في سؤال التطبيع أو في معناه وتوظيفاته إسرائيليا…

أطلق الجميع تقريبا، اسم التطبيع، للتعريف بالاتفاقين، الاماراتي والبحراني مع اسرائيل. وبعقل بارد اتناول هذا المصطلح ” تطبيع”، وبداية أشير الى انني ارى في الاتفاقين تحالفا بين السلطتين، الاماراتية والبحرانية، ولا يقلل ذلك من الاثار الخطيرة على شعوب البلاد العربية. ربما مصطلح التطبيع، كما يعتقد مستخدموه، يرفع الحدث الى أعلى مستوى من الخطورة، ويطلق حكما شعوريا واخلاقيا على حدث سياسي، تأسس على مصالح الأطراف الموقعة على الاتفاق.
برأيي ان مسار التسويات مع اسرائيل، بدءا من اتفاق نظام السادات مع اسرائيل، مرورا باتفاق وادي عربة واوسلو، وصولا، وليس انتهاءا بالامارات والبحرين، لاتوضع في خانة التطبيع، وعلى العموم فان مستخدمي المصطلح، لم يقدموا منهجا فكريا للاحاطة بالمصطلح، ولا استشرافا لامكانية تحققه في تداعيات العلاقات بين الانظمة العربية واسرائيل.
اذا كان القصد من التطبيع، في وعي مستخدمي المصطلح، هو الاعتراف السياسي باسرائيل، والتعامل معها كدولة مثل باقي الدول، في المنطقة وفي العالم، أو الانفتاح الاقتصادي، بانساقه الصناعية والتجارية والمالية والسياحية، فان التطبيع حاصل، غير انه ليس ذلك التطبيع المتخيل في الأذهان، عند ” النخب” ووسط عامة الناس.
يجب البدء في السؤال :
هل تريد اسرائيل التطبيع الشامل، مع شعوب المنطقة؟ بما يعنيه من تطبيع ثقافي عربي- اسرائيلي، وكذلك ان ينسحب التطبيع على الواقع الاجتماعي بين شعوب بلداننا والاسرائيليين. في أهم مشروعين اسرائيليين، احدهما ” يساري”، لشمعون بيريز(شرق اوسط جديد)، والثاني ” يميني” لنتنياهو، المعنون” مكان بين الامم- مكان تحت الشمس”، لم تطرح فيهما أية أفكار للتطبيع الشامل مع شعوب المنطقة، وتجدر الاشارة الى ان العبارات الاسرائيلية، التي تشير الى العيش بسلام مع” شعوب المنطقة” لاتحيط بفكرة عن تطبيع بين المجتمعات وثقافاتها وهوياتها” الحضارية”.
عليه فان استخدام المصطلح ليس مبنيا على فهم لحقيقة الأهداف الاسرائيلية، ولا على تحليل المنظورات الأيديولوجية الصهيونية، اليمينية خاصة، وهي التي تتطاول داخل بنية المجتمع الاسرائيلي في العقود الأخيرة. وهو ما تجلى واضحا في الاعلان عن ان اسرائيل دولة” يهودية”.
ولا يغير من واقع الحال الاسرائيلي الصهيوني، الطرح الذي يختزل المشكلة بالدعوة للتصالح بين الديانات الابراهيمية الثلاث.
هل يتخيل احد، مالذي يلحق ببنية المجتمع الاسرائيلي، في حال شملت العلاقات الاقتصادية بين مجتمعات المنطقة والمجتمع الاسرائيلي، سوق العمل، واندماج قوى السوق في الية انتاج تعتمد على الايدي العاملة العربية، جنبا الى جنب مع اليد العاملة الاسرائيلية؟
والأهم، ان التطبيع يتطلب، ان نفترض امكانية اعتماد العرب، افرادا ومجتمعات، الرواية الصهيونية للصراع، ولجوهر التناقض المستمر منذ قرن ونيف.
يمكن للتحالف الاسرائيلي مع انظمة الدول العربية، ان يشمل المجالات كافة، ماعدا الثقافة والاجتماع والسوق. وهنا تبقى تواقيع الدول العربية على اتفاقيات ” السلام” مع اسرائيل، محددة بمستويات سياسية واقتصادية وربما عسكرية، وذلك لايسمى تطبيعا. حتى انه أخطر علينا من فكرة التطبيع المرفوضة اسرائيليا، والمستحيلة أيضا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *