في تمرّد ناصر القدوة على رئيسه!

جاء قرار فصل ناصر القدوة من حركة “فتح”، وقد كان بمرتبة عضو لجنة مركزية فيها، متسرّعا وينمّ عن تعسّف وغطرسة ورؤية سياسية ضيّقة. وفي الواقع فإن الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وهو رئيس المنظمة والسلطة وفتح، والذي بات يجمع السلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية في يديه، أخذ الأمر بصفة شخصية، باعتبار القدوة خارجا عن إرادته، بحيث أنه أطاح بكل الأعراف التي عرفتها حركة فتح في تاريخها، لاسيما باستيعاب المختلف وتقبّل الرأي الآخر، ناهيك عن أنه في كل سياساته لا يعبأ لا بقواعد وكادرات حركته، ولا بالرأي العام.

وربما يجدر التذكير هنا بأنه في عهد الرئيس محمود عباس حصل الانقسام في الكيان الفلسطيني، وخسرت فتح الانتخابات (2006) كما خسرت قطاع غزة (2007)، وتراجعت مكانتها القيادية مع صعود حركة حماس، وفي عهده تم تهميش المنظمة، وبات الشعب الفلسطيني يفتقد إلى مرجعية قيادية جامعة. وفي الواقع فإن التاريخ سيذكر “مآثر” أبومازن، ولاسيما مأثرته الكبرى المتمثلة بعقده اتفاق أوسلو (1993) من وراء الشعب الفلسطيني وأطره الشرعية، إذ لم يعقد المجلس الوطني الفلسطيني دورة له إلا في العام 1996، أي بعد إقامة السلطة بثلاثة أعوام، ولم تعقد فتح مؤتمرا لها إلا في العام 2009، أي بعد 16 عاما على إقامة السلطة.

وفي الحقيقة، فإن أبومازن لم يكن في تاريخه شخصية مركزية في اللجنة المركزية لفتح، كغيره، إذ برز نجمه في المرحلة التونسية (1982 ـ 1993)، بعد استشهاد أبوجهاد وأبوإياد، ووفاة خالد الحسن، ولاسيما بعد فتحه القناة السرّية للتفاوض والتي أفضت إلى توقيع اتفاق أوسلو، ومع استنكاف أبولطف وأبوماهر عن المشاركة في السلطة. وعلما أنه تحسب للرجل صراحته ووضوحه في مواقفه السياسية التي لا تتوافق في أحوال كثيرة مع الرأي العام ولا مع متطلبات السياسة الفلسطينية.

أما بخصوص خطوة القدوة، بتمرده على القيادة، وغضبه من الواقع الذي وصلت إليه حركة فتح، بسبب طريقة الرئيس في إدارة المنظمة والسلطة وفتح، فهي تحسب له كخطوة شجاعة، وتستحق التقدير، وقد أسهمت في تحريك المياه الراكدة في الحياة السياسية الفلسطينية إلى جانب مبادرات أخرى، ومن ضمنها محاولة أطراف أخرى زعزعة يقين أبومازن بخصوص الانتخابات، والتي أهمها ربما تلويح الأسير مروان البرغوثي (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح) بتقديم نفسه كمرشح للرئاسة (إن حصلت).

مع ذلك ينبغي ملاحظة أن تلك الخطوة أتت متأخّرة، بمقدار 16 سنة على ترؤس أبومازن للمنظمة والسلطة وفتح، لاسيما أنه لم تُعرف للقدوة، الذي كان طوال 27 عاما ضمن الطبقة السياسية الحاكمة، مواقف معارضة ولم يبرز كصاحب رأي سياسي مختلف مثلا، ولم يعلّم كصاحب تيار في فتح ولا في مؤتمراتها (السادس 2009 أو السابع 2016). أيضا ثمة ملاحظات سياسية وتنظيمية بخصوص خطوته الأخيرة، ليس وقتها الآن، فهو في هذا الوقت يستحق التضامن والإسناد والدم السياسي والأخلاقي.

ولعله من المفيد هنا الـتأكيد على أن هذا التجاذب أو التصدع في فتح ما كان ليحصل لولا عوامل عديدة، أهمها:

أولا، انسداد الأفق السياسي لفتح بعد إخفاق خيارها المتمثل بإقامة دولة في الضفة والقطاع، وفشل خيارها التفاوضي.

ثانيا، تحول حركة فتح من حركة تحرّر وطني إلى حزب للسلطة، بكل ما للكلمة من معنى، والمشكلة أنها سلطة تحت الاحتلال، بل إنها باتت فوق ذلك بمثابة حزب الرئيس.

ثالثا، هيمنة الرئيس أبومازن على السياسة الفلسطينية، واحتكاره التقرير بكل شاردة وواردة فيها.

رابعا، ضعف الحراكات السياسية في فتح، فهي خلال 30 عاما عقدت مؤتمرين فقط بعد مؤتمرها الخامس الذي عقد في العام 1988 (تونس)، إذ عقد المؤتمر السادس في بيت لحم بعد 21 عاما (في العام 2009)، في حين عقد المؤتمر السابع في رام الله (2018).

خامسا، فقدان فتح روحها كحركة وطنية متنوعة ومتعددة، وكأكثر حركة سياسية فلسطينية تشبه شعبها، إذ غابت عنها المنابر أو التيارات السياسية والفكرية التي كانت تميزها، وتثري حياتها السياسية، وغدت الصراعات فيها على مراكز القوى والمكانة.

الآن، في الموقف من ردة الفعل العقابية، الظالمة لناصر القدوة، يمكن طرح مسألتين، الأولى، أيهما أخطر عقد اتفاق أوسلو، الذي يخالف مبادئ فتح ومبادئ المنظمة، أم مجرد تلويح القدوة بخوض الانتخابات في قائمة أخرى، أو تشكيله ملتقى وطنيا عريضا يقول إنه مجرد ملتقى وإنه بذلك لا يخرج من فتح أو لا ينشق عنها؟ يا ترى أين هو الانشقاق حقا؟

الثانية، وهي تفيد بالتذكير بإطلاق الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات لقب “كرازاي فلسطين” على محمود عباس (سبتمبر2003) عندما ما كان رئيسا للحكومة، وفي غمرة حصاره في المقاطعة (مقره في رام الله) إبان الانتفاضة الثانية. حينها كتب أبومازن لأبي عمار شاكيا من التحريض عليه وتشويه صورته، وهو ما يحصل الآن بالضبط في التعامل مع القدوة!

ثمة ملاحظة أخيرة هنا يفترض طرحها، وهي أن الانتخابات لا تشتغل بطريقة صحيحة وإيجابية في الواقع الفلسطيني، فهي في المرة السابقة (2006) أدت إلى انقسام كيان السلطة، بين فتح وحماس، وبين الضفة وغزة، كما أدت إلى خسارة فتح وانحسار نفوذها في غزة، وتحول الحركتين إلى سلطتين في الضفة وغزة، كل في مجال سيطرته. في حين أن الانتخابات الحالية أفضت أو ستفضي إلى تضعضع مكانة فتح، وتصدّع وحدتها.

وطبعا المشكلة ليست في الانتخابات وإنما في التحول إلى سلطة على حساب التحرر الوطني، وضمور الحراكات السياسية، وحرمان الأجيال الجديدة من الشباب من المشاركة أو من أخذ موقعهم الطبيعي في سلّم القيادة الفلسطينية، مع بقاء طبقة سياسية في السبعينات والثمانينات، في واقع لم يعد بإمكانهم أن يجيبوا على أسئلته وفي واقع لا يستطيعون فيه إضافة أي شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *