قد تتحول غزة من معقل لحماس إلى عاصمة لداعش

إن موت أربعة من جنودنا الشجعان هذا الأسبوع يُعيد فتح جراح جباليا الملعونة ، التي أودت بحياة العشرات من خيرة جنودنا في عمليات متكررة في أبعد مكان على وجه الأرض، وهو مكان لا يُؤثّر على شيء وبالتأكيد لا يُشكّل خطرًا على أمن إسرائيل . في هذه الأثناء، تتغير فقط تفسيرات الحاجة إلى تكرار نفس العملية مرة أخرى، و على الأرض نفسها – الشيء نفسه. مرة أخرى يحتلون، ومرة أخرى يُهجّرون المدنيين، ومرة أخرى يُدمّرون البنية التحتية المُدمّرة بالفعل، ويتنقلون بين كمائن العبوات الناسفة والقناصة، ويقضون على المزيد من الإرهابيين الذين انضموا للتو، ويقتلون قادة بعد أن قضوا بالفعل على أسلافهم الثلاثة. هذا بالضبط ما تبدو عليه المراوحة العسكرية في أبهى صورها، عمليات عبثية، واستغلال لجيشٍ يحتاج إلى ملء فراغٍ ناتجٍ عن غياب أهداف وخطط قابلة للتحقيق. الجيش المقاتل أشبه براصور يتم اطلاقه نحو الهدف. على الجيش أن يهاجم، ويدافع، وأن يناور بنيران وحركة إلى الأمام ، لا أن يدور حول ذيله كفيل تائهٍ يمشي في حقل ألغام.
الواقع الجديد لأطول حربٍ في تاريخنا بدأ يُكدّس حولنا كومةً من الإخفاقات واحدةً تلو الأخرى. أولها وأهمها، الفشل المُشين في إعادة جميع المخطوفين ، والفشل في هزيمة حماس، بما في ذلك الفشل في استبدال سلطتها ، وفشل محاولة تهجير الغزيين ، وتوزيع المواد الغذائية . إن هذه السياسة الملتوية والمتعرجة والفوضوية برمتها مرتبطةٌ ارتباطًا وثيقًا بالرغبة المتعمدة في عدم القيام بالأمر المنطقي والصحيح، وهو إعادة المخطوفين وإنهاء الحرب وتبني المبادرة العربية التي ستحل محل حكومة حماس، والاكتفاء بمواصلة الحرب . إن هذه السياسة الارتجالية برمتها تعاني من فشلٍ مُريعٍ تلو الآخر. لكن الفشل لم يتوقف في غزة. الفشل مستمر أيضاً ضد الحوثيين الذين يواصلون ادخال ملايين المدنيين إلى الملاجئ يوميًا، وهو الفشل السياسي الذي جعل إسرائيل مكروهة ومرفوضة في دول العالم، وبالطبع الفشل الإقليمي .
تترنح في الحرب، وتفوت فرصة لمواجهة إيران :
أنهت إسرائيل الحرب الحقيقية كقائدة إقليمية. في أعقاب إصرارها على إطالة أمد الحرب في غزة إلى أجل غير مسمى، وتوجيه الضغط نحو تصعيد القتال بين السكان، فقدت إسرائيل ما اكتسبته من احترام وتقدير في المنطقة، وتلاشى رصيدها العالمي وتحول إلى غضب واشمئزاز . إسرائيل أصبحت عبئًا إقليميًا يهدد استقرار المنطقة.
الفشل الذي يفوق كل شيء هو ضد إيران. نتنياهو يبني دعاية شعبوية زائفة للاحتلال المحموم في غزة، ليمنع ظاهريًا الكارثة التي وقعت، ولمنع تكرار سيناريو 7 أكتوبر، مع أن هذا التهديد غير موجود الآن . و بينما يناور في أنقاض غزة، تُبرم الولايات المتحدة “الاتفاق المؤقت” الذي يُشكل تهديدًا وجوديًا لا لبس فيه لإسرائيل : رفع العقوبات وتقوية إيران يُمثلان التهديد الأول لإسرائيل، التي تُفوّت، بسبب ضعف نتنياهو السياسي، الفرصة التاريخية لمنع إيران من امتلاك برنامج نووي. هذا الفشل اصبح حقيقة .
صورة حماس، التي نجحت في الصمود في الحرب ضد إسرائيل لما يقرب من عامين، تزداد بريقًا. فالجيش الإسرائيلي، الذي هزم جيوشًا ضخمة في غضون أيام، فشل في هزيمة حماس ” فشلاً مطلقاً “، وهي منظمة ” شباشب ” حسب تعريف نتنياهو. لقد تضرر الردع الإسرائيلي بشدة، ويزداد هذا الضرر في ظل وحشية الهجمات التي أصبحت غير شرعية . وهناك أيضًا إنجاز . لقد نجحت إسرائيل في ترجمة الاتفاق مع لبنان إلى إنجاز دبلوماسي هام، فرضته الولايات المتحدة علينا رغم معارضة رئيس الحكومة ، ورغم أن نتنياهو لم يُبدِ أي بادرة إيجابية سوى التلويح بالقضاء على نصر الله، إلا أن الاتفاق هو الإنجاز . تلقّى حزب الله ضربةً موجعة، لكنه لم يُهزم. مع ذلك، وتحت مظلة الاتفاق، بدأت الحكومة اللبنانية بتفكيك قوته وتعطي الامل بحدوث تغيير حقيقي . أما حماس، فبالمقارنة بحزب الله، تعرضت لضربات اقوى وأكثر ، إلا أنه في غزة لم يقم احد باجبار نتنياهو على التوصل إلى اتفاق سياسي ، وبالتالي فإن الإنجاز العسكري آخذٌ في التلاشي . إن حقيقة أن الجيش الإسرائيلي الذي يتحرك بدون هدف بين أنقاض غزة، يقتل أربعة مدنيين من أجل قتل عنصرٍ من حماس، تشير إلى تراجعٍ حادٍّ في فعالية العملية وابتعادٍ عن تحقيق أهدافها.
نتنياهو يناور بين أنقاض غزة:
إن سلسلة الإخفاقات المُتزايدة والمتراكمة تدفع نتنياهو أكثر وأكثر إلى الزاوية . لقد تمسك بالحرب التي أصبحت درعاً له ، لتحميه من ضرورة الاعتراف بالفشل المطلق . ففي هذه الأثناء فإن الطريق يقربه من التورط المطلق .
بفنٍّ لا يُجيده إلا نتنياهو، أدخل الجيش إلى فخ في غزة . نتنياهو أخرج من المعادلة الخيار السياسي لصفقة مخطوفين ، وترك لرئيس الأركان فقط خيار القتال . لقد دق نتنياهو مسمارًا ولواه بطريقة مشكوك فيها جدا أن يتمكن رئيس الأركان من انتزاعه.
دعونا نذكر أن أهداف الحرب قد تحققت في معظمها. فقد تم تفكيك حماس عسكريًا، ولم تعد حماس تسيطر فعليًا على غزة ، وبالامكان تنصيب حكومة بديلة هناك غدا صباحا . لم يعد هناك لحماس سبيل اليوم لتقوية نفسها . في الواقع، لا يوجد موضوع لا يوجد له حل عملي حاليا يمنع إنهاء الحرب . لكن نتنياهو شكّل وعيًا جديدًا لإخضاع حماس بصورة “النصر المطلق “، وهو تعريف منفصل عن الواقع وخالٍ من أي مضمون عملي، وأدخل الجيش فعليًا في حرب بدون مخرج . والأخطر من ذلك، أن ضعف حماس قد وصل إلى نقطة نما فيها بدلا منه الجهاد الاسلامي ومنظمات سلفية متطرفة أخرى ، تمامًا كما نما حزب الله بعد القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان . هذه قذارة ونجاسة . إن دعم إسرائيل لإنشاء ميليشيا مسلحة جديدة في غزة يُثبت أن نتنياهو لم يتعلم شيئًا. لقد أقام حماس ودعمها لإضعاف السلطة الفلسطينية، والآن يقيم داعش جديدة لإضعاف حماس .
فقط الاقتراح العربي لتشكيل سلطة بديلة لسلطة حماس يُشكل إجابة حقيقية وصحيحة للتغيير في غزة. لم تُكلف إسرائيل نفسها عناء الرد على مصر بهذا الشأن. ومن المعقول الإفتراض أن أحدًا في الحكومة لم يقرأ هذا الاقتراح.
في هذه الأثناء، يُصعّد الجيش الإسرائيلي، في ظل إحباطه الشديد، من عدوانية هجومه. لقد تحولت العملية إلى حرب على حساب السكان ، وهنا يكمن الخطأ الكبير . في مثل هذه الحرب، حماس فقط هي من تستطيع الانتصار . لقد تورطت إسرائيل بالفعل في توزيع المساعدات منذ الأسبوع الأول، ويتم اتهامها بارتكاب مجازر جماعية . هذا مسار لا مخرج له . صورة إسرائيل في حالة يرثى لها، وحماس تكتسب المزيد من الجرأة وتتعافى من الورطة الإسرائيلية.
رئيس الأركان عالق، والسؤال الذي يطرح نفسه هو : اذا وكيف يستطيع إيقاف ذلك ؟ إن تحديد خط وقف الحرب باحتلال 70% من الأرض يُحمّله، أولًا وقبل كل شيء 100% مسؤولية على السكان . ستبقى حماس، وهذا سيُسهّل عليها السيطرة على السكان المتمركزين في مابقي من الأراضي . وسيكون من الصعب على الجيش الإسرائيلي مهاجمة منطقة ذات كثافة سكانية مدنية عالية. إن السيطرة على 70% من غزة تتطلب قوة هائلة لا يملكها الجيش الإسرائيلي، وهذا ما يكشفه أمام للكمائن . وفي النهاية، تستطيع الحكومة الصورية التي لا تُدرك عواقب قراراتها، أن تأمر بالإجماع في لحظة واحدة باستكمال الاحتلال . ولكن الأمر لايحتاج الا إلى قرار واحد : إنهاء الحرب .
المصدر: موقع N12