في جذور حرب الإبادة الجماعية


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

فيما كنتُ أواصل، بوجع يحرق القلب والنبض والروح، تتبع مشاهد الموت والدمار والجوع والحصار المتدفقة من قطاع غزّة، وأجهد نفسي في ملاحقة التطورات المتسارعة بشأن مجزرة العصر هذه، التي لم يحدُث مثلها في أي مكان ولا في أي زمان، رُحتُ أتقصّى حقيقة ما إذا كانت جريمة الإبادة الجماعية الجارية على مدار الساعة صادرة عن عقيدة عسكرية صهيونية فاجرة، ومعتمدة على رؤوس الأشهاد، أم أنها مقتلة نابعة من عقدة نفسية، أو قل لوثة دينية تاريخية غائرة في قيعان عقلية آثمة، لدى جماعة مولعة باقتراف فعل الاستئصال والإبادة، وتطويب ذلك حقّاً حصرياً في براءة اختراع أو علامة تجارية.
لم يطل بي المقام كثيراً وأنا أبحث عن أيٍّ من هاتين الفرضيّتيْن أقرب إلى الحقيقة، وأيهما (العقيدة أو العقدة) أكثر قدرة على شرح الدوافع وتعليل مغزى الوقائع الجارية ساعة بعد ساعة، على ضوء ما تيسّر لي من قراءات سابقة وخبرات شخصية متواضعة، سواء عن علاقات الدين والدولة والمجتمع المسكون بقلق وجودي مُزمن، أو عن الصورة الذهنية المتكوّنة عن الذات المفعمة بالغرور وغطرسة القوة، ناهيك عن الكيفية التي تقارب فيها دولة الاحتلال تحدّياتها الاستراتيجية المستجدّة، بما في ذلك تحدّي انكسار هيبتها، تآكل ردعها، سقوط سرديّتها، نزع شرعيّتها وانكشاف زيف صورتها، أمام رأي عام دولي انقلب عليها، بعد طول تسامحٍ وغضّ بصر عن مجازرها.
 كانت مراقبة الإعلام العبري، الثرثار عن كل شاردة وواردة، أيسر السبل المتاحة للوقوف على كنه كل هذه الوحشية المتمادية، وفهم هذا الإجماع على خيار الانتقام بلا هوادة، كما كانت السجالات اليومية على القنوات الموجّهة إلى الناطقين بالعربية، أفضل الممكنات وأقربها منالاً، لتكوين صورة تقريبية عن مظاهر ما يدور في تلافيف تلك العقلية التي لا ترى إلا ما تحب أن ترى، ولا تستجيب إلا إلى المعطيات المتوافقة مع قناعاتها المسبقة، الأمر الذي شكّل لديّ خلفية معرفية كافية لمقاربة بعض جوانب الصورة من الداخل، بما في ذلك الاضطراب وفقدان الثقة واليقين، لدولةٍ جنّ جنونها منذ “طوفان الأقصى”، وانعدم لديها كل حسٍّ بفظاعة قتل الأطفال والنساء بالجملة، وإماتة المدنيين جوعاً، من دون وخزة ضمير أو شعور بإثم اقتراف جريمة الإبادة الجماعية.
نعرف مسبقاً أن مبدأ قتل الأبرياء بغرض الترويع أحد أهم مكوّنات العقيدة العسكرية الإسرائيلية، القائمة على ثلاثية الحرب الخاطفة، ونقل المعركة إلى ديار العدو وامتلاك السيطرة الجوية. وهكذا يمكن تشخيص حرب الإبادة هذه أنها أحد تطبيقات هذه العقيدة، تماماً على نحو ما كانت عليه كل الحروب التوسّعية السابقة، غير أننا لم نكن نعلم علم اليقين، وبكل هذا القدر من الموثوقية، أن الإبادة عنصر أزلي ثابت في أسس هذه العقيدة المريضة، إلا عندما بدأت هذه المقتلة، كما لم نكن ندري تماماً أن الإبادة جزء من عقدة نفسية دينية مركّبة، كامنة في دواخل قوم ظلّوا طوال تاريخهم السحيق موضع نبذ وسبي وكراهية، جرّاء ما توارثوه، أباً عن جد، من جرائم مشينة وأفعال خسيسة.
والحقّ أنني دهشتُ كثيراً عندما استمعت إلى خطاب بنيامين نتنياهو، في مطلع هذه الحرب الهستيرية، وهو يحرّض قواته المحتشدة حول قطاع غزّة، على تسعير حدّة الانتقام، حين دعا الضباط والجنود إلى التمثّل بما فعله يوشع بن نون ضد الكنعانيين (العماليق)، عندما اجتاز فتى موسى سيناء إلى غزّة والنقب، أو لدى دخوله أريحا، حيث أباد خليفة نبي اليهود البشر والشجر والدوابّ قبل أن يصعد منها إلى القدس، فيما يبدو أنها كانت أول جريمة إبادة جماعية قارفها العبرانيون في ماضيهم الدموي، فصارت تلك الجريمة المقزّزة قدوة تُقتدى، سابقة يُحتذى بها، ومثالاً للتفاخُر بين الأمم، والاعتزاز به أكثر بكثير مما ارتكبوه من مجازر لا حصر لها بعد احتلال فلسطين مجدّداً. 
وهكذا تبدو لنا جريمة الإبادة الجماعية الموثّقة بالصوت والصورة، القائمة على قدم وساق في مختلف مدن قطاع غزّة ومخيّماته، جريمة صادرة في المقام الأول عن لوثة تاريخية ذات جذور دينية، وعقدة نفسية مستحكمة في الذهنية التلمودية المتوارثة من جيلٍ إلى جيل، الأمر الذي أنتج كل الانغلاق في الحسّ والفهم والبصيرة، وإيجاد كل هذا الاعتقاد الزائف بعدالة هذه الحرب الاستئصالية، طالما أنها تُشن ضد حيواناتٍ بشرية، وأنه لا أبرياء في غزّة، وأنها حرب بين الخير والشر، بين الحضارة والبربرية، الأمر الذي يؤكّد المسكوت عنه منذ بداية العدوان الهمجي، وهو أننا حقاً أمام حرب إبادة جماعية ذات جذور دينية عميقة.

عن العربي الجديد

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: عيسى الشعيبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *