في ذكرى الهولوكوست… وحاضر الإبادة الجماعية


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

أوائل الثمانينات، أوفدتني صحيفة “الفجر” المقدسية باللغة الإنجليزية، التي كانت قد استدعتني للعمل بها، بعد إقدام السلطات الإسرائيلية على فصلي من العمل كمدرس للغة الإنجليزية، ولم يمر على توظيفي أربعة أشهر، لزيارة متحف إسرائيلي في شمالي البلاد يخلد ضحايا المحرقة النازية بحق يهود ألمانيا وأوروبا، والكتابة عنه. وقد كان من أسباب الفصل إصراري على تذكير الطلاب بالنكبة الفلسطينية من خلال قيامي بمقارنة موضوع قطعة أدبية للكاتب الأسود الأميركي، جيمس بالدوين، وعنوانها My Dungeon Shock (“صدمة الزنزانة الخاصة بي”)، التي كانت معتمدة في المنهاج المدرس آنذاك، بواقع الفلسطينيين تحت الحكم العنصري والاستعماري الإسرائيلي.

اسم ذلك المتحف “لوحامي هغيتاؤوت” (محاربو الجيتوات)، ويقع بين مدينتي عكا ونهريا الساحلتين، على أنقاض قرية فلسطينية، هي السيمرية، التي طرد سكانها البالغ عددهم 880 إلى لبنان ولم يسمح لهم بالعودة حتى الآن، أسوة بملايين اللاجئين.

شكلت الجولة داخل المتحف، بين الصور والوثائق والشروحات الملازمة، صدمة عاطفية داخلية لي، إذ كانت المرة الأولى التي أقف وجهًا لوجه أمام مشاهد الحرق والإعدامات والتجويع في مخيمات التركيز أو الجيتوات، وأقرأ شهادات شخصية تقشعر لها الأبدان. ورحت أتساءل كيف يمكن لبشر أن يرتكبوا هذه الجرائم المروعة بحق مواطنيهم وإخوتهم في الإنسانية، وكيف تمكن المجرمون من تنفيذ فعلتهم على مدار سنوات. وعندما عدت إلى مكاتب الصحيفة المقدسية، كتبت انطباعاتي الحقيقية ولم أخفها. وهذا رغم مواقفي الحادة جدًا ضد الصهيونية وفكرة إقامة إسرائيل على أنقاض وطني وشعبي، فقد جئت من بيت فقد شهيدًا في أثناء هجوم الصهاينة على قريتي عام 1948، وتهجير أعمام وأخوال وعمات والدتي، التي عشت، وأنا طفل، بكاءها بل نواحها بين الحين والآخر على غياب أحباء لها في مخيمات اللجوء اللبنانية. وثانيًا، كتبت وعبرت عن مشاعري المتعاطفة، رغم أن المتحف مقام على أنقاض قرية فلسطينية هجر سكانها إلى لبنان وهدم بيوتهم، وسرقة أراضيهم. وثالثًا، أن مدير المتحف وهو أحد الناجين من المحرقة النازية، والذي بدأت معه حوارًا صحافيًا ما لبث أن تحول إلى نقاش ملتهب علا فيه صوتنا، حين سألته عن شعوره تجاه عملية هدم القرية وسكانها، مبررًا هذه الجريمة، وناكرًا مسؤولية إسرائيل عن النكبة والتطهير العرقي وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني. وقد كتب لاحقًا المؤرخ الإسرائيلي توم سيغف في إحدى مقالاته في صحيفة “هآرتس”: “لا توجد بلدة أخرى في البلاد التي تجسد مثل لوحامي هغيتاؤوت العلاقة بين الهولوكوست والمأساة الفلسطينية”، في إشارة إلى النكبة.

لم يدفعني هذا الموقف الانفصامي وغير الأخلاقي لمدير المتحف، والذي أغضبني وأحزنني كثيرًا، إلى التراجع عن تضمين مشاعري الصادقة بالتعاطف مع ضحايا المحرقة النازية بحق اليهود في التقرير. وربما كانت تلك الزيارة من العوامل التي عززت مبادئي الإنسانية، وفصل الصهيونية عن اليهودية، وهو أمر ينطبق اليوم على عموم الشعب الفلسطيني. كما أنه زاد من عزيمتي على النشاط السياسي، ودفعني إلى الانخراط في العمل الحركي المنظم.

اليوم، السادس من أيار/ مايو، تحيي إسرائيل ذكرى الهولوكوست، المحرقة النازية، وقد كانت قد رفعت شعارًا “لن يحدث مرة أخرى”. لكن في هذه الأيام السوداء، يتجلى مشهد بالغ التناقض والسريالية والفجور، إذ هم أنفسهم، من يتذكرون محرقتهم، أو من اختطفوا تمثيل اليهودية، يواصلون تنفيذ إبادة جماعية بحق آخرين، من غير اليهود، بحق أصحاب الوطن، دون أن يردعهم درس التاريخ، ولا أي وازع أخلاقي أو إنساني.

وإذ هم غارقون في إشباع تعطشهم للانتقام، تعود الأسئلة الصعبة ذاتها، الوجودية والأخلاقية والسياسية، التي طرحت بصدد المحرقة النازية من قبل فلاسفة وكتاب وأدباء؛ مثل كيف حدث هذا، وكيف يمكن أن يتحول الإنسان إلى وحش، والأهم كيف يمكن أن يتحول من كان ضحية تلك المحرقة الهتلرية المروعة إلى منفذ لجريمة الإبادة بحق شعب آخر، بعد أن أنكر وجوده وأنكر حقوقه، والآن لا يتحرج عن إنكار إنسانية هذا لآخر الذي يخضع لاستعمار إحلالي وإبادي. وخلال الإبادة الجارية في غزة، وصف كاتب إسرائيلي في صحيفة “هآرتس” المجتمع الإسرائيلي منذ بداية الحرب الإبادية بأنه في حالة غياب عن الوعي ومتعطش للثأر، وأن قادة الحكم الحالي في إسرائيل مرتاحون لذلك، لما يوفره لهم من أريحية في تنفيذ مآربهم الشخصية، والأيديولوجية، والفئوية. ولم يأت هذا دفعة واحدة، بل كان حصيلة عملية تعبئة وشحن منهجية ممتدة حول مقولة فرادة الشعب اليهودي، والتي قام قادة الحركة الصهيونية، ومن بعدها إسرائيل، بتكريسها في المؤسسات التعليمية والأكاديمية والعسكرية الأمنية، والمدارس الدينية. وتصرف هؤلاء منذ الهولوكوست، والحرب العالمية الثانية، على أنه يحق لهم فعل أي شيء، طبعًا ليس ضد من كان مسؤولًا عن المحرقة وهم الألمان وأعوانهم، بل ضد شعب آخر ليس له أي علاقة بتلك المحرقة، ولا بظاهرة اللاسامية البغيضة.

وإذا كانت النكبة الأولى عام 1948، التي جاءت بعد سنوات قليلة من الهولوكوست النازي، لم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه، وكذلك الحروب والمجازر التي نفذتها إسرائيل على مدار عقود طويلة، فإن حرب الإبادة الحالية باتت عصية على التجاهل والإنكار. إن إسرائيل، كمشروع كولونيالي متوحش، تجد نفسها لأول مرة في منعطف تنقلب فيه الدنيا كلها، وتحديدًا الشعوب، والقسم الأعظم من الدول، وغالبية يهود العالم، على سرديتها وأيديولوجيتها السامة، التي تتصدع، لتفتح الباب واسعًا نحو وعي جديد، إنساني عالمي. إننا أمام مرحلة يتعلم الناس، في فلسطين وجميع أنحاء العالم، بعدم جدوى الانتقام، والاستعمار، والقتل الجنوني، والفوقية العرقية، وهي فرصة لنا جميعًا للحفاظ على إنسانيتنا، ودرس لأهمية خوض النضال التحرري الإنساني الذي تحركه وتضبطه القواعد والمبادئ والمثل الإنسانية.

عن عرب48

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: عوض عبد الفتاح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *