فَهْم مجموعة “عرين الأسود”: ما الذي تكشفه وصايا شهدائها؟

نبذة مختصرة:
تحاول الدراسة تكوين فَهْم سوسيولوجي عن مجموعة “عرين الأسود” البارزة مؤخراً كنمط مقاومة مسلحة مستجَدّ السمات، اعتماداً على تحليل مضمون نصوص وصايا شهدائها بصفتها مادة تساعدنا في الكشف عن هوية المجموعة وحالة المقاومة فيها، تبعاً لدورها المركزي في تكثيف التفاعل مع المجموعة، وإثارة تخوّف الاحتلال من تنامي نشاط الكفاح المسلح في الضفة الغربية.
ويكشف تحليل الوصايا عن قدرة المجموعة على إعادة تعريف الموت وإنتاجه عبر تمجيد الموت (الاستشهادي) ورفض تطويع الجسد، وعن تجلّي وعي أفرادها بعلاقة الفلسطيني مع المحتل وبالفلسطيني الآخر. كما تبيّن أن للوصايا دوراً مركزياً في التعبئة الجماهيرية وتشكيل الحاضنة الشعبية للعرين، مع قدرتها على إحياء نموذج البطل ودوره في إنتاج تعاقبية فعلَي المقاومة والاستشهاد.
النص الكامل:
مقدمة
إن ما شهده شمال الضفة الغربية من حالة تنامٍ في فعل المقاومة على صعيد المجموعات المسلحة الناشئة بحراكها في فضاء واقع بين مطرقة الاحتلال الإسرائيلي وسندان السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية، يجعل من هذه المجموعات ظاهرة تستحق الدراسة بصورة تُفضي إلى التعرف أكثر إلى حالة عملياتها النوعية التي نفذتها في المرحلة السابقة، في ميدان يعاني تعقيدات أمنية وجغرافية كثيفة، وذلك من خلال القضايا التي حاولتْ إثارتها، والتساؤلات التي طرحتْها منذ لحظة التكوين.
في سنة 2022، من مدينة نابلس، تكوّنت “عرين الأسود”، تلك المجموعة التي شكلت حالة في الساحتَين الميدانية والإلكترونية عبر اشتباك الفضاء المجازي مع الفضاء المكاني الواقعي الذي انبعثت منه، الأمر الذي ساهم في توسيع حاضنتها الشعبية على المستويَين المحلي والدولي، وإثارة قضية تستحق البحث وهي انتشار وصايا شهدائها عند اشتباكهم الأخير على شكل تسجيلات صوتية – غالباً – كان لها الدور في وضع عمليات الاشتباك المسلح الاستشهادي في قلب مركزية التأثير، عبر قدرتها على حشد إمكانات النضال وبلورة التحام الفضاء الاجتماعي مع فعل الشهيد. وبهذا تجادل الدراسة في أن وصايا شهداء المجموعة لم تقتصر على البُعد العاطفي فقط، بل إنها نصوص محمّلة برسائل وأفكار لها أبعادها الاجتماعية والسياسية، وهي قادرة على تشكيل حضورها وتاريخها عبر إنتاج معرفة عن هوية هذا الشكل من المقاومة ضمن سياق الممارسة الواقعة فيه.
وعند تحليل هذه النصوص وتفسيرها سوسيولوجياً سيتم الكشف عن تمظهرات دوافع المجموعة، وتجسيدها لخطاب يسعى لتأصيل قيمة الاشتباك المسلح وتعميق الوعي بضرورة تكثيف عمليات المقاومة واستمرارها، ولا سيما أن بعض الوصايا انبعث من إرث وصية شهيد سابق (شهيد يرث وصية شهيد). وهذا كله انطلاقاً من مقولة البحث الأساسية التي تعتبر الوصايا مادة مصدرية لفهم “عرين الأسود”، ذلك بأن البيانات العسكرية التي كانت تصدرها هذه المجموعة، والوصايا بصفتها خطاب الشهداء المروي شفاهياً، هما الحدث الخطابي للمجموعة الذي بلور وأسس لحيّزها الوجودي فكراً وفعلاً مقاوماً، كما أن الفاعلين فيه بالإنتاج والتداول والتأثير كانوا الشهداء والمطاردين من أفراد المجموعة.
وعليه، ينطلق هذا البحث من سؤالين مركزيين هما: ما الذي تكشفه لنا وصايا شهداء “عرين الأسود” عن سوسيولوجيا حالة المقاومة في نابلس؟ وكيف نقرأ الوصية كخطاب يحمل مضامين اجتماعية وسياسية ووطنية؟ فضلاً عن سؤال فرعي قادنا سياق البحث إليه وهو: كيف نقرأ الوصايا كروايات أو شهادات شفوية لها وظائف سوسيولوجية؟
ويهدف هذا المنطلق البحثي أيضاً إلى محاولة تقديم مساهمة علمية في دراسة وتحليل مضمون وصايا الشهداء بصفتها مصادر شفوية قدّمت تصوراً للمجموعة، ونصوصاً تحمل مدلولات سوسيولوجية، الأمر الذي ربما يشكل إضافة نوعية إلى الدراسات المشخّصة لحركة المقاومة الفلسطينية استناداً إلى محركاتها في الزمان والمكان الموجودة فيهما اليوم، ولا سيما أنه بعد مراجعة بعض الأدبيات السابقة ذات الصلة بظاهرة المقاومة عامة، وحالة الشهادة خاصة، يمكن القول إن الوصايا كمادة تحليل لم تحظَ بالبحث والدراسة في هذا الحقل المعرفي، وخصوصاً المصورة والمسجلة منها.
فعلى سبيل المثال، بيّنت دراسة عبد الرحيم حمدان[1] لوصايا شهداء فلسطين شخصية الشهيد ودوافعه إلى الاستشهاد، تلك الوصايا التي كُتبت بصيغة أدبية وأسلوب نثري غلب عليه التأثر بالموروث الديني أو الشعري، والتي خطّها الشهداء قبل الاستشهاد ولم تأخذ بُعداً إعلامياً لما يحمله من غاية نشر رسائل سياسية. وتكشف هذه الدراسة أيضاً عن بواعث الاستشهاد في مضامين النصّ الوصياتي الذي لم يُكتب وفق أسلوب منمق، وإنما انبعث من لحظة الموت ذاتها، ومن دون أدنى جهد في عملية الصوغ، ذلك بأن معظمها سُجّل عفوياً وباللغة العامية المحكية. كما أنها وصايا حضرت في المشهد الإعلامي، وعرَّفت بمجموعة ناشئة تتبع منهج العمل المقاوم المسلح الذي يفرض علينا الإشارة أيضاً إلى الجسد الفلسطيني كأداة في المواجهة، وإلى القيمة الاجتماعية للشهيد في السياق الفلسطيني كإحدى وحدات التحليل.
وفي هذا السياق، سعت دراسة بلال سلامة[2] للكشف عن تطور الجسد الفلسطيني كأداة مقاومة، من خلال تحليل الكيفية التي حوّلته إلى وسيط قتالي في صراعه مع الاحتلال في سبيل الدفاع عن الوجود الجمعي في السياق الاستعماري، الأمر الذي جعل العمليات الاستشهادية تعكس تغلّب الفلسطيني على الخوف من الموت في سبيل تحقيق انتصار معنوي على سلطة الاضطهاد المتشكلة من واقع المعيش تحت سيادة الاستعمار.[3] من هنا، يمكننا لاحقاً فهم تجليات إرادة فعل اختيار الموت وتقديس الكفاح المسلح في وصايا شهداء العرين الذين يؤمنون بأن “الجسد بماديته الفردية ومجازيته الجمعية”[4] قادر بفعله الاستشهادي على التأثير، لما يحمله من وعي تحرري يكشف أن الفرد الفلسطيني يعي دوره وإمكاناته في مواجهة الاحتلال.
أولاً، مجموعة “عرين الأسود”: مدخل تاريخي عام
1 – سياق النشأة وعلانية التأسيس
في سنة 2021، وفي ظل وبعد معركة “سيف القدس” التي حققت وحدة ساحات النضال في كامل جغرافيا فلسطين التاريخية،[5] شهدت الضفة الغربية تصاعداً في المواجهات والاشتباكات مع قوات الاحتلال، وتنامياً في عمليات المقاومة الفردية مع بدء ظهور تشكيلات مسلحة بيّنت تفكيك محاولاتِ الاحتلال وأجهزة أمن السلطة تغييبَ تجارب المقاومة المسلحة في الضفة الغربية. وهذه المجموعات أظهرت في ذلك الوقت قدرتها على تبديل ظرفية الاشتباك، والانتقال بمعظمه من الدفاع إلى الهجوم، مع تطور أدواتها القتالية وخبرتها الميدانية في تنفيذ عمليات نوعية. وكانت “كتيبة جنين” أولى هذه المجموعات في الظهور العلني، وقد أسسها الشهيد جميل العموري،[6] واتخذت من المخيم مقراً لها، وأُعلن تشكيلها عقب عملية “نفق الحرية”[7]حين أبدت استعدادها لحماية الأسرى الستة الذين تمكّنوا من انتزاع حريتهم من سجن جلبوع. بعد ذلك لوحظ امتداد أعمال المقاومة وازدياد الاشتباكات في عدة مناطق، الأمر الذي كشف عن إنتاج تجربة الكتيبة في مدن أُخرى، وكان أبرزها مجموعة “عرين الأسود” في نابلس.
تشير المصادر[8] إلى أن انطلاقة هذا التشكيل بدأت في شباط / فبراير 2022، في إثر اغتيال قوات الاحتلال الشهداء: أشرف مبسلط، ومحمد الدخيل، وأدهم مبروكة “الشيشاني”، بإطلاق النار على مركبتهم بسبب نشاطهم المسلح في التصدي للمستوطنين. وقد أثارت العملية غضب الشارع في الضفة الغربية، والتفّت جماهير نابلس حول الشهداء في موكب تشييع كبير شارك فيه إبراهيم النابلسي الذي كان أحد أبرز أفراد هذا التشكيل،[9] والذي نجا من محاولة الاحتلال المقصودة لاغتياله حينها، فأصبح بعدها المطارَد الأبرز في الضفة الغربية وبطلها الشعبي الذي تحدى الاحتلال في ظهوره العلني في جنازة وداع رفاقه.
في ليلة 24 تموز / يوليو، اقتحمت قوات الاحتلال البلدة القديمة في نابلس، وحاصرت بيتاً تحصّن فيه عدد من المسلحين والمطاردين المتهمين بتنفيذ عمليات وخوض عدة اشتباكات مسلحة ضد جنود الاحتلال ومستوطنيه. وقد شهدت حارة الياسمينة اجتياحاً كبيراً، واشتباكاً مسلحاً عُرف بـ “معركة حارة الياسمينة”، وتولّى فيه محمد العزيزي[10] التصدي لتأمين انسحاب رفاقه وبينهم النابلسي، لكن رفيقه عبود الصبح[11] كان لا يزال مشتبكاً من أعلى أحد المنازل، ثم انضمّ وديع الحوح[12] ومحمد حرز الله (أبو حمدي)[13] إلى اشتباك مجاور لمساندتهم في تغطية سائر المطاردين وحمايتهم، فنجا النابلسي وجميع المطلوبين باستثناء العزيزي وصبح، بينما استشهد بعد ذلك أبو حمدي متأثراً بإصابته برصاصة في رأسه.
وهنا، مرة أُخرى، تحدى النابلسي الاحتلال وظهر في تشييع رفاقه حاملاً جثمان رفيقه العزيزي وسلاحه، متعهداً باستكمال طريقه، فقد “كان من اللافت العلاقات التي تجمعهم والصداقات بينهم، ما ساهم في تطور تجاربهم الفردية، وصولاً إلى ولادة عرين الأسود”[14] في أيلول / سبتمبر 2022 خلال حفل تأبين الشهيدَين العزيزي وصبح حين أُعلن رسمياً تشكيل المجموعة في كلمة كشفت عن رؤيتها وغايتها، وألقاها ملثّم وسط جمهرة شعبية واسعة وظهور لعدد من المسلحين.
2 – في السمات والجدوى
بعد ظهور المجموعة العلني، بدأت تتجلى ملامح تشكيلها لظاهرة جديدُها أنها تتجاوز الفصائلية والتنظيمات التقليدية، ويندمج عناصرها تحت خطاب وطني جامع لتباين انتماءاتهم التقليدية، إذ يتبيّن من تتبُّع سِيَر وأقوال قادة وشهداء العرين أن المجموعة تأسست على منهج يرفض خطابات التنظيمات والحركات الفلسطينية وربما خياراتهم السياسية، مع أنها تضم أفراداً من “كتائب شهداء الأقصى” التابعة لحركة “فتح”، ومن “سرايا القدس” التابعة لحركة الجهاد الإسلامي، ومن حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، و”أن بعض هذه الرموز والقيادات الشابة تنتمي لأسر لها مناصب قيادية في الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية، وهذا بحدّ ذاته مؤشر على درجة استقلالية هذه الظاهرة النضالية عن المنظومة الرسمية ومجمل المرحلة السابقة ووعيها وخطاباتها”،[15] مثلما يؤكد مختلف بيانات المجموعة التي حرصت على أن تتبنّى شعار المقاومة الموحدة. ففي حوار أجراه وديع الحوح قبل يومين من استشهاده، قال: إن “أهم أسباب حصول مجموعة عرين الأسود على التفاف ودعم من الشارع الفلسطيني والنابلسي، هو نبذ الفصائلية والحزبية التي أتعبت شعبنا منذ النكبة.”[16]
إن بلورة أنماطِ مقاومةٍ خارج حدود الإطار البُنيوي التقليدي والموحد للفصائل السياسية، ربما تعكس مدى رفض الحالة السياسية الضعيفة للسلطة، وإدراك طبيعة علاقاتها مع الاحتلال. فالدافع لهذه المقاومة كي تُنشىء ذاتها من تشكيلات شبابية منبعثة من الميدان الشعبي ومنصهرة فيه، إنما هو نتاج الوعي بواقع المنظومة السياسية، ولهذا فإنها نشأت من سياق غياب الثقة بخطاب السلطة وحلولها السياسية، والتي أخذت تفاوضهم بعروض مادية طالبة منهم تسليم سلاحهم في مقابل الانضمام إلى أجهزتها الأمنية،[17] أي أنها عملت مع الاحتلال على احتواء هذه الظاهرة وفق سياسة التنسيق الأمني، وادعاء حماية المقاومين والحفاظ على حيواتهم. وانطلاقاً من هذا الأمر اعتقلت في أيلول / سبتمبر 2022 المطارد مصعب اشتيه، المنتمي إلى “كتائب القسّام”، والمتهم بتمويل المجموعة ودعمها.
تتعدد أسباب السلطة ودوافعها في ذلك، وتتطلب تحليلاً لشكل خطابها وممارساتها السياسية منذ عقود. لكن المهم ضمن سياق هذا البحث هو الكشف عن جدوى هذا الشكل من المقاومة الذي دفع الاحتلال إلى تدشين عملية “كاسر الأمواج”[18] للتصدي له، وذلك من خلال قراءة “عرين الأسود” بصفتها حالة مقاومة وطنية تخوّف الاحتلال منها كفكرة مثلما هي ممارسة. فعلى الرغم من التحديات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تصعّب على العرين الاستمرارية والصمود، وتعوق نمو مجموعته وديمومتها، فإن الحالة التي أثارتها بياناتها العسكرية ووصايا شهدائها والقبول المجتمعي لهم تكشف كيف أنها ألهمت ظهور تشكيلات أُخرى. وهذا الأمر يعود إلى عدة أسباب أهمها تشديدها على الكفاح المسلح، وتأكيدها معاني الفداء وأساليب المقاومة في ذاكرة الشعب الفلسطين وتمثلاته من خلال التركيز على الوصايا كأحد أساليب إنتاج الوعي النقدي الثوري، فضلاً عن الحاضنة الشعبية التي أنتجتها وساهمت الوصايا في تشكيلها، كالمؤازرة الشعبية التي حضرت حين أخذ العرين يُصدر بياناته العسكرية، ويتبنّى العمليات، وينعى الشهداء، ويخطب بالناس حتى ترددت الاستجابة في عدة مناطق في الضفة الغربية كما في نابلس، وهو ما تجلّى في احتشاد الناس في مسيرات وإضرابات واحتجاجات على اعتقال أفرادها، وفي تشييع الشهداء الذين أُنتجت لقصصهم أغنيات وطنية، وفي تنظيم المبادرات لأرواحهم، وإحياء ذكرى استشهادهم، كما لا يكاد يخلو حائط في البلدة القديمة من صورهم.
أضف إلى ذلك نتائج استطلاع “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية” (PSR)، والتي أشارت إلى أن 72% من مجموع الفلسطينيين يؤيدون إنشاء مزيد من الجماعات المسلحة في الضفة الغربية، وأن 79% منهم يرفض تسليم المقاتلين إلى السلطة الفلسطينية، و87% يرفضون فكرة حقّها في اعتقالهم.[19] وهذا كله يشير إلى أهمية هذا التشكيل المسلح على صعيد النظرية والممارسة معاً، من حيث خطابه الوطني التعبوي الذي يراهن على ضرورة الوعي الثوري، وما يمكن أن يحدثه من تحولات تساعد على إعادة إنتاج المجموعة في فضاءات أُخرى تساهم في تعميمها وامتدادها كظاهرة.
ولهذا كثّف الاحتلال جهوده لقمع العرين منعاً لاستنساخ تجربته في مدن أُخرى، متناسياً أنه يمثّل الشرط المادي لوجودها، وأن نشأتها ونشأة سواها مرتبط بوجوده، وهو ما حرصت المجموعة على ذكره في خطاب إعلان التأسيس بالقول: “إن روح المقاومة متجذرة، وإن غطرسة المحتل بقتل وسفك الدماء تفرض علينا معارك متجددة قد لا يُتوقع شكلها، ولا تُقرأ طبيعتها مسبقاً، وما يحدث اليوم هو أكبر برهان.”[20] ومنه نشير إلى وجود مؤشرات تتيح لنا فهم جدوى المجموعة من منطلق صلتها بالإرث التاريخي القديم لنماذج مقاومة مسلحة احتضنتها مدينة نابلس في الانتفاضتين وما بعدهما.
فعلى سبيل المثال، اتخذت العرين من البلدة القديمة مقراً ومركزاً للتحصن، وخاضت في أحيائها، كحوش العطعوط وحارة الياسمينة عدة اشتباكات، وهي الأمكنة ذاتها التي تحصنت فيها مجموعات “فارس / فرسان الليل”[21] في نابلس قبل نشأة العرين بعشرين عاماً؛ “إذ طالما شكلت معمارية كل من البلدة القديمة وحارات نابلس ومخيم جنين، حاضنة مكانية للمجموعات المسلحة وبؤر حماية للمقاومين، ومواقع للاشتباك وتنفيذ العمليات ضد جنود الاستعمار.” [22] ومع أن أعمار شهداء العرين تُبيّن أنهم لم يشهدوا فعل تلك المجموعات، إلّا إنهم أدركوا تاريخها وربما أسسوا عليه، فمثلاً أشار النابلسي إلى أنه لقب نفسه بـ “أبو فتحي” تيمناً بالشهيد نايف أبو شرخ – أبو فتحي، أحد مؤسسي “فرسان الليل”، الأمر الذي ربما يشير إلى دور المكان جغرافياً وتاريخياً في تأسيس العرين ليكون أحد نماذج استنساخ، أو إعادة إنتاج تجربة المقاومة المسلحة وظاهرة المطاردين في جيوبها في الضفة الغربية، بصفتها أماكن تمركز وتأسيس وتحصّن لخلاياها على امتداد تاريخ الكفاح المسلح، وخصوصاً أنه نمط مقاومة بُنيوي متجذر في ثقافة الشعب عامة، وفي جغرافيا هذه المناطق وبيئتها الاجتماعية خاصة. فاحتواء مجموعة مسلحة أو القضاء عليها لا يعني سلخ المقاومة عن الضفة الغربية، وهنا تكمن جدوى العرين وغيرها من التشكيلات السابقة واللاحقة.
3 – الوصايا: مصدر لفهم المجموعة
بالعودة إلى غاية فهم “عرين الأسود”، تجدر الإشارة إلى أن سرّية النشاط المسلح للعمل المقاوم، مع راهنية ظاهرة العرين، تفرضان علينا إشكاليات أمام فهم عمقها، ذلك بأن ما يُكتب عنها يقتصر على المعلومات المتاحة والمؤشرات الظاهرة، مع إشكالية تأطيرها تاريخياً. فنحن نتعامل مع حدث معاصر، وفاعلوه الأساسيون هم ما بين شهداء ومعتقلين، ومطاردين ومجهولين، الأمر الذي يُصعّب عملية تأطيرها وتتبّعها ضمن سياق عام متصل، والانطلاق في فهمها سوسيولوجياً من وقائع تكشف عن مدى الارتباط المباشر للعرين بما يجري في جنين أو القدس أو غزة مثلاً، وعن شبكة العلاقات والتفاعلات التي تحدد صلته بأفراد التشكيلات المسلحة الأُخرى. هذا كله يفسح المجال للتفكير في فرضيات متعددة، ولربط معرفتنا بالظاهرة بالتأويلات والتصورات التي يمكن أن تساعدنا على تحقيق مستوى جيد من الفهم انطلاقاً من الممكنات من المصادر المتوفرة عنها، وهي ذاتها التي يُعتمد عليها في كتابة التاريخ الراهن، “إذ إن للتاريخ القريب مصادره وهي مكتوبة، وشفاهية، ومصورة، ومسموعة”،[23] وهناك “المصادر التي توفرها وسائل الاتصال الحديثة من إنترنت ومصادر رقمية.”[24]
وعليه، يمكن فهم المجموعة استناداً إلى المادة الأولية المتوفرة عنها، والمتمثلة في البيانات التي تصدرها، وفيما يمكن رصده من صور وفيديوهات خاصة بأعضائها، ومن المقابلات التي أُجريت مع أهالي شهدائها ومعارفهم، إلى جانب وصاياهم الشفوية التي تمثل مادة التحليل هنا، بصفتها مادة مصدرية وأحد أشكال خطاب الرواية الشفوية الصادرة عن المجموعة، والتي تعكس وظيفتها الاجتماعية وقيم أصحابها وتمثّلاتهم المروية أو المعبّر عنها شفاهياً. لذا جاء اختيارنا لمادة الوصايا تحديداً من طرحنا للتفكير في وصايا الشهداء عامة، ليس باعتبارها مصدراً مهماً لمؤرخ الزمن الراهن والباحث السوسيولوجي على حد سواء، بل لأنها تساهم في بناء ذاكرة عن الحدث المقاوم وفاعله وتكوين أرشيف النضال الفلسطيني الشفوي، وهو ما يعزز دورها كوثيقة ذات وظائف سوسيولوجية.
4 – الوصايا كروايات شفوية وأداة تذكّرية
من منطلق أهمية الشهيد كفاعل، وأهمية وصيته كأداة للتوثيق، يمكننا التعامل مع الوصايا على أنها واحدة من أشكال المصدر الشفوي الذي “من شأنه أن يؤرخ للحدث المنسي وللذاكرة الجماعية، وأن يسهم في بناء المسارات المجتمعية”،[25] لكن باختلافٍ يتجاوز المفهوم السائد عنه، ليميزها كروايات شفوية ذاتية من غيرها من الشهادات، ويجعل منها مصدراً يعزز سائر المواد المروية عن الحدث ذاته، كظرفية السرد التي تعطيها قيمتها الوثائقية بتغييب عمليات التأطير، أو تناول الحدث من المنطلقات الأيديولوجية لرواية الآخر، ولأنها نموذج لحالة الرواية الخام وصيغتها الأولية، ذلك بأنها تخلو من عملية إعادة إنتاج سردية الحدث كونها لا تنتمي إلى ذات غيرية، كما أن سياق إنتاجها موحّد، والراوي هو الفاعل المباشر في الحدث الذي رواه بالتسجيل الصوتي في اللحظة الزمنية ذاتها لوقوعه، وهو ما يجعلها تتجاوز إشكاليات النقل والتذكر كالنسيان وضبط السياق الزمني.
وبالتالي، فإن الوصايا تساهم في تطوير النصّ التاريخي للمقاومة الفلسطينية، وفي المحافظة على ثقافة التذكر في السياق الفلسطيني، كونها تُغني الذاكرة التي تُعدّ “أحد المكونات الأساسية لتاريخ الزمن الراهن، وكذا إحدى خاصياته المميزة”،[26] وتُكثّف رمزية الكفاح المسلح والمقاومة الشعبية في الهوية الثقافية الفلسطينية التي تمثّل أحد الأبعاد السوسيوثقافية التي تحظى باهتمام الباحثين في حقل دراسات الذاكرة. وهنا يبرز دورها في مواجهة النسيان، لأنها صيغت بطريقة / أساليب لغوية تجعلها قابلة للتذكر، كالتركيز على العبارات الوجدانية وتكرار الألفاظ وتشابهها، واستخدمت الصيغة الخطابية في توجّهها إلى الجماهير، وهي موثّقة بالتسجيل الصوتي للفاعل الذي يُثبت صدقيتها، وتداولُها معزّز عن طريق النشر الرقمي، فضلاً عن عملية توارث هذه الوصايا بالعمل بما جاء فيها بصفتها رسائل إلى المقاومين.
ويمكن أيضاً النظر إلى الوصايا على أنها ذاكرة مضادة تسعى بالتوثيق الحي لمواجهة الرواية الإسرائيلية التي تؤطر الحدث وفق أهوائها وما يخدم مصالحها. ويتمثل جدوى ذلك في أهمية بناء ذاكرة شعبية، ومستقبل جيل جديد من المقاومين، مُحرِّكُه الأساسي الشرعية التاريخية والذاكرة الواعية، إذ إن “جميع التنظيرات الذاكراتية تعتبر الذاكرة الجمعية واقعاً سوسيولوجياً مفروضاً على الأفراد، بل إنها تسهم في التأثير في سلوكياتهم وتصرفاتهم.” [27]انطلاقاً من هذا الأمر، نشير إلى أن الشهيد هو مَن يبني الذات المقاوِمة للجماعة الفلسطينية عبر فعله الاستشهادي الذي يُعدّ النمط الأكثر فاعلية وتأثيراً، ذلك بأن إضفاء الأهمية على وصايا شهداء العرين من هذا المنظور يتجاوز حدود الحدث بتحقيق الوعي الاجتماعي والسياسي بالمجموعة، ولا سيما أنها عبّرت عن نفسها شفهياً وسلوكياً حين انتقلت إلى مستوى الممارسة بخطابها. ولذا، فإن التعامل معها كنموذج من التاريخ الشفاهي يفيدنا كمادة / مصدر لتدوين تاريخ العرين، وخصوصاً أننا نتعامل مع لغة تعبيرية آنية وعفوية لا تكلّف فيها، وتعبّر عن فكر ودوافع ومكنونات ذاتية.
وعليه، يمكن القول إن الوظيفة السوسيولوجية للوصية الشفوية تتشكل من حيث مساهمتها في كتابة التاريخ الاجتماعي المعاصر للمقاومة بأبطالها وظروفها، من خلال الرواية والتوثيق. فهي تبني ذاكرة لهذا النمط من المقاومة بصفتها تأسيساً آنياً لتاريخ لاحق، وتُخرج المقاوم من حاضر فعله ليعانق تاريخه عبر شهادته الشفوية عن حالة مقاومته التي هدف بكلماته إلى توثيق ثقافتها في الوعي الشعبي. وبهذا لا تكون الوصية جزءاً من ماضي أحداث عملية مقاومة الشهيد فقط، بل إنها قادرة أيضاً على تأسيس ممارسات مقاومة مقترنة بالوضع السياسي والاجتماعي للفلسطيني في سياق وجوده تحت الاحتلال.
ثانياً: مضامين الوصايا وحمولتها السوسيولوجية
1 – إنتاج الموت وإعادة تعريفه
يمكن الكشف عن قدرة العرين على إنتاج الموت وإعادة تعريفه ورفض تطويع الجسد في فعل نعي الشهيد لذاته في لحظة الاشتباك، ورفضه تسليم نفسه، الأمر الذي يقدم مستويين متداخلين من التفسير:
أ) إن يقينية الموت المتجلية في فعل نطق الشهادة وقول الشهداء: “أنا استشهدت يا شباب، أنا هيني محاصر ورايح أستشهد“، [28]“ادعولنا يا شباب إحنا استشهدنا”، [29]“إني أوصيكم بأن تكونوا على عهدنا نحن الشهداء”،[30] “أخوكم محمد الجنيدي أبو بكر، الشهيد بإذن الله اليوم بكون”،[31] تجسّد قدرة مجموعة العرين على أن تُلازم نشاطها الفكري بالممارسة الفعلية المتمثلة في الاشتباك حتى الاستشهاد، ذلك بأن قراءتها وفق مفاهيم النظرية والممارسة في الفلسفة الماركسية تُظهر مدى إدراكها واقع الصراع الذي يفرض على أفرادها المقاومة بالعمل الثوري والنضال الفعلي لإحداث التغيير، فتكون “القيمة الأهم بالنسبة إلى الفدائي هي كونه واعياً بأنه غير منكفىء عن القيام بدوره، ولا يهمّه أن تكون احتمالية استشهاده واردة جداً، إن لم نقل حتمية بحكم دوره، [ف] ما يهمّه حقاً هو تغيير الحالة الكائنة لحالة ما ينبغي أن يكون، أي مواجهة الاحتلال بهدف كسره وتحرير الأرض.”[32]
وهنا يمكن القول إن علاقة مقاومي العرين بالممارسة تتجسد في الاشتباك الذي ينفي المثالية عن خطاباتهم، فهو ليس فعلاً قتالياً منزوع الوعي، وإنما يدخله الفدائي واعياً بثقافة الكفاح المسلح وغاياته ونتائجه التي منها “الاستشهاد”. ففي فيديو للحظة اشتباك أحد القادة البارزين في العرين، وهو محمد حرز الله، مع عناصر الاحتلال، خاطبه أحدهم طالباً منه الرجوع، إلّا إنه ردّ: “خلص يا عمي محدش يتدخّل فيي، في ناس بتتقتل قاعدة وبتقلّي إرجع“، وواصل المواجهة الميدانية حتى أُصيب ثم استشهد. كما ذكرت والدته في مقابلة معها بعد استشهاده قوله لها قبل أسبوع من ذلك: “أنا مشروعي يمّا مش زواج. أنا مشروعي شهادة وبس.” كذلك قالت والدة الشهيد محمد الدبيك[33] إن ابنها كان يسعى من خلال المقاومة للنصر أو الاستشهاد، وطلب منها أن تهيىء نفسها لتكون والدة شهيد كغيرها من أمهات مقاومي العرين.
هذا يعني أن الاستشهاد هو الفعل المتّسق مع فكر المجموعة الذي كشفت عنه بخطاباتها وبياناتها السياسية، فكانت نقطة الانطلاق بالممارسة، ذلك بأن هذه الخطابات من دون فعل الاشتباك كانت ستبقى مجرد خطابة لا مساهمة فعلية لها في محاولة إحداث تغيير. بينما الاستشهاد (بما ينتجه من معانٍ) هو الدلالة على وحدة النظرية والممارسة التي تصوغ الكيفية والطريق الأمثل لبلوغ هدف التغيير لدى العرين، والمتمثل في غاية صناعة المدينة المقاومة وفق خصوصية نابلس جغرافياً وتاريخياً مع الاستيطان، ولا سيما أن الحالة النضالية في نابلس هي الأكثر خطراً على العدو تبعاً لكثافة الوجود الاستيطاني على امتداد جغرافيتها.[34]
ب) ما سبق هو محاولة للتفكير في معنى أن يَنعى الشهيد ذاته وهو حي قبل أن يتحقق فعل الموت كي يقسم موته الاستشهادي إلى طورَين: موت رمزي متخيل وحسّي، وموت حقيقي فعلي. وما بين مرئية الموت وإجرائية الموت – بالنسبة إلى الشهيد – نعي لقبوله للحياة في ظل الاستعمار، ولهذا أنتج شهادة موت الجسد الاجتماعي قبل الموت المادي البيولوجي. وهذا الأمر يأخذنا إلى المستوى الثاني من التفسير وهو أن الموت في سياق استعماري يمثل للشهيد المشتبك حالة تحرر للجسد الذي يحاول الاحتلال أن يُخضعه لسلطته ويفرض السيادة عليه، إذ إن ممارسة فعل الموت بإرادة حرة من شهداء العرين المعبّر عنها في وصاياهم بقولهم: “ما هربنا وضلينا زلام.. تأكدوا إنو ابن السرايا ابن تنظيمكم ما هرب وضل زلمة ولسّاتو محاصر لحد هاد الوقت ومش رح أسلّم حالي”،[35] “بسلمش حالي، أنا وأخوي جنيدي تحاصرنا يا إخوان“،[36] “أنا هيني محاصر ورايح أستشهد”،[37] تخلق قوة رمزية قادرة على أن تنزع من الاستعمار سلطته على خلق الموت الفلسطيني.
يتكاثف هذا المعنى من التفسير إذا اشتبكنا مع المستوى الأول وقرأنا في نعي الشهيد لذاته تعبيراً عن نفي قابليته للخضوع، ورفضه تسليم نفسه إلى الترويض في منظومة المعتقل، ودليلاً على اختياره الحر للموت بالصورة أو الطريقة التي يختارها هو وفق روايته، متصالحاً مع مكان موته وزمانه؛ ففي قهر الموت عن طريق الاختيار الطوعي له بصفته “استشهاداً” تحدياً لإرادة العدو في تقرير مصيره. انطلاقاً من هذا الأمر، يمكن تحليل اللحظة التي اختار فيها المشتبك أن يسجل وصيته وينعى موته كفرد تمارَس عليه السلطة قبل موته كفرد متجسد، ليكون شهيداً مجازاً قبل أن يصير شهيداً حرفياً، بأن المقاوم في العرين يعي أهمية الموت بصورة مقبولة اجتماعياً في سياقه الفلسطيني، فنعى جسده المشكَّل اجتماعياً على رفض التحكم فيه وضبطه والرقابة عليه، والمستقبِل للتمثلات الاجتماعية التي تصور فيه على المستوى الجمعي، معاني العودة، وذلك استناداً إلى مقولة الناشف: “إن إرادة الخيار الجماعية التي تقف في أساس منظومة الشهيد بحدّ ذاتها تنفي رمزياً سلطة النظام الاستعماري على إدارة شؤون الموت الجماعي الفلسطيني، وبهذا فشكل الموت الشهيدي يحدد حياة جماعية تمثيلية، وطنية في هذه الحالة.”[38] وهذا ما بيّنه الناشف تفصيلاً في كتابه “صور موت الفلسطيني” الذي تتبّع فيه طرائق الموت ليكشف عن قيمته ودوره بهيئته الاستشهادية، فقرأ في طور الموت لذات الشهيد أنه “ينتزع السيطرة على موته هو كفرد ليمثل إمكانية الانتزاع الجماعي من دون أن يتحقق الأخير بالضرورة سببياً في إثر الشهادة الفعلية.”[39]
2 – تجليات الوعي القيمي والعلائقي
تكشف نصوص وصايا شهداء العرين عن وعيهم بالقيم الاجتماعية والوطنية، وبعلاقة الفلسطيني بالآخر الفلسطيني وبالمحتل. وهذا الوعي المشكِّل لسلوكهم النضالي الوطني، والباعث على فعلهم الاستشهادي، سببه قِيَم تضفي المعنى عليه، وهي حصيلة التجربة الجمعية للشعب الفلسطيني مع الاستعمار، وواحدة من محددات هوية مجتمعه وسلوكه في الحركة الثورية. ولهذا لم تخلُ وصية واحدة من الإشارة إلى القيم التي حددت في مضمونها علاقتهم بالآخر، ووجّهت فعلهم التضحوي، كالحرية والفداء والبطولة والأرض والعِرْض والكفاح المسلح والقيم الأُسرية، وقيمتَي التسامح والدعاء.
فعلى سبيل المثال، تُعدّ الأم والبندقية وطلب المسامحة ثالوثاً ظهر كمتلازمة لغوية في وصايا الشهداء الذين توجّه العديد منهم إلى أمهاتهم بالتعبير عن حبهم لهن وقيمتهن عندهم، وبطلب الاعتزاز بهم وباختيارهم طريق الشهادة. فذكر النابلسي في وصيته عبارة: “أنا بحب أمي” التي كرّرها الشهيد اسليم في قوله: “بحب أنا كل الناس وبحب كل الدنيا وأنا بحب أمي، ارفعوا راسكم فينا يا إخوان.” أمّا الشهيد الحلّاق فوصى بوالديه قائلاً: “ديروا بالكم على أمي وأبوي”،[40] كما توجّه الشهيد الحوح بوصيته إلى جميع الأمهات الفلسطينيات وخاطبهن بالقول: “إلى أمهات الشهداء والجرحى والأسرى لقد كنتنّ المنع الحصين لهذه البلدة لأنكنّ أنجبتنّ جيلاً مخلصاً لله ورسوله الكريم. أنتم تيجان الرؤوس.” وهذا الأمر ربما يكشف عن أبعاد نفسية، لكنه من جانب آخر يحمل دلالة على قيمة الأم في سياق احتلالي، من حيث إنها ضمان استمرار المقاومة في مجتمع كثيف التعقيد والخطابات المتضاربة، عبر قدرتها البيولوجية والثقافية التنشيئية التي تعيد إنتاج هذه الثقافة.
وعن البندقية التي تأخذ قيمة عامة عند أغلبية شرائح المجتمع الفلسطيني، كونها أداة فاعلة في مواجهة الاحتلال والتعبير عن رفض الخضوع لسلطته، فقد ذكرها الشهداء في وصاياهم بصفتها الوسيلة لتحقيق غايتهم الكبرى (التحرر)، فوجّه الشهيد إسليم وصيته إلى مَن يؤمن بقيمة السلاح في سياق استعماري قائلاً: “بحياة عرضكم لا تتركوا البارودة من بعدنا وكملوا الطريق“، وهي تكرار لوصية الشهيد النابلسي: “بوصيكم بحياة عرضكم ما حدا يترك البارودة.”
ذكر رياض ملحم في مقالته التي تعاملت مع وصايا الشهداء على أنها خطاب ثوري: “أن يحلّفنا الشهيد إبراهيم النابلسي بأعراضنا فهو يدرك في هذه اللحظة سلّم القيم السائد في المجتمع العربي ودور العِرْض بالنسبة له، أظن أن هذا ليس شيئاً عَرَضياً، حتى لو بالغنا في تأويله. فتسليط الضوء على سلّم القيم الكامن في الوصية هو شيء ضروري في عملية تحليل نص الوصية كخطاب، [….]واجبنا كمتلقّين أن نفهم الوصية باعتبارها دعوة حثيثة للنضال وليس باعتبارها مادة لتأويل ماذا يريد الفدائي”.[41] هذا الطرح النظري تجلّى واقعياً، إذ ما إن استشهد اسليم ورفيقه الجنيدي بعد وصيتهما التي حرصت على جذب الشباب إلى درب المقاومة المسلحة، صرّح العرين في بيان عبر قناته الخاصة على “التليغرام” بالقول: “نعلم بأن الحزن قد عمّ البلاد على فاجعتنا بفقد رجالنا، ولكننا مستمرون، فمنذ الأمس فقط، وبعد تشييع شهدائنا لمثواهم الأخير، انضمّ ما يقارب 50 مقاتلاً جديداً لمجموعات عرين الأسود، فمَن يستطيع إنهاء عرين الأسود؟” وهذا يعني أن البندقية ما زالت ذات معنى هوياتي ورمزية عالية في الوعي الفلسطيني، ومنها يُعرّف المقاومون عن ذاتهم الوطنية، لما تختزله من معانٍ عن استمرارية المقاومة وأدوات استرداد الأرض.[42]
أمّا عن علاقة الشهيد بالآخر فظهرت في مستويين من التعبير: الأول اجتماعي، والثاني سياسي. وفي الموضعين بيّن الشهداء ضرورة توجيه رسائلهم إلى الجماهير، لتوضيح غايتهم ومنهجهم، وترسيخ الشعور بالنصر إذا ما اتُّفق على التطلعات الثورية الواعية وأُدركت التحديات الواقعية.
كما حضر طلب السماح والدعاء من الآخر في مواضع كثيرة من الوصايا، منها: “ادعولنا يا شباب إحنا استشهدنا ادعولنا”،[43] “سامحوني جميعاً”،[44] “ادعولنا وتأكدوا إنو إحنا يا خيّي كلنا على درب الشهداء”،[45] “بتمنى إنكم تسامحونا يا إخوان. سامحونا أمانة الله.”[46] من هنا، يمكن القول إن مجموعة العرين تعي ضرورة أن يرافق فعلها المسلح خطاب يدل على المنظومة الأخلاقية والاجتماعية، ويردّ الفعل الثوري إلى حاضنته الاجتماعية التي هي ضرورية لحماية تلك المنظومة، وترسيخ القبول المجتمعي لفكرها وفعلها.
وهناك وصايا وجهها الشهداء إلى عائلاتهم كشفت أن الفعل الاستشهادي كان اختيارهم الحرّ، ويتضح ذلك بكثافة في نصوص وصايا المحور السابق، ونضيف إليها هنا قول الشهيد الجنيدي لوالدته: “تأكدي إني ميت ضحك وأنا متحاصر يا روحي، مكيّف، وإن شاء الله بستشهد يا أمي، تزعليش”، وتلك التي وجهها الشهيد تامر الكيلاني إلى أطفاله عبر الفيديو قائلاً: “يابا يامن حبيبي يا روح الروح إن شاء الله بتكبر وبتشوف هالفيديو وبتعرف إنو أبوك بحبك أكثر واحد بالدنيا أنت وأختك وَتِين. دير بالك على أختك يابا، واعرف إنو أبوك ما عمل إشي غلط.”[47]
وفي هذا الصدد تؤكد مي جيوسي أهمية مسألة اختيار الشهادة، لأنها “حاسمة في إمكانية تكوين المعنى الأخلاقي والموت الذي يحمل مغزى”،[48] فتتوصل في أثناء دراستها نماذج من الوصايا إلى وجود إصرار على الشهادة، إذ إنها “أمر يرغب فيه الشهيد ويسعى إليه، وهي تؤشّر إلى وجود نقطة واقعة على عتبة الشعور بالتضحية بالنفس المتضمَّنة في الفعل [….] والواقع أن الأمر لو لم يكن على هذا النحو، لكان الفعل بكامله قد خلا من المغزى.”[49]
أمّا عن العلاقة سياسياً، فيتبيّن أن وعي مجموعة العرين بالتحديات التي يفرضها عليها الواقع السياسي في الضفة الغربية هو الذي دفعها إلى الكفاح المسلح كبُعد ثوري، وقد انعكست رؤيتها في وصايا شهدائها كما في بياناتها. ففي وصية الحوح تتمظهر علاقة أفراد العرين بالسلطة وسياستها في التنسيق الأمني، وتأكيدهم نبذ العمل السياسي الفصائلي بقوله:
“لا تتبعوا أي حزب وأي فصيل كما فعلنا نحن [….] لقد واجهنا مصاعب كثيرة ومشقات لا توصف، وتخاذُل من كثير من الأشخاص، وكان بعض المسؤولين في حكومتنا، لا سامحهم الله، هم الذين قضوا علينا بالتنسيق المنجس. وكم من قريب لم يحب لنا الخير ويحاول أن يشوهنا، احذروا منهم المتغطيِين في غطاء السلطة والأنجاس.” وعن هذا قال اسليم: “الله لا يسامح كل حدا تخاذل، وكل حدا باعنا يا إخوان.” وكان السابق عنهما ما كتبه الشهيد صبح عبر صفحته في فيسبوك قبل استشهاده بعشرة أيام: “علّموا أولادكم أن النصر والتحرير لا يأتيان إلّا بالوحدة، وعلّموهم أن القدس هي البوصلة الوحيدة والشرعية، وأن أبواق الفتنة وأعوان الاحتلال لا يمثلون إلّا أنفسهم، وأن العنصرية لا تخدم إلّا مخططات الصهاينة، وأن السكوت عن كلمة الحق عار وذل، معاً لوحدة وطنية واحدة.” منهجه هذا هو الذي دفعه إلى أن يطلب ألّا يُلفَّ جسده بعَلَم أي فصيل في حال استشهاده، وقد وافقه عليه رفيقه النابلسي الذي ظهر في فيديو مصور حمل الرسالة والمنهج ذاتهما، قائلاً: “نفسي الناس كلها تصحصح، يبطّل في خونة وجواسيس، الناس تحدد بوصلتها ضد الاحتلال.” أيضاً، ختم الحلاق – الذي أكدت والدته أنه رفض أن يسلّم نفسه إلى السلطة – وصيته مؤكداً: “أنا لا أنتمي إلى أي تنظيم”، أمّا الجنيدي فقال: “تحياتي لكل حر وشريف بهالوطن.”
وفي هذا السياق، كشفت دراسة بلال سلامة في إحدى نتائج استطلاع بشأن دوافع الشهداء إلى العمليات الاستشهادية، والتي وجّهوها إلى ذويهم، عن أن الأبعاد الوطنية كانت ذات حضور قوي في التحليل الكمي، ولهذا يعقّب على ذلك بأن “هذا يفنّد البُعد الديني باعتباره لوحده قادراً على تفسير هذه الظاهرة.”[50] وهذا الأمر يتفق مع دراسة بسام بنات التي بيّنت أن اختيار الشهداء فعل الاستشهاد كان قراراً وطنياً مرتبطاً بوجود احتلال قمعي، وأنهم عاشوا حياة طبيعية اجتماعياً واقتصادياً ونفسياً ولم يكن الهرب دافعهم إلى الموت، وإنما هو قرار واعٍ متشكّل ممّا ترسخ في الذاكرة الجماعية من آمال بالنصر وأسباب للمقاومة،[51] وهو ما يظهر في وصايا شهداء العرين أيضاً، إذ إن كثافة تجليات الوعي الوطني في وصاياهم وخطاباتهم يتطلب إبراز بُعد الدوافع الوطني إلى جانب البُعد الديني،[52] من أجل تكوين قراءة أكثر شمولية، وتحيل إلى الأبعاد التي يهمّشها الخطاب الاستعماري متعمداً اصطفاء الدين أو المشكلات المعيشية معياراً واحداً للتحليل.
ثالثاً: البُعد الوظيفي لوصايا شهداء العرين بصفتها خطاباً
بما أن الوصية تمثل خطاب مقاومة محمّلاً بالقيم الوطنية وله وظيفته الاجتماعية والسياسية، وبفهم الأبعاد الرمزية لنصّها، فإنه يتبيّن أن لوصايا مجموعة العرين أدواراً مركزية منعكسة من العلاقة بينها وبين الكفاح المسلح كنمط مقاومة. فإذا حللنا نصوصها انطلاقاً من كونها شكلاً من أشكال الخطاب الذي يُقصد فيه هنا الخطاب المستخدم “للإشارة إلى شتى الأنماط اللغوية المستخدمة في مختلف المواقف الاجتماعية”،[53] وبمعنى “التفاعل بين المتكلم والسامع أو بين الكاتب والقارىء”،[54] فإننا سنلاحظ تجلّي أبعاد هذا الخطاب الوظيفية في الدورين المركزيين التاليين:
أ – قدرة الوصية على التعبئة الشعبية وتشكيل حاضنة اجتماعية للفكرة والفعل
يأخذ الخطاب الثوري الذي أسسته “عرين الأسود” شكلَين أساسيين هما: البيان والوصية. فكل منهما مستند إلى الآخر ومنبثق منه، ويشترك معه في الدلالة والغاية والتأسيس لفعل الالتفاف الشعبي حول المجموعة التي كان لرؤيتها ومنهجها في المقاومة دور بأن تحظى وصايا شهدائها بالتأييد والتنفيذ والتداول الواسع، إلى جانب عوامل أُخرى سنذكرها تباعاً.
وتعددت صور الحاضنة الشعبية للعرين التي نقصد بها “مجموعة الفعاليات والمواقف الشعبية المساندة لقضية ما”[55]على المستويين: الشعبي في نابلس والضفة الغربية، والإعلامي الدولي، كمظاهر الاحتفاء الشعبي بعملياتهم النوعية ضد الاحتلال، وإقبال عدد من الشباب على الانضمام إلى المجموعة، وفعل الالتفاف الجماهيري حول الشهيد وعائلته، وتنفيذ وصايا الشهداء والسير على خطاهم. وهاتان الأخيرتان يُكشَف عنهما في نموذجين من خطاب الوصايا: الأول، ذلك الذي تحدثت عنه والدة محمد الدبيك في عدد من مقابلاتها، قائلة إنه أوصاها بأن يُزفّ بعد استشهاده بعرس جماهيري كبير، وهذه أيضاً وصية الشهيد حرز الله التي أخبرتنا بها أخته قائلة: “أبو حمدي وصّى تطلع إلو جنازة كبير”، وهو ما جرى لكليهما، ولجميع شهداء العرين، إذ تعمل الحاضنة الاجتماعية دوماً على الإحياء الرمزي للشهداء من خلال طقوس التشييع التي تأخذ سمة الاحتفاء والتكريم، وتحشد في النفس الإرادة على استمرار النضال وتحقيق الانتصار، وذلك تبعاً للقيمة الدينية والشعبية للشهداء الذين تمسكوا بالوطن وَسَعَوا للحرية، فاتخذوا من أجسادهم أداة للمقاومة والاحتجاج السياسي.[56]
أمّا الثاني، فهو في الوصايا التي شيّدت العلاقة بين السلاح وغاية التحرر، وكان لها التأثير القوي في تشكيل حاضنة اجتماعية تتبنّى خطابها كنظرية وممارسة معاً. فعلى سبيل المثال، قال النابلسي في وصيته: “حافظوا على الوطن من بعدي، وبوصّيكم بحياة عرضكم ما حدا يترك البارودة”، وبعد ما يقارب الشهر ونصف استشهد الكيلاني الذي قالت زوجته في أحد اللقاءات إنه كان متأثراً بوصية النابلسي ودائم التفكير فيها، وهو ما يتضح في قوله في أحد الفيديوهات التي انتشرت بعد استشهاده: “مِن لمّا حَكى النابلسي اللهم الثبات. النصر أو الاستشهاد، احملنا البارودة ورا النابلسي.”[57] وبعد استشهاده بيومين استشهد الحوح الذي ترك وصية كتب فيها: “اتبعوا فقط الله ورسوله الكريم وابقوا قابضين على الزناد.” كما ذكرت لنا أخت الشهيد حرز الله أنه “وصى بارودته ما تنباع وتنعطى للشباب.” وكرّر الشهيد اسليم وصية النابلسي في وصيته التي سجلها أيضاً في لحظة الاشتباك فقال: “بحياة عرضكم لا تتركوا البارودة من بعدنا وكملوا الطريق.“ من هنا، يتبيّن بوضوح تأثر وتأثير الوصايا بعضها في بعض، وكيف أحالت كل واحدة منها إلى الأُخرى، الأمر الذي يعني أن هذه الوصايا، بصفتها نماذج خطابية، تتجلى فيها بوضوح سمة “الحوارية” بالمعنى الباختيني.
وتعني الحوارية، بتوضيح عام، أن كل تعبير / خطاب للمتكلم يرتبط بعلاقة مع تعبير / خطاب آخر يشاركه المعاني والدلالات؛ فكل منهما يتأثر بما قيل في الماضي أو سيُقال في الحاضر والمستقبل في المسألة ذاتها فيما يتعلق بالخطابات، فيقيم حواراً معها.[58] وبهذا فسّر ميخائيل باختين كيف تشترك عدة خطابات في الألفاظ والعبارات والتأويل والمعاني نفسها، ورأى أنه لا يمكن أن يتفرّد المتكلم بخطاب مستقل لا يحتوي على شيء من المراجع أو الإحالات إلى خطابات آخرين، لأن هذا يؤكد التفاعل اللفظي الذي يتحقق من خلال العلاقة التفاعلية بين المتكلم الذي يُنتج الخطاب ويوجّهه، والمتلقّي الذي يستمع إليه ويتأثر به. وهذه العلاقة الحوارية هي التي تُنشىء الخطاب وتساهم في فهم وتفسير موضوعه المنعكس من / عن غيره.
ومن منطلق هذا المفهوم، يلاحَظ وضوح البُعد الحواري في وصايا الشهداء الفلسطينيين عامة، مثلما هو واضح في نصوص وصايا شهداء العرين المدرجة في هذا المحور، وتلك الواردة في المحور الذي سبقها، الأمر الذي يعني أن هذا الشكل من الوصايا ليس زمنياً موقتاً أو عارضاً، وإنما هو في عملية اتصال مع خطاب الآخر المستقبلي مثلما كان في حوار مع الآخر الماضي. وبالتالي، فإنه من خلال عمليات التأثير والتراكم والتكرار، ربما يكون لهذا الشكل من الخطاب أبعاد مستقبلية تساهم في استمرارية إنتاج هذا النمط من الخطاب الوصياتي.
ب -. إحياء نموذج البطل ورمزيته في العمل الثوري، ودوره في إنتاج تعاقبية فعلَي المقاومة والاستشهاد
لا ينفصل هذا الدور الوظيفي عن الأول لأن للبُعد التعبوي دوراً في إنتاج الفعل المتعاقب للمقاومة بالكفاح المسلح، لكن يمكن أن نلاحظه بوضوح وتفصيل أكثر في الوصايا التي تضمنت أفعال الاستنهاض وتمجيد فعل الشهداء حتى يرث الشهيد وصية مَن سبقه ويعمل بها. فعلى سبيل المثال، كتب الشيشاني على حسابه في “فيسبوك” قبيل استشهاده بساعات فقط: “إذا تعلقتَ بشهيد ما، فاعلم أنه ربما هذا الشهيد اختارك لتكمل مسيرته، لذلك كُن الفكرة.” وبعد أنه اغتاله الاحتلال تصاعدت العمليات النوعية ضد الاحتلال وظهرت العرين علناً، ثم استشهد القائد الحوح الذي كتب: “إني أوصيكم بأن تكونوا على عهدنا نحن الشهداء، نحن الذين نحبكم ومخلصين لله ومن ثم الوطن.” وبعدها ورث الوصية الشهيد اسليم الذي اشتبك حتى الموت موصياً في لحظته تلك: “ما تنسوا وصية الوديع والنابلسي. اسمعوا وصية الجنيدي.” والجنيدي هو الذي شاركه الدرب نفسه واستشهد إلى جانبه بعد أن سجل وصيته قائلاً: “اتأكدوا إنو إحنا يا خيّي كلنا على درب الشهداء وما هربنا وضلّينا زلام”، وسجّل لوالدته قوله: “أنا ضلّيتني على درب الشهداء، على درب وديع وتامر.”
في سياق الحالة التعاقبية للفعل المقاوم، قدّم عبد الجواد عمر مفهوم “الصداقة” كأحد مستويات تفسير وفهم كيف تنشأ وتتولد الميزة الأهم للعمليات الذرّية كطور مستجَدّ من الفعل المقاوم الذي اتّخذ شكل الهبّات القادرة على إنتاج الفعل الذرّي المكثف والمتعاقب،[59] فيقول: “إن موت الصديق على يد نقيض الصديق، أي العدو، هو أيضاً حدث تأسيسي في عملية إنتاج التعاقبية، لأن الوفاء المطلق للصديق في التجربة الفلسطينية لا يكتفي بعملية ‘تأبينه’ ولا الاكتفاء بإعلان الحداد، أو التعايش مع أحاسيس الذنب والحزن لغياب الصديق، بل يأتي أيضاً من خلال رفض القيام بعمل الحداد نفسه.”[60] اعتماداً على هذه المقولة يمكن فهم قدرة الوصايا على إنتاج تعاقبية عملية الاشتباك المسلح حتى الاستشهاد، لأنها امتازت بصدورها عن شهداء جمعتهم علاقات الصداقة والجيرة في البلدة القديمة، وهذه هي السمة الأساسية التي ميزت العرين أساساً، ودفعت أعضاءه إلى التخطيط وتنفيذ العمليات معاً حتى تقاسَم بعضهم زمنية الموت ومكانيته.
بناء على كل ما سبق، نؤكد أن الحاضنة الشعبية لخطاب “عرين الأسود” الذي مثّل أداة تعبئة ثورية اجتماعية ساهمت في تبلور الأبعاد السابق ذكرها، قد تشكلت من خلال مجموعة عوامل ميّزتها، وهي:
1) مواجهة الخطابات المضادة: فهذه المواجهة تعرقل جهود صهر وعي الجيل الجديد بالقضية الفلسطينية بخطابات التطبيع، وتتجاوز خطابات التعايش والسلام مع إسرائيل، والانقسامات الفصائلية على مستوى الخطاب الفلسطيني السياسي، وتُفرغ خطابات السلطة من معناها، الأمر الذي دفع هذه الأخيرة إلى العمل على اجتثاث تنظيم العرين بالتنسيق الأمني. وكلما تراكمت هذه المواجهات وتكررت بات ممكناً استعادة الخطاب الثوري بقوة في الضفة الغربية.
2) الوحدة ما بين الخطاب كقول والمقاومة كفعل: إذ يتبلور الخطاب في الممارسة النضالية الميدانية، ذلك بأن واقع عمل مجموعة العرين وما حققته من عمليات نوعية ينسجم مع خطابهم التحرري في البيان والوصية.
3) الارتكاز على المنظومة القيمية للشعب الفلسطيني: إذ استندت أعمال العرين إلى أفعال الجهاد والاستشهاد والفداء، والرمزية الشعبية والوطنية للبندقية، وفعل التحرر من الاستعمار كمتخيل شعبي.
4) المكانة الرمزية لصاحب الخطاب: فقد حظي صاحب الخطاب بالدعم والتأييد لأن هذا الخطاب صدر عن مقاوم مسلح، ومطارد، وفدائي صار شهيداً، وله مكانته المقدسة في الذهنية الفلسطينية والوعي الوطني.
5) تغليب الذات الجماعية: إن خطاب الشهيد خالٍ من التذويت الفردي، بل إنه يستخدم الصيغ الجماعية ويؤكد أهمية الذات الجماعية، داعياً إلى توحيد الخطاب الفلسطيني السياسي، وهو ما تجلّى في قدرة أفراد المجموعة على تجاوز انتماءاتهم الشكلية إلى مختلف الفصائل الفلسطينية، بل حتى على النقد الذاتي لعملها.
6) التأثير الإعلامي: لقد رفع البُعد التداولي لخطابات العرين من مستوى التأييد الجماهيري لتوجهات المجموعة وأنشطتها، فساهم في تشكيل حاضنة محلية ودولية تحتفي بهم وتتضامن معهم.
7) الجذور النضالية للخطاب: نشأ هذا الخطاب وساد في بيئة قابلة للثورة ولها تاريخها النضالي، مؤكداً امتداده من حركات ثورية سابقة، ومن مسيرة أبطالها وشهدائها، وهو ما دفع بالاحتلال إلى الوقوف في وجه توسّع هذا العمل الفدائي واستنساخه عن طريق تفريغ العرين من قيادته بالاغتيال وتحريض الحاضنة الشعبية بفرض العقوبات الجماعية وحصار نابلس.
خاتمة وخلاصات
سعت هذه الدراسة لتسليط الضوء على وصايا شهداء “عرين الأسود” كمادة تحليل تساهم في تأسيس فهم عام للمجموعة باعتبارها خطاباً كشفت فيه عن نفسها وفكرها، وفيه تعريف عن دوافع ممارسات المقاومة التي خرجت عن المنظومة التي رسّختها السلطة الفلسطينية في الضفة. كما أوضحتْ الدراسة ما يمكن أن تبيّنه الوصايا عن سوسيولوجيا هذه الحالة من المقاومة، إذ كشف التحليل عن قدرتها على عكس رؤية مجموعة العرين وبواعث تنظيمها وتعزيز إمكان امتداد نمطها، ولا سيما أنها مثلت خطاباً تعبوياً، ووطنياً، وواعياً، ومنسجماً مع مفهوم الكفاح المسلح ومضامين المقاومة والاستشهاد المتجذرة في الثقافة الفلسطينية، الأمر الذي ربما يجعلها سبباً لظهور تشكيلات أُخرى.
وهناك أيضاً ملاحظات أو مؤشرات يمكن الانطلاق منها أو التأسيس عليها لدراسات أُخرى، كإمكان التعامل مع هذه التسجيلات الشفوية الصوتية كروايات تُثري الذاكرة الجماعية، وتساعدنا على فهم الحاضر وافتراض احتمالات المقاومة في المستقبل، من خلال ما تُتيحه للباحث من معرفة عن تاريخها الراهن وعلاقتها بإرث المقاومة الماضي. كما أن وصايا الشهداء بصورة عامة، هي خطابات ذات تشكيلات أيديولوجية وثقافية من عدة مشارب، تحمل من المعاني والمضامين والمرتكزات ما هو ديني، وسياسي، واجتماعي، ووطني، أو ذلك كله. وبهذا يمكننا القول عن وصايا العرين كمثال، إنها قادرة على أن تقدم لنا صورة المجموعة المتعددة المستويات، إلى جانب وحدات التحليل الأُخرى، الأمر الذي يمكّننا من موضعة فهم هذه التشكيلات ضمن سياق دلالي شامل.
المراجع
بالعربية
أبو دياك، ماجد. “الحاضنة الشعبية للمقاومة الفلسطينية”. ورقة عمل مقدمة لمؤتمر: مستقبل المقاومة الفلسطينية في ضوء الحرب على قطاع غزة. بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات. 2015، في الرابط الإلكتروني.
بديوي، إيمان. “احتجاز جثامين الشهداء… سلطة الاستعمار على الموت الفلسطيني”. “عرب 48”. “فسحة ثقافية – فلسطينية”، 12 / 1 / 2023، في الرابط الإلكتروني.
_______. “فلسطينيات يغنين رسائلهن… سوسيولوجيا الأغنية الشعبية”. “عرب 48”. “فسحة ثقافية – فلسطينية”، 6 / 2 / 2023، في الرابط الإلكتروني.
_______. “إسرائيل والبيت الفلسطيني… كل هذا الهدم”. “عرب 48”. “فسحة ثقافية – فلسطينية”، 12 / 9 / 2023، في الرابط الإلكتروني.
تودوروف، تزفتيان، “ميخائيل باختين: المبدأ الحواري”. ترجمة فخري صالح. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 2، 1996، ص 16.
جيوسي، مي. “تشكُّل الذات وحالة الاستثناء: الجسد كموقع للمقاومة”. في: أليساندرو بيتي وآخرون. “حالة الاستثناء والمقاومة في الوطن العربي”. تحرير ساري حنفي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010.
الحسناوي، عبد الرحيم. “مقاربة في التاريخ الشفوي أو التاريخ من الأسفل: الهامشي بأدوات علمية”. “قلمون: المجلة السورية للعلوم الإنسانية”، العدد 10 (2019)، ص 191.
حسيبا، زياد. “عرين الأسود: تمظهر جديد للاشتباك”. “شؤون ثقافية”، العدد 289 (خريف 2022)، ص 86.
حمدان، عبد الرحيم. “وصايا شهداء فلسطين (دراسة نقدية)”. “مجلة جامعة القدس المفتوحة للبحوث الإنسانية والاجتماعية”، المجلد 1، العدد 44 (2018)، ص 246 – 258، في الرابط الإلكتروني.
سلامة، بلال عوض. “العمليات الاستشهادية الفلسطينية: تطور الجسد كأداة مقاومة”. “المستقبل العربي”، المجلد 38، العدد 441 (2015)، ص 65 – 88.
سوكاح، زهير. “حقل دراسات الذاكرة في العلوم الإنسانية والاجتماعية: حضور غربي وقصور عربي”. “أسطور”، العدد 11 (2020)، ص 44، في الرابط الإلكتروني.
العاروري، أحمد. ” ‘عرين الأسود’.. حكاية في ابتكار المقاومة”. منصة “إطار”، 1 / 11 / 2022، في الرابط الإلكتروني.
عرابي، ساري. “وصايا الشهداء.. الواصلون باكراً”. منصة “إطار”، 16 / 9 / 2022، في الرابط الإلكتروني.
عمر، عبد الجواد. “هبّة بلا تنظيم: الفعل الذرّي المقاوم كحدَث عوارضي”. “باب الواد”، 2 / 10 / 2022، في الرابط الإلكتروني.
فيركلف، نورمان. “الخطاب والتغير الاجتماعي”. ترجمة حمد عناني. القاهرة: المركز القومي للترجمة، ط 1، 2015.
كراجة، معز. “عن المقاومة الجديدة ومآلات التغيير في الواقع الفلسطيني”. “أوريان21″، 27 / 9 / 2022، في الرابط الإلكتروني.
كنعان، لارا. ” ‘ألترا فلسطين’ ينشر حواراً مع الشهيد وديع الحوح قبل يومين من استشهاده”. مقابلات، “فلسطين ULTRA”، 25 / 10 / 2022، في الرابط الإلكتروني.
ليسير، فتحي. “تاريخ الزمن الراهن: عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر”. صفاقس: دار محمد علي للنشر، 2012.
ملحم، رياض. “خطابنا الثوري – نحو فهم وصايا الشهداء”. “الأخبار” (بيروت)، 24 / 9 / 2022، في الرابط الإلكتروني.
الناشف، إسماعيل. “صور موت الفلسطيني”. الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015.
_______. “في اللا / تحوّل في الممارسة والخطاب: إشكالية الثقافي الفلسطيني”. “قدّيتا.نت”، 16 أيلول / سبتمبر 2011، في الرابط الإلكتروني.
بالأجنبية
Abdaljawad, Omar. “The Politics of Slow Unbinding”. The Electronic Intifada, 26/10/2022.
Banat, Bassam. “Palestinian Suicide Martyrs (Istishhadiyin): A Tune of Loyalty and a Hymn of Liberty”. International Humanities Studies, vol. 2, no. 2 (2015), pp. 41-60.
Baroud, Ramzy. “Difficult Months Ahead: Why Israel is Afraid of the Lion’s Den?”. The Jordan Times, 18/10/2022.
____. “Lions’ Den is not a Fleeting Phenomenon: On Palestine’s Looming Armed Revolt”. The Jordan Times, 19/12/2022.
Davis, Rochelle. “Commemorating Education: Recollections of the Arab College in Jerusalem, 1918-1948”. Comparative Studies of South Asia, Africa and the Middle East, vol. 23, nos. 1 & 2, pp. 190-204 (2003).
المصادر:
[1] عبد الرحيم حمدان، “وصايا شهداء فلسطين (دراسة نقدية)”، “مجلة جامعة القدس المفتوحة للبحوث الإنسانية والاجتماعية”، المجلد 1، العدد 44 (2018)، ص 246 – 258، في الرابط الإلكتروني.
[2] بلال عوض سلامة، “العمليات الاستشهادية الفلسطينية: تطور الجسد كأداة مقاومة، “المستقبل العربي”، المجلد 38، العدد 441 (2015)، ص 65 – 88.
[3] المصدر نفسه، ص 68.
[4] إسماعيل الناشف، “في اللا / تحوّل في الممارسة والخطاب: إشكالية الثقافي الفلسطيني”، “قدّيتا.نت”، 16 / 9 / 2011، في الرابط الإلكتروني.
[5] في أيار / مايو 2021 توحدت الساحات الفلسطينية في تضامنها مع أحداث حي الشيخ جرّاح وما رافقها من اقتحامات وعدوان إسرائيلي على المسجد الأقصى، وقد ردّت فصائل المقاومة في غزة على هذا العدوان بإطلاق رشقات صاروخية داخل الأراضي المحتلة بعد تحذيرها للجيش الإسرائيلي، وإمهاله مدة لوقف العدوان، لكنه لم يستجب لذلك، وردّ على ما سمّته المقاومة معركة “سيف القدس” بقصف جوي واسع ومكثف على القطاع، إلّا إن المقاومة أظهرت تنامي قدراتها العسكرية، وفشل الحصار والتشظية المكانية في تحييد القطاع عن تنكيلات الاحتلال في القدس والضفة الغربية. كما انضم فلسطينيو 48 إلى صفوف الدفاع فيما أطلقوا عليه “هبّة الكرامة”، وتضاعفت أعمال المقاومة في الضفة الغربية التي بدأت تشهد عودة الكفاح المسلح، وتنامي المواجهات مع الاحتلال.
[6] مواليد سنة 1996، انتمى إلى “سرايا القدس”، وصاحب لقب “مجدّد الاشتباك”، وهو الذي أسس الكتيبة في مخيم جنين، ونفّذ عدة عمليات ضد قوات الاحتلال التي طاردته واغتالته في حزيران / يونيو 2021.
[7] حدث أمني وقع في أيلول / سبتمبر2021، وتمكّن فيه ستة أسرى من انتزاع حريتهم من سجن جلبوع، عبر نفق حفروه على الرغم من الرقابة المشددة وغياب الأدوات والإمكانات.
[8] يُنظر مثلاً: زياد حسيبا، “عرين الأسود: تمظهر جديد للاشتباك”، “شؤون ثقافية”، العدد 289 (خريف 2022)، ص 86؛ أحمد العاروري، ” ‘عرين الأسود’.. حكاية في ابتكار المقاومة”، منصة “إطار”، 1 / 11 / 2022، في الرابط الإلكتروني.
[9] مواليد سنة 2003، انتمى إلى “كتائب شهداء الأقصى” ووالده عقيد سابق في جهاز الأمن الوقائي، لُقّب بـ “أبو فتحي” وحظي بشهرة واسعة. وتختلف المعلومات بشأن انتمائه البُنيوي إلى مجموعة العرين، لكن معظمها أكد أنه منها لخوضه عدة اشتباكات مع أفرادها، ولكونه كان صديقاً مقرّباً من قادتها ودائم الظهور إلى جانبهم. وقد اغتاله الاحتلال في 9 / 8 / 2022.
[10] مؤسس مجموعة “عرين الأسود”، لُقّب بـ “أبو صالح”، مواليد سنة 2000، واستشهد بتاريخ 24 / 7 / 2022 في معركة حارة الياسمينة.
[11] عبد الرحمن صبح الملقب بـ “أبو آدم”، أحد مؤسسي العرين، مواليد سنة 1993، واستشهد إلى جانب العزيزي في الاشتباك ذاته.
[12] من أبرز قيادات العرين، كان أسيراً محرر واعتقله الاحتلال أكثر من مرة، مواليد 1991، واستشهد في 25 / 10 / 2022.
[13] أحد قادة العرين وعُرف فيها بأسد الفزعات، لُقّب بـ “أبو حمدي”، وكان أسيراً محرراً، مواليد سنة 1992، أصيب في معركة الياسمينة وارتقى متأثراً بإصابته في 23 / 11 / 2022.
[14] حسيبا، مصدر سبق ذكره، ص 89.
[15] معز كراجة، “عن المقاومة الجديدة ومآلات التغيير في الواقع الفلسطيني”، “أوريان21″، 27 / 9 / 2022، في الرابط الإلكتروني.
[16] لارا كنعان، ” ‘ألترا فلسطين’ ينشر حواراً مع الشهيد وديع الحوح قبل يومين من استشهاده”، مقابلات، “فلسطين ULTRA”، 25 / 10 / 2022، في الرابط الإلكتروني التالي:
[17] Ramzy Baroud, “Difficult Months Ahead: Why Israel is Afraid of the Lion’s Den”, The Jordan Times, 18/10/2022.
[18] اسم العملية التي أطلقها الاحتلال ضد المقاومة لتقويض العمليات المسلحة المتصاعدة في الضفة الغربية.
[19] Ramzy Baroud, “Lions’ Den is not a Fleeting Phenomenon: On Palestine’s Looming Armed Revolt”, The Jordan Times, 19/12/2022.
[20] يُنظر حفل التأبين وكلمة التأسيس في منصة “يوتيوب”، في الرابط الإلكتروني.
[21] مجموعة مسلحة تابعة لـ “كتائب شهداء الأقصى”، نشأت وتمركزت في نابلس منذ سنة 2002 حتى تفكيكها في سنة 2008 باغتيال قاداتها ومساومة الآخرين.
[22] إيمان بديوي، “إسرائيل والبيت الفلسطيني… كل هذا الهدم”، “عرب 48″، “فسحة ثقافية – فلسطينية”، 12 / 9 / 2023، في الرابط الإلكتروني.
[23] المصدر نفسه، ص 75 – 76.
[24] فتحي ليسير، “تاريخ الزمن الراهن: عندما يطرق المؤرخ باب الحاضر” (صفاقس: دار محمد علي للنشر، 2012)، ص 111.
[25] عبد الرحيم الحسناوي، “مقاربة في التاريخ الشفوي أو التاريخ من الأسفل: الهامشي بأدوات علمية”، “قلمون: المجلة السورية للعلوم الإنسانية”، العدد 10 (2019)، ص 191.
[26] ليسير، مصدر سبق ذكره، ص 80.
[27] زهير سوكاح، “حقل دراسات الذاكرة في العلوم الإنسانية والاجتماعية: حضور غربي وقصور عربي”، “أسطور”، العدد 11 (2020)، ص 44، في الرابط الإلكتروني.
[28] من وصية الشهيد إبراهيم النابلسي الصوتية، يُنظر في منصة يوتيوب، في الرابط الإلكتروني.
[29] من وصية إسلام صبوح الصوتية، استشهد برفقة النابلسي في 9 / 8 / 2022، يُنظر في منصة يوتيوب، في الرابط الإلكتروني.
[30] تُنظر وصية وديع الحوح الورقية، في موقع “فلسطين الآن”، في الرابط الإلكتروني.
[31] يمكن الاستماع إلى الوصية الصوتية لمحمد الجنيدي أحد قادة العرين، والذي استشهد في 22 / 2 / 2023، في منصة يوتيوب، في الرابط الإلكتروني.
[32] رياض ملحم، “خطابنا الثوري – نحو فهم وصايا الشهداء”، “الأخبار” (اللبنانية – بيروت)، 24 / 9 / 2022، في الرابط الإلكتروني.
[33] يمكن مشاهدة مقابلة والدة الشهيد في منصة يوتيوب، في الرابط الإلكتروني.
[34] Abdaljawad Omar, “The Politics of Slow Unbinding”, The Electronic Intifada, 26/10/2022.
[35] وصية الجنيدي، مصدر سبق ذكره.
[36] يمكن الاستماع إلى الوصية الصوتية للشهيد حسام اسليم الذي انتمى إلى حركة “حماس” وكان أحد قادة العرين، واستشهد برفقة الجنيدي، في منصة يوتيوب، في الرابط الإلكتروني.
[37] وصية النابلسي، مصدر سبق ذكره.
[38] إسماعيل الناشف، “صور موت الفلسطيني” (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2015)، ص 68.
[39] المصدر نفسه، ص 66.
[40] من الوصية الورقية لشهيد العرين، محمد سعيد الحلاق. يُنظر: “وصية الشهيد محمد سعيد الحلاق”، “وكالة وطن للأنباء”، 6 / 4 / 2023، في الرابط الإلكتروني.
[41] ملحم، مصدر سبق ذكره.
[42] إيمان بديوي، “فلسطينيات يغنين رسائلهن… سوسيولوجيا الأغنية الشعبية”، “عرب 48″، “فسحة ثقافية – فلسطينية”، 6 / 2 / 2023، في الرابط الإلكتروني.
[43] من وصية صبوح، مصدر سبق ذكره.
[44] من وصية الجنيدي، مصدر سبق ذكره.
[45] المصدر نفسه.
[46] من وصية اسليم، مصدر سبق ذكره.
[47] من وصية الشهيد تامر الكيلاني عبر فيديو مسجل، وهو قيادي في عرين الأسود، مواليد سنة 1989، متزوج وأب لطفلين، استشهد في 23 / 10 / 2022 بعد أن اغتالته سلطات الاحتلال بواسطة تفجير دراجة نارية مفخخة. ويمكن مشاهدة فيديو الوصية في منصة يوتيوب، في الرابط الإلكتروني.
[48] مي جيوسي، “تشكُّل الذات وحالة الاستثناء: الجسد كموقع للمقاومة”، في: أليساندرو بيتي وآخرون، “حالة الاستثناء والمقاومة في الوطن العربي”، تحرير ساري حنفي (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2010)، ص 105.
[49] المصدر نفسه.
[50] سلامة، مصدر سبق ذكره، ص 71.
[51] Bassam Banat, “Palestinian Suicide Martyrs (Istishhadiyin): A Tune of Loyalty and a Hymn of Liberty”, International Humanities Studies, vol.2, no. 2 (2015), pp. 57-58.
[52] عن الدوافع الدينية، يُنظر: ساري عرابي، “وصايا الشهداء.. الواصلون باكراً”، منصة “إطار”، 16 / 9 / 2022، في الرابط الإلكتروني.
[53] نورمان فيركلف، “الخطاب والتغير الاجتماعي”، ترجمة محمد عناني (القاهرة: المركز القومي للترجمة، ط1، 2015)، ص 15.
[54] المصدر نفسه.
[55] ماجد أبو دياك، “الحاضنة الشعبية للمقاومة الفلسطينية”، ورقة عمل مقدمة لمؤتمر: مستقبل المقاومة الفلسطينية في ضوء الحرب على قطاع غزة (بيروت: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، 2015)، ص 1، في الرابط الإلكتروني.
[56] إيمان بديوي، “احتجاز جثامين الشهداء… سلطة الاستعمار على الموت الفلسطيني”، “عرب 48″، “فسحة ثقافية – فلسطينية”، 12 / 1 / 2023، في الرابط الإلكتروني.
[57] يمكن الاستماع إلى وصية الشهيد الكيلاني، في فيديو في منصة يوتيوب، في الرابط الإلكتروني.
[58] تزفتيان تودوروف، “ميخائيل باختين: المبدأ الحواري”، ترجمة فخري صالح (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 2، 1996)، ص 16.
[59] عبد الجواد عمر، “هبّة بلا تنظيم: الفعل الذرّي المقاوم كحدَث عوارضي”، “باب الواد”، 2 / 10 / 2022، في الرابط الإلكتروني.
[60] المصدر نفسه.
السيرة الشخصية:
إيمان بديوي: كاتبة وباحثة من الأردن.
عن مجلة الدراسات الفلسطينية – العدد 143- صيف 2025