في ذكرى رحيل غالب هلسا

محمود أبوحامد

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

محمود أبوحامد
محمود أبوحامد

وُلد في الأردن 18-12-1932 وعاد لها بكفنه في اليوم ذاته عام 1989.

غالب هلسا.. جسّد “أدب الشتات” في حياته وكتبه

يمنى العيد:يخلق حياة بديلة ويعيد إليها حقيقة الحياة ..

فخري صالح : «سلطانة» الرواية الوحيدة المكتوبة ضمن جغرافيا أردنية

فيصل دراج: كان يألف المخيم الفلسطيني حيث للبيت باب واحد..

ولد الراحل غالب هلسا في إحدى قرى (ماعين) قرب (مادبا) في الأردن، يوم 18 ديسمبر 1932، وتوفي في اليوم ذاته من عام 1989 في دمشق عن سبعة وخمسين عاماً.

غادر هلسا بلده عام 1956، ملاحقاً لكونه عضواً في الحزب الشيوعي الأردني، وعاد إليه في كفن بعد وفاته بأزمة قلبية في العاصمة السورية دمشق. وما بين ذلك الخروج وتلك العودة المأساوية تنقَّل غالب بين عواصم عربية عديدة، بين بيروت وبغداد والقاهرة ودمشق، حيث كان على الدوام جزءاً من الحركة الثقافية والجدل المحتدم في حياة كل عاصمة عاش فيها، ممثلاً بذلك الشتات: حياة وأدباً وبحثاً وابداعاً وترجمة.. وبغض النظر عن طول الإقامة أو قصرها، لكن إقامته في القاهرة كانت الأطول، والأكثر تأثيراً في تجربته الإبداعية وتكوينه الثقافي، وكذلك في الموضوعات التي شكَّلت محور انشغالاته الأدبية والفلسفية والسياسية..

 مصريّ اللهجة والعوالم

يرى الناقد الفلسطيني فخري صالح أن غالب هلسا ينتسب إلى مصر أكثر مما ينتسب إلى وطنه الأردن، لأسباب تتصل بشخصياته الروائية والجغرافيا التخيلية، التي تتحرك في فضائها تلك الشخصيات، فهو في معظم أعماله الروائية، يتحرك ضمن الفضاء السياسي والاجتماعي المصري لقاهرة الستينات والسبعينات من القرن الماضي. لا يشذّ عن ذلك من أعماله الروائية إلا «سلطانة» (1987)، التي تتخذ من المكان والشخصيات والأحداث والذكريات الأردنية مادة روائية تستعيدها من الطفولة.

أما في باقي أعماله الروائية، فإنّ هلسا يكتب عن القاهرة، ويبني من أحيائها الشعبية، وشخوصها المهمشين في معظم الأحيان، ومن نقاشات اليسار المصري وانشقاقاته، عالمه السردي، مازجاً ذلك كله بتذكرات شخصية «غالب»، أو «خالد»، الذي عادة ما يأخذ دور الراوي، وتتصفى من خلال رؤيته باقي الرؤى التي تحملها باقي الشخصيات. وتذكرنا هذه الشخصية من حين إلى آخر بماضيها أو بطفولتها البعيدة في مسقط رأس غالب هلسا، وبلدته ماعين، أو مكان دراسته الإعدادية والثانوية في مادبا، ومدرسة المطران في عمان.

من هنا يبدو عالم غالب هلسا، الذي غادر الأردن لآخر مرة عام 1956 ولم يعد إلا محمولاً على نعش يوم وفاته (18 كانون الأول/ ديسمبر 1989)، مسكوناً بالحياة الثقافية والسياسية المصرية في فترة معقدة من تاريخ العلاقة بين اليسار المصري والحكم الناصري في خمسينات القرن الماضي وستيناته. وتتصل الجغرافيا التخيلية لروايات غالب وقصصه بتلك الحقبة الزمنية التي عمل فيها الكاتب في كل من «وكالة أنباء الصين الجديدة» ثم «وكالة أنباء ألمانيا الديموقراطية» لفترة تتجاوز 16 عاماً، مشاركاً بفاعلية في الحياة الثقافية المصرية، إلى أن أبعد من القاهرة بأمر من السادات عام 1978 مغادراً إلى بغداد ثم إلى بيروت عام 1979، ومن ثمّ إلى دمشق بعد الحصار الإسرائيلي عام 1982.

ولعل اتصال غالب الحميميّ بالبيئة المصرية، وصعود اسمه كروائي وناقد على صفحات مجلات اليسار المصري وصحفه في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، جعلا هويته الجغرافية ملتبسة بالنسبة إلى العديد من النقاد والباحثين، إلى درجة انعكست على الأبحاث والدراسات التي كتبت عن الرواية في الأردن. أدرج غالب في بعض هذه الدراسات، وأُقصي عن بعضها الآخر. وأنا لا أعرف في الحقيقة في ما إذا كان هاجس الهوية مدعاة للتفكر الشخصي بالنسبة إلى غالب، فهو كان مصري اللهجة، ظل يتحدث بها أينما ذهب، بعد إبعاده عن مصر مازجاً تلك اللهجة من حين إلى آخر بلهجات العواصم التي سكنها، كما ظل يختزن العوالم القاهرية ليعيد إنتاجها في رواياته التي كتبها لاحقاً، غير قادر على التخلص من مخزون السنوات الاثنتين والعشرين التي عاشها في القاهرة.

رواية سلطانة

ويشير فخري صالح إلى أن الحنين الجارف إلى مسقط الرأس تجلى في بعض أعمال هلسا الروائية، على هيئة تذكّر جانبي أحياناً أو من خلال إفراد رواية كاملة (سلطانة)، يستعيد فيها الكاتب ذكريات الطفولة البعيدة، معيداً تتبّع خطى بطله في طفولته وصباه، ما يجعل «سلطانة» قريبة من روايات التكوين والتعلم، ويجعلنا نعيد النظر إلى أعماله الروائية الأولى على ضوء هذه الرواية المميزة لغةً وشخصيات وطرائقَ حكي، واصلين عالم «سلطانة» بتلك التذكّرات الجانبية التي نعثر عليها في قصصه ورواياته الأخرى.

من هنا، يبدو من الصعب انتزاع غالب من حنينه الطفولي إلى مسقط رأسه، وتغليب مرحلة الشباب والنضج على خلفية نموه الثقافي والأدبي. إن هواجس الطفولة وأحلامها واستيهاماتها عوامل أساسية في تكوين الشخصية الإنسانية، وقد برزت مرحلة الطفولة والصبا في أعمال غالب الأخيرة كنوع من الاستعادة الحميميّة لذكريات الطفولة التي غيّبها النسيانُ وتراكمُ المشكلات اليومية وضغطُ حاجات العيش. ومن ثمّ فقد فتح الروائي الأردني خزائن ذاكرته وأعاد عجن هذه الذكريات مع أحلامه واستيهاماته وطريقة نظره إلى مسقط رأسه وسنوات تكونه. ولا تهمنا بالطبع صحة هذه الاستيهامات، التي ترد على الدوام في أعمال غالب على هيئة حلم يقظة طويل يعيد فيه الراوي غالب تشكيل العالم من حوله، بل إن ما يهمنا هو قدرة روائي متميز مثل هلسا على اللجوء إلى ذاكرة الطفل فيه لينبش عالما كان منسياً داخله.

«البكاء على الأطلال» محاولة لإضاءة نص روائي حداثي يعتمد الحلم بصورة أساسية

ولعل كتابة غالب لـ «سلطانة»، بوصفها الرواية الوحيدة المكتوبة ضمن جغرافيا أردنية، هي ما أعاده إلى مسقط رأسه إبداعياً، إلى حد أنها ذكرتنا بـ «زنوج وبدو وفلاحون» (1976) التي كانت عملاً قصصياً ــ روائياً نهل من بيئة سياسية واجتماعية غير البيئة القاهرية، لكن يد الموت التي اختطفت غالب في نهاية الثمانينات جعلت من «سلطانة» رواية وحيدة منقطعة السياق تقريباً عن أعماله الروائية الأخرى، وهي الرواية التي مثّلت مع «زنوج وبدو وفلاحون» نوعاً من الثنائية السردية الضدية، حيث تعيد «سلطانة» تأمل الطفولة البكر، والعالم الفردوسي، فيما تصور «زنوج وبدو وفلاحون» قسوة العلاقات الاجتماعية التي تربط البدو بأهالي القرى، وتقيم مراتبية مقلوبة يتسم بها مجتمع البداوة.

صديق الوحدة

الأديب اللبناني حسن داوود يقول إن هلسا كان ( كالمقطوع من شجرة ) لا لأنّه قضى حياته متنقّلاً بين البلدان، جاعلاً حصّته من كلّ منها مساوية لحصته من بلد ولادته ومنشئه، بل لتفرّده الدائم، حتى وهو يعيش حياته كما أرادها، منقّلاً إقامته بين الأردن ومصر والعراق ولبنان وسوريا.

في كتابه «ثلاثة وجوه لبغداد»، بدا لي منفصلاً عمّن أقام معهم في ذلك المنزل. في «الروائيون» كان كذلك أيضاً، وإن بين كثيرين آخرين. أما في عيشه، فبدا لي حتى من دون رفقة. وكان بيته في دمشق موحشاً أشبه بمكان انعزال أو اختباء، إذ لم تتخلّل جدرانه نوافذ، بحسب ما بدا لي، ولا تفضي إلى شرفات.

أما أكثر ما ينبّه لوحدته، فمجالسته والتمشي معه، سواء هناك في دمشق أو هنا في بيروت. ولم أكن أحتاج إلى دليل لتبيّن ذلك. يكفي مثلاً تركه وقت تمشّيه يجري على رسله، هكذا كأنه غير مرتبط بموعد لاحق أو كأنه أتى من ساعات قضاها من دون صحبة أحد. كنت أقول آنذاك إنه لا بدّ عاش مرارات لم يتمكّن لا هدوؤه ولا مسالمته من محوها. ولم أكفّ عن التساؤل عن تجاربه في البلدان التي نقّل عيشه بينها: لماذا، على الدوام، خرج حانقاً محبطاً من تلك البلدان. وهو أجابني ببعض التفصيل عن ذلك، في ما خصّ «ثلاثة وجوه لبغداد».

أعرف أنّ البعض قد يرى في السطور أعلاه تغليباً لتجربته الشخصية على ما كان يراه في تسلّط الأنظمة وتخلّفها. لكنّني، فيما كنت أقرأ كتبه، لم أجد نفسي مبتعداً عنه، هو غالب، الشخص، الذي أعرفه. كان دائماً هناك، إما الشخصية الرئيسية في الرواية، وإما واحداً من آخرين تجمّعت الرواية حولهم. ولا أعرف إن كان ذلك ينطبق على روايته «السؤال» التي، حين صدورها في مطلع الثمانينيات ربما، بدت لي مختلفة عما سبق من كتابته في «الخماسين» و«الضحك» و«زنوج وبدو وفلاحون». كانت تجمع بين الرواية السياسية والرواية البوليسية. وأذكر أنني سألته يومها من هو السّفاح، السفاح الذي هو الشخصية الأولى في الرواية. رحنا نقول يومها، نحن الذين اجتمعنا حول قراءتها، إنها الرواية البوليسية الأولى في الأدب العربي.

حاضر بعد موته

الكاتب المصري ياسر عبد اللطيف يقول إن غالب هلسا عاش  أكثر من حياة، وهو يميل إلى تصديق أنه لم يعش في هذه المدن المثيرة على التعاقب، وإنما عاشها في الزمن نفسه.

ويضيف أن هلسا يكتب  في مدونته الروائية حياته ولا شيء غير، مُستخلصاً طبقة من تحت طبقة في سرده المكتوب بالدم. كاتب من نسل سقراط وكيركغارد، تحوّلت حركته في الحياة إلى نسق جمالي وعالم روائي. هي حياة عيشت حتى الثمالة، حد الانخراط في تنظيمات سرّية والاعتقال في مختلف العواصم التي عبر بها، حد حمل السلاح للمقاومة في قضية هي الأكثر عدالة. في القاهرة التي عاش فيها الجانب الأكبر من حياته الإبداعية (نحو 22 عاماً)، انخرط مع رفاقه ومجايليه من جماعة الستينيات المصرية: بهاء طاهر، وإدوار الخراط، وجميل عطية، وإبراهيم أصلان وإبراهيم منصور وعلاء الديب وباقي الشلة. وشاركهم في تحرير مجلة «غاليري 68» المعبرة عن طموحاتهم الفنية في أعقاب النكسة. وكان غالب، إلى جوار الخراط وإبراهيم فتحي، من أكثرهم إسهاماً في الجهد التنظيري، ناقداً ومحللاً لأعمال أبناء الجيل. ولا عجب أنه لم يكن يخفي انحيازه لأكثرهم شبهاً به، ألا وهو عبد الحكيم قاسم، الذي اتكأ منجزه الروائي والقصصي هو أيضاً على خبرته الذاتية. هلسا وعبد الحكيم قاسم، لطالما اعتبرتهما سلفيّ المباشرين، على ما يباعد بيني وبينهما من مسافات فكرية وأمزجة، وعلى الرغم من تأثري المباشر بكُتاب آخرين من الجيل نفسه أو من أجيال وثقافات أخرى. وكنت أنظر لنفسي باعتباري امتداداً لذلك التيار، سمّه تيار «كتابة الخبرة الذاتية»، أو تيار «الكتابة الوجودية» بالمعنى المنهجي لا المذهبي لتلك الكلمة التي باخ استخدامها. وكثيراً ما أُسيء تفسير هذه الكتابة، وقُرئت باعتبارها ضرباً من السيرة الذاتية، ليواجهك غالباً السؤال المُحرج: «هل حدثت تلك الأشياء بالفعل؟». ورأى فريق آخر أنها كانت «موضة» سادت في كتابة جيلي، جيل التسعينيات، تدليلاً بالوسوم النظرية نفسها التي رافقت إبداعات ذلك الجيل «كتابة الحياتي المعيش» أو «أدب التفاصيل اليومية». ولم يفطن أحد أنّ ذلك المزاج قديم قِدَمَ صنعة الكتابة نفسها. وكنت كثيراً ما أتساءل عقب كل حوار عبثي من هذه الحوارات: ألا يعرفون عبد الحكيم قاسم؟ ألم يقرأوا غالب هلسا؟ بعد ارتحاله عنها بعقدين وما يزيد، وتطوافه بعدة مدن مع مغامرات سياسية مثيرة واستقراره الأخير في دمشق، استعاد غالب القاهرة في روايته الأخيرة «الروائيون»، الأقوى من وجهة نظري بين أعماله.

أوسع من مدينة

الناقد الفلسطيني الدكتور فيصل دراج يرصد حياة هلسا بعدما خرج من بيروت، في خريف 1982، ومرّ على أكثر من بلد، وانتهى إلى دمشق، وبدأ يتعرّف إلى أحيائها، وحلم بأن يكون فيها شيء من القاهرة. واستأنف عاداته التي كان يتصدّرها: التجوال في شوارع المدينة، والتعرّف إلى مقاهيها وحدائقها ومطاعمها، وبحث طويلاً عن مكتبات تبيع الكتب الصادرة باللغة الإنكليزية. غير أن حلمه انحسر حين عرف أن الشوارع التي ينتظرها تختصر في شارع واحد طويل، يمتد من الجسر الأبيض وينتهي بـ«ساحة الأشمر» في نهاية حي الميدان. اغترب مرتين: اغترابه المستمر الذي لازم وجهاً آثر ألّا يغادر الطفولة، واغتراب وافد من ضيق المدينة، التي كان يظن أنها تشبه القاهرة.

وكان يتجول متأبطاً رخاوة يومية فضفاضة، ينظر، ويدقّق، ويسأل، ولا يتعجّل في السير إلى أن يصل، بعد ساعتين، إلى شبه مطعم، فيه ثلاث طاولات، في أحد حواري حي الميدان، حيث كان يتمتع بالطعام، يبتسم بين حين وآخر، ينظر إلى السقف والجدران ويقول: «ده يشبه مكاناً في القاهرة»، ويكمل: ولكن بلا نيل. كان مسكوناً بأطياف مدينة المعزّ، وبذاته المغتربة الموزعة على أكثر من اتجاه، ذلك الاغتراب الموجع الذي عبّر عنه في روايته الأولى «الضحك»، وعاد إليه بوجع كاسح في رواية «الخماسين»، حيث الحكم البوليسي يداعب أصوات الذئاب، ويحوّل القمر إلى حجر بارد تخاف منه العينان.

كان أوسع من حياته الدمشقية، بعد حين سيُدمن النومَ إدماناً مريضاً منتظراً أحلاماً ملونة، تأتيه إن أخذه النعاس. وكان أوسع من التنظيم السياسي الفلسطيني الذي اقترب منه، وأوسع من «مجلته»، ومن الحزبيين الذين يحيطون به…. الوحيد الواسع كان اغترابه، لم تكن دمشق تلك المدينة المحافظة تفتح بيوتها للغرباء، لا عن بخل ولا كراهية، بل عن عادات متأصلة عمرها طويل. كان يذكر أن البيت الدمشقي الوحيد الذي زاره هو بيت الروائي خيري الذهبي، ومنزل سعد الله ونوس، الذي كان يشير إلى أطوار غالب الغريبة.

الباب الضّيق

ويضيف الدكتور دراج: كان غالب يقول: إن ظاهر البيت الدمشقي يغاير داخله، فالظاهر فقير متقشّف عتيق، والداخل أنيق مترف غني، واعتبر أن «الباب الضيق» في الأحياء القديمة مدخلٌ إلى فهم الشخصية الدمشقية. فهو ضيق للعيان وواسع لأهله، كما لو كان للإنسان الدمشقي سر لا يدركه إلا الدمشقيون. ولذلك كان يألف المخيم الفلسطيني، حيث للبيت باب واحد، يساوي ظاهره داخله. وكثيراً ما كان ينام عند أصدقائه من الفلسطينيين، زاهداً ببيته «الراقي»، الذي تلازمه فوضى عاتية.

ذلك الأردني الأصيل المصري اللهجة كان يوسع عالمه توسيعاً قسرياً، كأن يألف مجموعة من الشباب الهامشيين ويقاسمهم الطعام، أو أن يحضر ندوة أدبية ـ سياسية ويسوطها بأسئلة غاضبة، أو أن يمعن في كتابة هجائية عن الذين يختلف معهم، ينشرها في مجلات فلسطينية فقيرة العدد، أو أن يكتب مقالات قصية لها عنوان طريف: تأمل في تاريخ علم الجمال، أو الثقافة ومشاكل المثقفين، أو بصيرة تروتسكي التي حذّرت من البيروقراطية والبيروقراطيين.

كان وهو يوسّع عالمه توسيعاً لا طائل منه، يمشي في حارات دمشق ويتحدث عن القاهرة، فيذكر بائعي الشواء المنتشرين على ضفاف النيل، ويتوقف طويلاً أمام إدوار الخراط وصنع الله إبراهيم، وإبراهيم أصلان ورضوى عاشور، ويؤكد أنه عرف الشخصيات التي كتب عنها في «الخماسين»، سواء ذلك الذي بال على نفسه وهو ينتظر مثوله أمام المحقق، أو «نادية» إحدى شخصيات رواية «الضحك» التي كان يتحدث عنها بحنين يخالطه.

البكاء على الأطلال

ويشير الدكتور دراج الى أن غالب في رواية «البكاء على الأطلال»، التي اقتربت من هزيمة حزيران عام 1967 يذكر  أن بطله، وبطله هو نفسه، يتذكر «دقة المهباش»، وفي القلب فقدان ولوعة. عاش غالب في دمشق على «أطلال لا ترى»، وكان له صور استعادها بفقدان ولوعة، وغاص في لوعة الفقد حتى اضطرب. فكان «معنا ومنا وبيننا»، وكان وحيداً مأزوماً، ينتظر أحلاماً تقوده إلى حدائق مليئة بالرمان وبنساء خضر العيون، كما كان يقول، ويتحدث عن جدّه «الذي عاش مئة وخمسة عشر عاماً»، ويردد بلهجة حازمة، علتها ابتسامة متلاشية، أنه سيعيش أكثر من جده.

هذا الرجل الذي كان يفاجئ الجميع بشجاعته، خلال حرب 1982، والذي احتفظ ببراءة حارقة، تدفعه إلى طرح الأسئلة بلا تحفظ أو تهيّب.

كانت دمشق أضيق منه، أو كان أوسع منها، أو كان «البكاء على الأطلال»، التي لم نكن نعرفها، قد أرهق روحه وضيّق الأمكنة. كانت فيه تلك الرومانسية الجامحة، التي تلازم كبار الفنانين، وتأمرهم بأن يغيرّوا العالم، من دون أن يغيّروا أنفسهم، وذلك الفضول المعرفي الغريب، الذي يجعله مهموماً بالعثور على كتاب لباشلار «علم نفس النار»، أو مهجوساً بالسؤال عن كتاب ثودور أدورنو «ديالكتيك النفي»، وكانت عنده: أسطورة القاهرة، التي اضطرب لفراقها ووعد النفس بالرجوع إليها.

اللقاء الأخير

يقول الدكتور دراج : حين كان هلسا يكتب روايته الأخيرة «الروائيون»، التي تحكي عن مسار شيوعي مصري خانه الطريق، كان يقول: قررت أن أضع حداً لحياته. وكان سعد الله ونوس يرفض تشاؤمه ويقول: نهاية غير منطقية، ويعود في اليوم اللاحق ويقول: بطلي لن يموت، لكنه لا يلبث أن يغيّر رأيه، ويرى في الموت نهاية منطقية لهذا المتمرّد الذي أرهقه تمرده ووقع على الخواء.

 وفي اللقاء الأخير بيني وبينه، شرب من حنفية في «ساحة الأشمر» في حي الميدان، ونظر إلى السماء طويلاً، ومسح يديه، وأعلن بابتسامة راضية: في العام القادم، سأعود شاباً، سأعود إلى القاهرة، سأحصل قريباً على إذن بالرجوع.

كان سعد الله ونوس وهو يتحدث عن العراقي غائب طعمة فرمان والأردني غالب هلسا والمصري يوسف الشاروني، يقول: إنهم مظاليم الأدب، فهم جديرون باحتفاء واسع، لم يظفروا به. لم يكن غالب، الروائي الذي مارس حداثة روائية مبكّرة، يعبأ بنهاية الطريق الذي يمضي فيه، مردداً دائماً: المهم ما نصادفه في الطريق، لا النهاية التي يوصلنا إليها.

المناضل الملاحق

الكاتب الأردني الياس فركوح يرى أنَّ «حكاية» وصف غالب هلسا بـ«المناضل المُلاحَق، وبالتالي المنفيّ» من قِبَل النظام في بلده، قد تمّ تضخيمها والإطالة من عمرها إلى حدّ «الأسطرة الثقافية»، ويضيف: وإنْ كنت أعي الموجبات السياسية لذلك ودوافعها، ولمحطّة اعتقاله الأولى وهو في شرخ شبابه. لكنَّ اللافت في سيرة غالب هلسا ومسيرته الكيفيةُ التي عالج بها «شطره السياسي/ النضالي» في كُلٍّ من عمّان، وبيروت مرحلة الدراسة المؤقتة، وبغداد نشاطه الأول فيها. وأراني أتخيّله، عند مراجعاته لتلك المحطّات بينه وبينه، يعتمل في نفسه يقينٌ أو ما يماثل اليقين في: «نعم؛ هكذا ينبغي للمثقف أن يكتب حياته»، كأنما «ظاهر شخصية» غالب هلسا هو «بِطانة بطل» الكاتب غالب هلسا، وليس ثمّة من فارق بينهما!

ويؤكد أن هلسا كتبَ في أزقة شطر بيروت الغربي وشوارعها الجزءَ الكامل للبُعد النضاليّ في شخصيته أكان يطمح إلى أن يتسم بـ«بطولة الخاسر» في أزمنة الخيانات، والانتكاسات، والتخلّي الوطني القبيح؟ (ولا أقصد هنا، بالتأكيد، سعيه ـ كما سعى ويسعى كثيرون حتّى الآن ـ لأن يدخل إطار «الضحية» وصورتها) فهو، بموقفه الصريح في قولته وجرأته، في القاهرة أيام سادات التخلّي والتنازلات المهينة حيث دفع الضريبة بنفيه عنها، لم يكن إلّا مخلصاً لجوهره كمثقف وطنيّ في الصميم منه، مجانِباً لأيّ حزب، وككاتب تنسجم نصوصه مع حياته وتنضفر بها.

المدينة الكبيرة، المثقف النقدي، الكاتب لنصوصٍ تحديثية، المناضل صاحب الرؤية المتحررة والموقف غير المساوم: هذا هو غالب هلسا.

أما إذا أردنا ترجمة المدينة الكبيرة بتعيينها؛ فإنها القاهرة لا سواها. والمثقف النقدي؛ فيتجلّى في «العالم مادة وحركة: دراسات في الفلسفة العربية الإسلامية» و«الجهل في معركة الحضارة». والكاتب لنصوص تحديثية؛ فلدينا أعماله السردية الكاملة، روايةً وقصصاً قصيرة. والمناضل المتحرر المستقلّ غير المساوم؛ ففي «أزمة ثورة أم أزمة قيادة»، وعار إبعاده عن فردوسه ثمناً لكونه لم يخن نفسه بما تتضمن من اقَتناعات.

لم تشكِّل بيروت لغالب هلسا مدينة تعويضية عن القاهرة أو بديلاً، بقدر ما كانت ساحة مفتوحة كتب في أزقة شطرها الغربي وشوارعها الفقيرة الجزءَ الكامل للبُعد النضاليّ في شخصيته، واحتمالية الموت داخل سياج الحصار ونيران القصف الصهيوني، والقبول به ما دام هذا هو الاختيار. وبغداد بعد الإبعاد/ النفي؛ فتجربة بدا أنَّ «المرارة» التي تجرعها هناك كانت أثقل من أن يرتضيها لنفسه، رغم «الضيافة» إيّاها و«التقدير» إيّاه!

ودمشق! يا لتلك الـ«دمشق» المدينة الأخيرة، حيث لم تقدر أن تبذرَ فيه سوى احتراق متصاعد صوب القاهرة/ المدينة الحقة. ولَمّا لم تنجح كل محاولات مُحبّيه في إعادته إليها، استسلمَ لأن تنتهي رحلته من حيث بدأت: إلى عَمّان، في تابوت مغلق، رغم إرادته!

أكان «المغترب الأبدي» حقاً؟

حيّاً… وميتاً؟

حياة الكتابة وموت الكاتب

تقول الناقدة اللبنانية يمنى العيد إن غالب هلسا هو الروائي الذي نجده، حين نقرأه، حاضراً في حوار مستمر مع الكتابة والعيش والحياة، مع السّياسة والحبّ والحريّة، مع الناس، معنا، ومع هؤلاء الذين سيأتون بعدنا. في «الخماسين»، في «السؤال»، في «ثلاثة وجوه لبغداد»… وربّما في كلّ ما كتب وأبدع من روايات، طرح غالب سؤال الكتابة الأعمق، عن معنى علاقة الكتابة بالحياة، واكتشف أنّ لهذه العلاقة طابع الضرورة، وعلى مسافة من هذه الضرورة يموت الكاتب، أو يفقد حياته. يعيش الروائي، كما يقول غالب، «اللحظة ليكتب عنها»، وفي لحظة الكتابة، تكون الحياة مؤجّلة.

يعيش فيترك الحياة وراءه، وإذ يكتب يعصر «كلَّ ما فيه من حياة»، ويبدو له ذلك فاجعاً جداً، كالموت يأتي بعد حياة مليئة بالآلام والعذاب…يأتي «قبل أن يمتلىء الإنسان بالحياة» (ثلاثة وجوه لبغداد).

بين الكتابة والحياة، طرح غالب السؤال، فلم يترك الكتابة ولم يترك الحياة، بل وقف بينهما مدركاً علاقة الضرورة هذه. وقف روائيّاً من نوع خاص يحوِّل الحياة إلى لحظة كتابة ويبدع بالكتابة الحياة. كان، كما يقول، يفقد روحه وتوهّجه «وتتمزق الخيوط التي تصله بالحياة الحقيقيّة، الحياة الحارّة البكر، لأنّه يخلق حياة أخرى بديلة على الورق».

وتقول العيد إنً هلسا يخلق حياة بديلة فيعيد إليها حقيقة الحياة، حرارتها وبكارتها، ويدخل هو نفسه، ككاتب، إليها. يدخل لا ليروي سيرته الذاتية، بل ليجعل من الكاتب الذي يكتب واحداً من هؤلاء الذين يروي عنهم، واحداً يتحرّك بينهم، يحاورهم، يعيش علاقات الصراع. لا يعظ، ولا يأتي بالرسالة. لا يقف على منبر ويحكي مِنْ عل كأنّه وحده يقبض على الحقيقة، أو كأنّ الحقيقة لغزٌ لا يفكّه إلاّ سدنتها، بل يمارس العيش مع شخصيّاته، وبالممارسة هذه يولد الكلام، تتبلور الرؤية فتتعرّى سلطة القمع، يتكشّف المكبوت مخزوناً داخليّاً يخلُّ بتوازن الإنسان والحياة (شخصيّة السفاح في رواية «السؤال»). مكبوت جنسي يحرّك سلطةً قمعيّة ويحكمها، أو قمع سياسي هو رمزٌ لقمع أعمق يطال جوهر الوجود بما يعنيه من حبٍّ وولادة واستمرار (رواية «السؤال» ورواية «ثلاثة وجوه لبغداد»).

القمع، حسب غالب، علامةٌ على لجم تعيشه مجتمعاتنا العربية، ويحول دون تطوّرها. إنه تكبيلٌ لطاقات العطاء البشري، وارتدادٌ بمشاعر البشر إلى مستوى الغريزة.

كتب غالب الرواية ليعيش في عالمها، ولتعيش شخصيات الرواية عالم الناس والمجتمع، فإذا الرواية نسيجٌ لعلاقاتٍ صراعيّة تعيش زمنها وتقوله. في روايات غالب تتحوّل الكتابةُ عن الحياة إلى موضوعٍ للرواية. هكذا يطرح السردُ سؤاله عن الخيال وعن أشياء الخيال.

طرح غالب سؤاله، حمل أوراقه ودار بين الناس يطلب إليهم أن يحكوا عن حياتهم (الخماسين)، فتسقط المسافة بين المتخيّل والوقائعي، بين الحياة والسرد عن الحياة.. بين قول الحياة والإخبار عنها. تسقط المسافة بين الراوي والكاتب.. فالكتابة، أو هذه الحياة الأخرى التي على الورق، ليست سوى سؤال مطروح على الحياة نفسها، على العيش.. وغالب الذي يكتب، الروائي الذي يموت «ليكتب حياة الآخرين، يدخل بنفسه، وباسمه، عالمَ الرواية (كما في «ثلاثة وجوه لبغداد).

يتكشّف لنا سؤال غالب هلسا عن معنى العلاقة بين الكتابة والحياة كسؤال عن معنى العلاقة بين الحياة والحياة، فهو لم يضع الحياة والكتابة في جانب يواجه بهما الموت، ويخلِّد الحياة كتابةً بنفيها واقعاً. أي ليست الكتابة، في نظره، حياةً يناقض بها الموت.. فالصراع عند غالب هو بين حياة الكتابة وعيش الحياة. هكذا وحين يختار الكاتب حياة الكتابة يموت.

إنّ الصراع، بهذا المعنى، هو في نظر غالب، وكما يتمظهر في معظم رواياته، صراعٌ بين أن يعيش الكاتب، وأن يكتب هذه الحياة البديلة على الورق، وفي هذا الصراع يتبدّى «موت» الكاتب كضرورة للكلام كتابةً على الحياة.

سؤال لا يتوقف

زكريا محمد، الباحث الفلسطيني،  يستعيد ذكرياته مع غالب هلسا حين كان يلتقيه في مقر مجلة «الحرية» في ساحة «الشهبندر» في دمشق. ويقول إن حديث هلسا يغلب عليه السؤال، فهو سؤال لا يتوقف. إنه مثل عنوان روايته «السؤال». ثمة شوق هائل لديه لمعرفة الناس، معرفة قصصهم، وعوالمهم. وهو يفعل ذلك بأرقّ الطرق، وأشدها تواضعاً. كان يقف معنا كي يسأل ويسمع. وكنا لغرورنا نقول أكثر مما يقول هو، ونسمع أقل مما يسمع هو. كان مكتب «الحرية» قبواً، لكن فسحة صغيرة فيها بعض أشجار كانت أمامه. وكان يقف هناك تحت الشمس الشتوية الدافئة.

وحين أتذكر الرجل أتذكر أنه من مواليد «ماعين» أو إحدى قراها، حيث «البدو والفلاحون»، فأتذكر شلالات ماعين التي تسقط مياهها الحارة وتجلد ظهرك حين تقف تحتها. أنا أربط بينه وبين الشلالات من دون إرادتي. وأفكر أنه خارج من تحت ضربات الماء الساخن للشلال، فنَعمَ جلدُه، ورقت يده وعينه وفكرته. هذا رجل خارج للتو من حمام دافئ.

جرأة لا توصف

ثمة جرأة لا توصف عند هذا الرجل. هو لا يعرف الخوف. لحمه لا يعرف الخوف، ولا يرتجف. وفي حين كنا نحاول ان نتغلب على خوفنا تحت القذائف في حصار بيروت، لم يكن هو بحاجة إلى تكلف الشجاعة. وقد خبر هذه الجرأة من عاشره أيامها. كان قادراً على أن يمشي تحت القصف هادئاً كأنه ملاك. وكان يدوام على الذهاب إلى مواقع المقاتلين على خطوط التماس في كل المناطق. وحدثني صديق مرة أنه ذهب معه إلى موقع تماس في «حيّ السّلّم»، وأنه أصر على أن يصعد فوق الحاجز الترابي لكي يرى اليهود. أن يرى بعينيه، ويلمس بيده، هذه هي فكرة غالب هلسا. الكتب لا تكفي عنده. ثمة كتب أشد إثارة عنده هي كتب الحياه، وكان يقرأها. كان يشربها حتى الثمالة.

وحين أحاول الآن أن أربط غالب ببلد عربي، لا أستطيع إلا أن أراه مصرياً. لقد تمصّر حتى العظام، رغم أن مصر رمتْه. لا أستطيع أن أراه شامياً (واحداً من بلاد الشام). أما هو، فقد بدا لي أنه هو غير راغب في أن ينتمي إلى بلد محدد. فالحنين إلى مكان الطفولة لم يجعل منه «أردنياً» بشكل كاف. لم يكن الحنين إلى مسقط رأسه قتله، لم يكن حنيناً يغلي غلياناً، أو هكذا بدا الأمر ظاهرياً على الأقل. وللأسف لم يكن هناك حنينٌ لدى النظام في الأردن كي يعيد غالب هلسا إلى بلده، كان النظام حديدياً يومها، كان لا يرحم. وبعد هبّة 1989 حصل تحول ما، لكن غالب كان وقتها قد رحل عنا. كان مصرياً كما بدا لي، لكن الحنين إلى مصر لا يسيطر عليه أيضاً. وكانت روحه عطوفة على الكل، على مصر وعلى العراق ولبنان وفلسطين. وفي السياسة كان فلسطينياً أكثر من الفلسطينيين أنفسهم. غير أنه لم يكن يدمج نفسه بهم. كان عربياً إلى حد ما، لكن أيضاً ليس حد الاندماج.

كأن غالب هلسا كان قد تخطى فكرة الاندماج. كأن الاندماج فكرة ضد السؤال والتساؤل. وكان غالب هلسا سؤالاً. وكانت حياته مساءلة واستجواباً..

رواية الضحك

الشاعر السوري حسين بن حمزة يربط ذكرياته بهلسا عن طريق كتبه، ويقول: على الرفوف المعدنية المغبرّة لمكتبة المركز الثقافي التي كنت أتردد عليها بشكل يومي تقريباً، لإعادة ما استعرتُه وأخذ كتاب جديد. على واحد من تلك الرفوف التي خُصصت للروايات والقصص، كنتُ أتعثر بعنوان رواية اسمها «الضحك».

لا أتذكر عدد المرات التي وقع نظري فيها على باكورة غالب هلسا الروائية، ولكني لا أزال أتذكر استغرابي أن تكون مفردة مثل «الضحك» عنواناً لرواية. كان العنوان الذي يُفترض أن تصنع غرابته جاذبية ما للقارئ يؤجل فكرة قراءة الرواية، بل يُبعدها ويطردها أيضاً، وكانت كنية المؤلف الغريبة أيضاً (هلسا) تعزز هذا التأجيل وتقتل فكرة القراءة من أساسها.

لا أتذكر الآن إن كنت تجرأتُ وقررت أن أستعير الرواية ذات الغلاف الرصاصي الباهت لأتخلص من تعثّري بعنوانها واسم صاحبها، أم أنني تجرأت وراهنتُ على أن العنوان الغريب للرواية ربما يحمل مفاجأة سردية سارّة في صفحاتها التي كانت كثيرة ومن القطع الكبير، أم أنني أنهيت قراءات الروايات التي كانت موجودة في الرف المخصص لها، ولم يبقَ سوى رواية غالب هلسا لكي أقرأها كتحصيل حاصل.

قرأت الرواية أخيراً، وكان انطباعي الأول هو أن علي أن أقرأ فوراً أعمال غالب هلسا كلها. كانت «الضحك» بداية مطاردة رواياته ومؤلفاته وترجماته. صحيح أن «الضحك» كانت تحمل أغلب الانطباعات التي كانت تنبعث من النماذج الجيدة للرواية المصرية، إلا أنها كانت تتجاوز أو تتفوق بطريقة ما على طابعها المصري بشيء يصعب تحديده بدقة، بشيء يمنحها مذاقاً أجنبياً، ويجعل مصريتها غير صافية. عرفت لاحقاً أن غالب أردني، وأن هذا قد يكون دليلاً على «أجنبية» ما، ولكن تلك الأجنبية كانت تتجاوز هذه المعلومة أيضاً، وتتدخل في تأليف رواياته وفي أسلوبيتها وسرديته وحواراتها التي كانت تأخذ حيزاً واضحاً في مساحات السرد والوصف.

سأجد «السؤال» و«البكاء على الأطلال» في مكتبة دمشقية، وستتعزز أجنبية غالب هلسا في ترجمته لرواية «الحارس في حقل الشوفان» لسالنجر، و«جماليات المكان» لغاستون باشلار. وسيتعزز ذلك أكثر في كتاب صغير سينشره صاحب «الضحك» بعنوان «أدباء علموني أدباء عرفتهم». كانت «الأجنبية» مادة مخلوطة بالسرد وذائبة في مبدأ الكتابة والتأليف، وليست صفة ملصوقة برواياته. لقد اهتدى صاحب «الروائيون» مبكراً إلى جملة روائية تخصّه. جملةٌ مدينةٌ لتأثيرات عديدة طبعاً، ولكنها تحولت إلى مقتنيات شخصية في أعماله. جملة يمكن التعرّف إليها في حيادية الوصف، وفي طريقة استخراج الأداء الروائي للشخصيات الرئيسية والثانوية، وفي مزج الواقع السياسي مع مصائر تلك الشخصيات وأفكارها وتخيلاتها الذاتية. لعلّ تلك «الأجنبية» تغذّت من فكرة أنه عاش «أجنبياً» في مصر والعراق وسوريا ولبنان، قبل أن يعود في تابوت إلى الأردن.

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: محمود أبوحامد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *