في معنى أن تكون مثقّفًا مزعجًا


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

تحذّرك نبتة الماندريك إذ تقول: “إيّاك، أيّها الإنسان، أن تحفر نحو جذوري الّتي تماثل هيئتك البشريّة المتوحّشة! هل تدري لماذا؟ لأنّك إن تجرّأت وفعلت ذلك؛ فإنّ صراخي سيبتلعك نحو العدم”!

بالاتّكاء على هذه المقاربة الأسطوريّة لنبتة الماندريك؛ سأبحث في مغزى الحفر نحو الجذور، وهو الفعل الّذي امتدّت إليه يدَي غسّان كنفاني (1936 – 1972)، متسائلةً عن معنى فعل كنفاني المشرذِم والممزِّق لذاك الوجه البشريّ المتوحّش، أي الاستعمار الصهيونيّ، الّذي كان أن دفع ثمنه أشلاءً تطايرت في المكان.

أدّعي أنّ غسّان كنفاني كان قد أسّس عبر فعل الحفر حالةً من الحضور المعرفيّ تمثّلت أوّلًا بإنتاج معرفة ’مزعجة‘ فكّكت ما وراء الوجه البشريّ المتوحّش الاستعماريّ، وثانيًا، مكّنته من أداء دور سوسيولوجيّ العموم، أي السوسيولوجيّ الّذي ينتج معرفة عن الناس ناقلًا شخوصهم من الخفاء إلى العلن، ومن ثمّ متفاعلًا معهم على مستوى التنظيم اليوميّ بعيدًا عن التداول السياسيّ النخبويّ.

 أسّس غسّان كنفاني (…) عبر فعل الحفر حالةً من الحضور المعرفيّ تمثّلت أوّلًا بإنتاج معرفة ’مزعجة‘ فكّكت ما وراء الوجه البشريّ المتوحّش الاستعماريّ، ومكّنته من أداء دور سوسيولوجيّ العموم، أي السوسيولوجيّ الّذي ينتج معرفة عن الناس…

لهذا الطرح أهمّيّة تتألّف من شقّين، أوّلًا، السياق التاريخيّ الّذي أنتج فيه سوسيولوجيّ العموم معرفة ’تحرّريّة‘ في سياق الحدث الثوريّ؛ فكانت أصوات أمّ سعد، وصفيّة، وخلدون، وليلى… إلخ، أصواتًا يمكن قراءتها بوصفها مساحة لسرد القهر اليوميّ الّذي يمارسه الاستعمار الصهيونيّ على الفلسطينيّين قبيل النكبة وحرب التطهير العرقيّ الصهيونيّة على الفلسطينيّين (1947 – 1949)، عبر منظومة كاملة من الرقابة لحياتهم وأنماط عيشهم، وأثناءها من خلال فعلَي القتل والتهجير، وما تلاها من مسيرة التحرّر من جهة، ومن جهة أخرى تأمين لقمة العيش المغمّسة بالألم والذلّ.

ثانيًا، السياق الحاضر الّذي ينتج معرفةً ’جوفاء‘ ضمن حدث بناء الدولة، وقد تحوّل فيه سوسيولوجيّ العموم إلى سوسيولوجيّ السياسات؛ فخلال العقدين الأخيرين ظهرت العديد من الأوراق البحثيّة الّتي حملت عناوين مثل ’أوراق سياسات‘ أو ’تقدير موقف‘ و’مقالة رأي‘… إلخ، ويلاحظ المدقّق أنّ هذه الأوراق تخاطب صانع القرار وتتودّد إليه، وأنّها تهدف إلى تقديم توصيات واستشارات للسياسيّ، وهنا لا بدّ من التساؤل عمّا إن كان السياسيّ بحاجة إلى التوصيات والنصائح، أم ثمّة حاجة لبناء معرفيّ جماهيريّ.

في معنى الحضور المعرفيّ لكنفاني

“لقد أخطأنا حين اعتبرنا أنّ الوطن هو الماضي فقط … أمّا خالد فالوطن عنده هو المستقبل”، «عائد إلى حيفا» (1969).

إنّ شكل الحضور المعرفيّ بهذا المعنى إنّما كان يعني لكنفاني المستقبل؛ المستقبل متطلّعًا إليه وهو يناظر الماضي، مفكّكًا الحاضر في تواصل زمنيّ لا تحدّه الثواني والدقائق بقدر ما تحدّه تجربة الحياة الّتي عاشها الفلسطينيّون خلال عقود خلت، تعرّضت فيها أجسادهم لإبادة سريعة تلتها إبادة بطيئة، وفي الحالتين امتلك فيه الوجه البشريّ المتوحّش؛ أي ’الاستعمار الصهيونيّ‘، ’الحقّ الإلهيّ‘، بتعبير جورج أغامبين، في التحكّم بأجسادهم والسيادة المطلقة على أرضهم؛ إنّه المستقبل الّذي حاول نايجل غبسون من خلاله تجاوز الحالة الانفعاليّة وصولًا إلى الانفتاح على الفكر الثوريّ، مستشهدًا بفانون إذ قال: “إنّ المستقبل لا تقرّره ’التكتيكات العسكريّة‘، بل النقاش الأكثر شموليّة، ‏الّذي يشجّع جماهير الشعب على الانخراط في صوغ أهداف النضال، وغالبًا بالوسائل الأكثر عمليّة[1]”.

الفكرة، إذن، تتمثّل في عبارة ’الوسائل الأكثر عمليّة‘، ما يعني قدرة الناس على إدراك معناها، ثمّ على ممارستها، وهنا يتوجّب على المثقّف أن يقول أعمق الأفكار بلغة الناس حيث يدركونها بلغتهم الّتي تحمل معاناتهم، وليس بلغة منفصلة عنهم مكانها الفضاءات الصلبة؛ إذ تحتجز المؤسّسات الأكاديميّة اليوم كلّ من يفكّرون، فتعيد إنتاجهم بلغة أخرى غير لغة الواقع الّذي يعيشونه ويعيشه الناس. إنّ لغة كنفاني ليست ألبتّة بتلك اللغة الصلبة، إنّها لغة الناس الّتي حملت هموم التغيير، كما حملت وعيًا بواقعهم اليوميّ ومعاناتهم التراكميّة؛ فكانت رواية «رجال في الشمس» (1963)، الّتي تصف تأثيرات النكبة في الشعب الفلسطينيّ، ورواية «ما تبقّى لكم» الّتي تقدّم الفلسطينيّ الفدائيّ، ورواية «عائد إلى حيفا» (1970) الّتي تتكلّم عن الفلسطينيّ الثائر في سياق حدث الثورة. بحسب ما تطرّق إليه ماهر تريمش، بالاتّكاء على مايكل بوراووي، فإنّ هذا النوع من المثقّفين يسعى إلى خلق حوار بين الخطاب والفاعلين الّذين يتناولهم؛ فيُظهر اللا مرئيّ منهم إلى العلن، ويُخرج من الفرديّ دلالة اجتماعيّة جماعيّة، يفضي إلى خطاب يتشكّل من تأويلات متبادلة ومعارف[2].

هذه المعارف هي معرفة الجماهير، منهم وإليهم؛ فلا تسكن المعرفة جوارير المكاتب، ولا يكون الناس معها حقلًا للعمل السياسيّ؛ إنّها حالة الديالكتيك مع الشارع، أي التفاعل المستمرّ مع الجماهير إذ يوجدون في الشوارع؛ وذلك ما اهتمّ به فرانز فانون مؤكّدًا على أنّ الأهمّيّة لا تكون للأفكار في ذاتها، بل في ممارستها ومدى إفادتها وتوازيها مع إرادة الجماهير[3]؛ وذلك ما يقتضي بحسب تريمش إنهاء ’فوقيّة‘ الصراعات الاجتماعيّة؛ أي عدم ارتباطها بجماهير الشعب، والإسهام في حسمها عن طريق رفع وعي الجماهير، إلى الحدّ الّذي تصبح فيه طرفًا مؤثّرًا لا موضوع لها[4].

إذن؛ لم يقتصر دور غسّان كنفاني على إنتاج معرفة، بقدر ما اتّسقت هذه المعرفة في تفاعلها مع الجماهير، أي الوعي بأهمّيّة التنظيم، حالة الوعي الّتي رأى هنري لوفيفر أنّها يجب أن تُكتسب مرّة بعد مرّة، من خلال الفعل والنضال، ومن خلال التنظيمات الّتي يكون دورها اختراق الحياة اليوميّة، وإدخال عنصر جديد أرفع من النقابات إلى الرياضات والتنظيمات ’الثقافيّة‘… إلخ[5]. إنّ كنفاني بذلك إنّما جسّد حالتين احتواهما الشعار الفلسطينيّ “مُنظّرو الثورة، ومنظّمو الجماهير”؛ فكان كاتبًا أدبيًّا، أي مُنظّرًا ثوريًّا، وكان ناطقًا رسميًّا لـ «الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين»، وعضوًا في مكتبها، وقد ساهم في رسم سياسات الكفاح المسلّح والعمل الفدائيّ، منطلقًا من فلسفته التحرّريّة.

إذ نتحدّث عن هذه المؤسّسات، لا نتحدّث عنها بوصفها مؤسّسات بيروقراطيّة هرميّة، ذات لوائح تنظيميّة جامدة، بقدر ما نتحدّث عن بنية مؤسّساتيّة تشكّلت في الحيّز العامّ، أضحى فيها الحيّز موقعًا للتجمّع للنقاش وتبادل الآراء. تأتي أهمّيّة ذلك في نقاش الحالة الاستعماريّة الّتي تطرّق إليها الزعفران رشيد، بكونها تبدأ كواقعة عنيفة، تنبني على القمع والحرب، لكنْ ثمّة بُعد آخر هو البُعد المعنويّ، فعندما تؤوّل سياسات القتل والإبادة إلى الفشل، يتوجّه المستعمِر نحو آليّات اجتماعيّة ونفسيّة تدميريّة لكيان المجتمع وعمقه الأنثروبولوجيّ، وتصوّراته لذاته والآخر والعالم، وهو أمر لا يتأتّى للمستعمِر إلّا بتسخير سلاحَي المعرفة والعلم في ذلك[6]. ذلك يعني أمرين: الأوّل أنّ الفلسطينيّين وجدوا في المؤسّسات أثناء حدث الثورة تكثّفًا للوجود في الحيّز العامّ وفضاءً للنقاش والتخطيط، يقاوم استهداف أجسادهم بوصفها أجسادًا مستهدفة بالإبادة المستمرّة. أمّا الأمر الثاني، فلا يعني القول إنّ المعرفة الّتي أنتجها كنفاني كانت معرفة مضادّة ردًّا على المعرفة الصهيونيّة الّتي أطّرت الفلسطينيّ في صورة متوحّشة، بل هي معرفة الفاعل في السرديّة الفلسطينيّة لا معرفة ردّ الفعل على المعرفة الصهيونيّة؛ إنّها حالة البحث الّتي لم تحتوِها الجدران والأسوار الكثيرة، وهو ما لخّصه كنفاني بجملة إلى غادة السمّان: “إنّك لن تستطيعي أن تجدي الشمس في غرفة مغلقة”.

 تمثّل فعل غسّان كنفاني بوصفه سوسيولوجيّ العموم في الثورة على الغرف المغلقة (…) لم يصْبُ يومًا إلى منزلة سياسيّة رفيعة، حيث يتحوّل الناس إلى موضوع، وتتحوّل معاناتهم إلى تداول سياسيّ ’بخس‘

تمثّل فعل غسّان كنفاني بوصفه سوسيولوجيّ العموم في الثورة على الغرف المغلقة؛ هناك وإذ وُجِدَ بين الجماهير، لم يصْبُ يومًا إلى منزلة سياسيّة رفيعة، حيث يتحوّل الناس إلى موضوع، وتتحوّل معاناتهم إلى تداول سياسيّ ’بخس‘؛ بقدر ما عَمِلَ على تشكيل معرفة من الناس وإليهم، من خلال أعماله الأدبيّة، ثمّ فَاعَلَ هذه المعرفة مع الجماهير عبر التنظيم السياسيّ. هاتان هما الحالتان اللتان جسّدهما كنفاني، وكان أن دفع ثمنهما موتًا اتّسع لكلّ معاني المقهورين الّذين احتوتهم قلوب البشر الطامعة. لكنّه ليس بموت مجّانيّ ألبتّة، بل كان موتًا من ذلك النوع الّذي يبني يقظة تخيّليّة نحو المستقبل، إنّه المستقبل الّذي يعيش فيه الإنسان الفلسطينيّ بكرامة، بعيدًا عن نير الاستعمار الصهيونيّ.

في معنى الموت

“تسقط الأجساد، لا الفكرة”، هكذا تكلّم كنفاني؛ إذن، فالموت ليس إلّا فاصلًا ينقل الإنسان من التراب إلى التراب، وبين هذا وذاك هناك الفاصل الّذي تنشأ فيه الفكرة، وتبقى خالدة إلى الأبد؛ فالأجساد إذ تسقط بالموت تُحيي الفكرة أكثر وأكثر؛ فكرة الإنسانيّة والحرّيّة والانعتاق. هناك، في تلك المحطّة، كان كنفاني يدرك معنى أن تموت واقفًا بفكرتك؛ فالموت الّذي لا معنى له هو الموت الّذي يحتوينا، دون أن نستثمر فاصله الزمنيّ بوعي معرفيّ نحو الكرامة البشريّة للإنسان، أمّا الموت وقوفًا؛ فإنّما يكون في سبيل قضيّة أو فكرة يؤمن بها الإنسان، ويضحّي في سبيلها بجسده، وذلك ما كان لكنفاني إذ يقول لغادة السمّان: “لكن؛ قولي لي: ماذا يستحقّ أن نخسره في هذه الحياة العابرة؟ تدركين ما أعني… إنّنا في نهاية المطاف سنموت”. نعم، سنموت، لكنّه الموت الّذي يحتوي كلّ المعاني وقد اتّخذ له قضيّة عبر فعل الحفر، ودفع ثمنه وهو لم يبلغ الأربعين عامًا من عمره.

 إذن؛ إنّها ’المعرفة المزعجة‘ الّتي انحازت إلى الجماهير في مواقعهم، تلك الّتي أنتجها كنفاني؛ في الحيّز العامّ، في المكتبات، والمقاهي، وفي الشوارع، وبين الرصاص، وعلى الشاحنات، وتحت الشجر؛ فلم يكن منفصلًا ألبتّة عنهم حاصرًا جسده في المستويات السياسيّة النخبويّة، ولم يكن خبيرًا بشؤونهم وقصصهم بقدر ما كان مثقّفًا واعيًا اتّخذ بقلمه دور الحافر وصولًا إلى العمق؛ حيث وجه ’قلب الوحش‘، ثمّ منظّمًا إيّاهم في تفاعل مستمرّ معهم وبينهم. وإذ فعل ذلك فإنّه صرخ بالاستعمار قبل صراخ الأخير به، بكلّ الصوت الّذي يحمل معاني ألم التهجير والذلّ والبؤس والشدّة والفقر والحاجة؛ بكلّ ألم البعد والفقدان وحلم العودة والتحرّر؛ فكان أن اغتيل صباح السبت، 8 تمّوز (يوليو) 1972، على يد جهاز المخابرات الإسرائيليّة ’الموساد‘. إنّه غسّان كنفاني الّذي تلاشى بجسده، في ما بقي هذا الجسد ينبض معرفة متجاوزة زمن الأيّام والشهور والسنين، إلى الزمن بوصفه كينونة الوجود، الوجود الّذي يتجاوز الحياة والموت، إلى الوجود بوصفه الحقّ؛ الحقّ الفلسطينيّ على الأرض الفلسطينيّة، الّتي جاءها الأغراب يومًا بادّعاء ’الاختيار‘ من الله.

إحالات

[1] الحسين، أحمد، «فانون المخيّلة ما بعد الكولونياليّة»، مجلّة عمران للعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، المجلّد 4، العدد 15 (2016).

[2] تريمش، ماهر، «السياسيّ والسوسيولوجيّ في الفضاء العربيّ: صراع الرقابة وتحوّلات العلاقة»، مجلّة عمران للأبحاث الاجتماعيّة والإنسانيّة، المجلّد 2، العدد 7 (2014).

[3] الحسين، أحمد، 2016، ص 178.

[4] تريمش، ماهر، 2014، ص 93.

[5] لوفيفر، هنري، «معرفة الحياة اليوميّة الماركسيّة بوصفها معرفة نقديّة بالحياة اليوميّة»، مجلّة أسطور للدراسات التاريخيّة، العدد 5 (2017).

[6] الزعفران، رشيد، «واحة غريس والاستعمار: آليّات التحوّل وأشكال المقاومة»، مجلّة عمران للعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، المجلّد 9، العدد 33 (2020).

عن موقع فسحة

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: نور بدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *