قراءة أولية في “الصياد والتنين”


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

مداخلات لجنةالنقاش (1)

يرغب زكريا زبيدي، في بحثه، أولاً، بتبيين كيف أن الصياد، ويرمز عنده إلى المستعمِر، يجهد ليس ليأكل، بل ليقضي على حياة، وكيف أن التنين، ويرمز عنده إلى المستعمَر المطارَد، ليس فريسة. وهذا على عكس الفهم السائد. ويرغب، ثانياً، بمَوْضعة المطارد الفلسطيني في حركة تاريخ نضال الشعوب ضد مستعمريها، من ناحية، وبتمييزه عن مستعْمِره من حيث المنظومة الأخلاقية التي يأخذ بها في نضاله، من ناحية أُخرى. يعتمد في ذلك، بين الأشياء، على قصته الشخصية، على سرده القصصي للتجربة الخاصة به، جاعلاً منها حالة ممثلة. وفي هذا توظيف للسرد القصصي لما فيه من خصائص وإمكانات، لتبيين ما لا يبيَّن بلغة العلم.

أبيِّن الخط الناظم لبحثه بالوقوف على المفاهيم المشكِّلة للمعاني عنده، وأبدأ بالقول: إن بحثه، في حركة فصوله، إنما هو بناء للمعاني الخاصة بمفهوم المطاردة، في السياق الاستعماري، بالعلاقة مع جهتَيها المتصارعتين، المطارِد والمطارَد، لتأخذ كل جهة منهما معناها معكوساً عمّا هو في الأدبيات المتداولة، الأمر الذي سيكون له إسقاطاته على تحديد معنى المطاردة.

يستهل بحثه بالحديث عن صورة القديس جريس والتنين، وبتوضيح المعاني المتضمنة فيها. يقول: نشأ الأطفال الفلسطينيون، بمَن فيهم الباحث في هذه الدراسة، في طفولتهم على صورة أيقونية للقديس جريس الفلسطيني (ويُعرف بالخضر) فارساً على ظهر حصانه، وهو يسدد الرمح لفم التنين لكي ينقذ العروس الجميلة. وفيما بعد فهمنا أن رمزية هذه الأيقونة المستمدة من المخيلة الدينية الإنجيلية في تراثنا الفلسطيني تكمن في انتصار الإيمان الخيّر المتمثل بالخضر على الوثنية الشريرة المتمثلة بالتنين.

ثم، بعد أن يوضح المعاني المتضمنة في صورة القديس جريس ورمحه والتنين، ينوّه إلى أن المعاني هذه لم تتغير حتى اليوم هذا، عندنا نحن المستعمَرين كما عند المستعمِر أبداً، الأبيض، مستعيناً بعبارتين لفيلسوفَين، عُقدتين رئيسيتين في حركة تاريخ الفلسفة الغربية: نيتشه وسارتر. تقول العبارة الأولى: إن الصياد حين يلاحق التنين يصير هو التنين. وتقول الثانية: إن ملاحقة التنين لا يجب أن تجعل أرواحنا تتوحش مثل التنين. الصياد، في المقولتين، هو الإنسان مهذب النفس، مرهف الحس، ناضج العقل والفكر، والتنين عكسه، متوحش الروح. وعلى الصياد، بالتالي، وفق الأدبيات هذه، أن يَحذر في تعامله مع التنين لئلا يصبح مثله.

غير أن زكريا زبيدي، حينما يخوض تجربة المطاردة، ويسمع تفاخر بعض مؤسسي وحدات المستعربين باللحظة التي تتواجه أعينهم بعين المطارَد، بأنها “لحظة الصياد”، يفهم أن الصيد، في الحديث عن استعمار، لا يكون من أجل المعيش، كما كانت الحال عند الهندي الأحمر، بل من أجل القتل، ورائحة الموت. فيقرر أن ينحاز إلى التنين، وأن يغير صورته الشرانية إلى صورة خيّرة؛ لأن التنين [هو] صاحب المكان والأقرب للطبيعة، وهو الخصم الوحيد الذي لا يقبل أن يكون فريسة للصياد الطارىء على الأرض والذي يعيش متطفلاً على دم الآخرين.

التمايز الأساس بين الصياد / المستعمِر / المطارِد، والتنين / المستعمَر / المطارَد، كما يُستدل عليه من قول زكريا زبيدي هذا، هو أن الأول، الصياد / المطارِد، طارىء على الأرض وهو الغريب عنها، مقابل الثاني، الملتصق بها ومالكها. وفي هذا إبراز لحالة المستعمِر الذهنية، مقابل حالة المستعمَر؛ الأول، الصياد / المطارِد، يتعامل مع نفسه على أنه كذلك؛ صياد / قاتل، وفي صيده / قتله تفاخر ومتعة، يسعى إلى تحقيقهما قدر ما يستطيع وتمكّنه الظروف. أمّا التنين / المطارَد، فلا يرى بنفسه فريسة، لا يرى بنفسه طريدة؛ المطاردة، في وعي المطارَد المقاوم، ليس جذرها “ط. ر. د”، والطريد ليس المطرود من الناس، ليس المُبعَد المبتعد؛ المطاردة هي جزء من فعل المقاومة، هي جزء، على حد تعبيره، من “العنف الثوري المقاوم”، فسمات المطارَد هي العناد والإصرار والمغامرة والتمرد.

نحن، إذاً، أمام المعاني معكوسة، تقطع تماماً مع أدبيات المستعمِر ومع منظوره، من جهة، وتؤسس لمنظور آخر تُرى الأشياء من خلاله مختلفة، من جهة أُخرى، يكون ضمنه المطارَد والمقاوم كلاً واحداً لا ينفصل، لا في الواقع ولا تحليلياً. فيصير على مَن يرغب أن يفهم حالة المطاردة، كما هي في حالة الاستعمار، أن ينظر إليها على أنها حالة تتركب من طرفين اثنين.. من فاعلين اثنين: الصياد؛ القاتل الذي يجتهد من أجل تحقيق الإبادة الكلية، كما فعل الأبيض مع الهندي الأحمر، وكما يفعل الصهيوني اليوم مع الفلسطيني. والتنين؛ المطارَد المقاوم، يقف أمام الصياد، وبينهما صراع على حالة وجود، ينسحب، ليس على الحاضر والمستقبل فحسب، بل وعلى الماضي أيضاً. ومن أجل التأكيد على فاعلية المطارَد في فعل المطاردة، يأتي زكريا زبيدي بأسماء من حركة تاريخ المقاومة الإنسانية، مثل تشي غيفارا الذي استمر في القتال حتى الموت، ومثل علي بن أبي طالب الذي نام في سرير الرسول ليُقتل مكانه، ومثل الحسين بن علي بن أبي طالب الذي خرج ليقاتل يزيد بن معاوية بن أبي سفيان وهو على دراية بأنه سيُقتل، وقد قُتل. وباستحضاره للأمثلة هذه، فهو يقول: إن المطارَدة هي حالة مقاومة، وإن المطارَد، بالتالي، لا يركض هرباً أو خوفاً على حياته من الموت، بل مواجهة لعدوه المستعمِر، من أجل أن يتمكن من ضربه ومن إلحاق الأذى به مدة أطول. الأمر الذي يعبّر عنه بقوله إن المطاردة، عند المناضل الفلسطيني، هي حالة مستمرة ما دام الاحتلال.

جمال الضاهر: أستاذ الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت.

عن مجلة الدراسات الفلسطينية العدد 132

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: جمال الضاهر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *