في ذكرى اجتياح الجيش العراقي للكويت


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

أعتقد جازما بأني آخر إنسان على كوكب الأرض عَلم بخبر اجتياح الكويت! كنتُ آنذاك في العزل الانفرادي، ولا أعرف شيئا عما يدور في الخارج..
صبيحة يوم حار في بداية أيلول 1990، وكان قد مضى شهر كامل على الاجتياح، أتى مندوب الصليب الأحمر لزيارتي، كان مرهقا وجائعا ومغبرا على غير عادته، وكان لدي بعض البسكويت فقدمته له، فاعتذر قائلا إنه غير مسموح لنا تناول الطعام مع المساجين، وأمام إلحاحي وتحت وطأة جوعه الشديد تناول كل العلبة، ثم برر جوعه بأنه قادم من مخيمات اللاجئين الآسيويين جنوب عمّان.. فقلت له مستغربا “مخيمات لاجئين آسيويين!!”.. فلم يجب.. ثم سألته: ما أخبار الحرب في لبنان؟ فقال مبتسما: الحرب خلصت.. ثم سكت.. فسألته بفضول وفرح: خلصت؟ معقول بهذه السهولة! فأجاب نحن الآن بانتظار حرب عالمية.. فقلت له: ماذا تقول؟ حرب عالمية! ماذا حدث في هذا العالم المجنون؟ فقال مستغربا: معقول ما بتعرف؟ فقلت له مستنكرا: وكيف لي أن أعرف وأنا في هذه الزنزانة المعزولة؟ فقال بحزم: اسمع؛ أنا غير مصرح لي الحديث بالسياسة، ولكن كل العالم يعرف بالموضوع إلا أنت، فقلت مضطربا: أي موضوع يا رجل؟ فقال: العراقيون احتلوا الكويت، وأرجوك لا تسألني أكثر، لأن الحارس خلف الباب يتنصت على ما نقول.. ثم قال بصوت خافض: صدام يهدد بالكيماوي المزدوج، ما يعني تدمير إسرائيل والمنطقة.. والآن اسمح لي بالمغادرة.. قذف بتلك الأخبار في وجهي ثم غادر بلحظة واحدة، تاركا وراءه كومة من الأسئلة والحيرة والاضطراب والقلق.. وخليط من المشاعر المتضاربة..
سيمر عليّ شهرا إضافيا في الزنزانة، أذرعها جيئة وذهابا آلاف المرات يوميا، والأسئلة تحاصرني وتعذبني.. كانت أمنيتي الأغلى الحصول على جريدة، أو سماع نشرة أخبار..
تم ترحيلنا إلى السجن، وهناك وعلى مدى الأشهر الطويلة من “أزمة الخليج” استمعنا لمئات النشرات الإخبارية، وقرأنا مئات المقالات، وشاهدنا مئات المقابلات مع خبراء استراتيجيين، ومحللين سياسيين.. كان حينها إجماعا على أن صدام سيحطم أسطورة الجيش الأمريكي، وسيدمر إسرائيل، ومن لم يصدق تلك التحليلات فهو سلبي، ومتشائم، بل عدو للأمة، وإمبريالي، وفي معسكر الصليبيين..
بعد سنوات قليلة من الحرب (الهزيمة) ألف صديقي اللامع “مروان بركات” كتابا كان عنوانه: “حرب الخليج في الصحافة الأردنية”، رجع إلى الصحف المحلية، وإلى عناوين الأخبار، وراجع جميع المقالات والتحليلات خلال فترتي الأزمة والحرب، وخلص بنتيجة صاعقة: كاتب وحيد كتب مقالا وحيدا في بدايات الأزمة أسماه سحب سوداء تظلل المنطقة، وعبّر فيه عن تشاؤمه، وتخوفه، وأن الهزيمة قادمة لا محالة، وأن المنطقة مقبلة على كوارث خطيرة.. هذا الكاتب لم ينشر أي مقال آخر، وربما لأن الإعلام والناس لم تكن تريد سماع الحقيقة، كانت تريد سماع ما يطربها فقط.. كان للشعارات سطوة هائلة.. وما زال للشعارات نفس السطوة..

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: مدونة عبد الغني سلامة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *