذل كل جهد للتأثير على حكومة إسرائيل من أجل إزالة الاحتلال ورفع الظلم عن الفلسطينيين.

‏لكن اسرائيل صبت جهدها على شيطنة النضال الفلسطيني، مستغلة الطابع العسكري للانتفاضة، والمطالبة الفلسطينية بحل قضايا الوضع النهائي، واعتبرت النضال الفلسطيني تهديدا لوجودها وسرّعت مشروع إسرائيل الكبرى على الأرض. في مقابل ذلك ادى الانقسام الفلسطيني إلى إضعاف قدرة الفلسطينيين على مواجهة المشاريع الاستيطانية، وخاصة في ظل تقطيع ‏اوصال الأرض، والفلسطينيين، مع انتشار المستوطنات والحواجز والجدار.

وأمام هذا الواقع الجديد قام الفلسطينيون بمراجعة وسائل النضال، وأنشئت حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، والتي تبنت النضال السلمي، ورغم ان الحركة لم تلق صدى واسعا لدى المجتمع الإسرائيلي، إلا أن هناك مجموعات دعمت حركة المقاطعة ووافقت على مبادئها بما في ذلك حق العودة للاجئين الفلسطينيين. وعلى سبيل المثال عمل مركز ذكريات الاسرائيلي “زخوروت” الذي تأسس عام 2004 على تعريف المجتمع الإسرائيلي بما ‏حدث عام 48 من تهجير للفلسطينيين وتدمير لقراهم، وتحدى الرواية الإسرائيلية عن حقيقة ما حدث ابان النكبة.

‏اما اليوم وفي ظل غياب دور للفصائل السياسية، لم يعد هناك مشروع وطني ‏يحاكي التغيرات على الأرض، فالسلطة الفلسطينية ما زالت تتمسك بحل الدولتين، على الرغم من استمرار إسرائيل في مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات، ‏وتوزيعها بمباركة من الولايات المتحدة، وصمت من الاتحاد الأوروبي، وتوقيع عدة دول عربية اتفاقيات تطبيع مع اسرائيل. وقد بات واضحا ان السلطة الفلسطينية تقف عاجزة عن مواكبة ‏التطورات الخطيرة التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية مع غياب تحرك شعبي وسلطة تشريعية قادرة على مراقبة صنع القرار والمشاركة السياسية. وعلى عكس قيادة الانتفاضة الأولى فان السلطة الفلسطينية لا تتمتع بالشفافية، ‏وهي مقيدة باتفاقيات لا تنسجم مع الواقع الحالي، بل مرتبطة بأجندات الممولين المقربين من إسرائيل.

لم تكن فكرة المقاطعة التي حظيت بدعم عالمي من مؤسسات ومجموعات مؤيده لفلسطين فكرة جديدة، فقد سبق ودعت قيادة الانتفاضة الاولى الى مقاطعة البضائع الاسرائيلية، والتزمت القيادة مع الشعب في المقاطعة ما ادى الى نجاحها، اما اليوم فلا تحظى حملة المقاطعة الا بدعم شكلي وبسيط من القيادة الفلسطينية التي تواصل عملية التنسيق الأمني مع الاحتلال وتحظى بذلك بمزايا خاصة عن باقي الشعب.

يحتاج ‏التضامن مع الشعب الفلسطيني إلى حشد كل جهد وتوظيفه بشكل أفضل في خدمة القضية والمساهمة في التأثير على ‏القوى العالمية واسرائيل، خاصة ‏أن حملة المقاطعة تطالب بإنهاء الاحتلال، وعودة اللاجئين الفلسطينيين، ‏والمساواة بين الفلسطينيين واليهود في فلسطين التاريخية. وهي مطالب تعالج جذور ‏القضية وحقوق الفلسطينيين جميعا في الداخل وفي المهجر.

 

 

Author: نادية نصر-نجاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *