في تعدد وصف مفهوم «الكتلة التاريخية» بالقوائم الانتخابية

بعد إعلان مرسوم الرئيس بخصوص الانتخابات التشريعية، والمزمع عقدها بتاريخ 28 نوفمبر من هذا العام، انبرت العديد من التجمعات الفصائلية والشبابية والعشائرية، ومن المستقلين ومنظمات المجتمع المدني، وذلك بهدف تشكيل قوائم انتخابية تعتزم خوض الانتخابات العامة.
الملاحظ تجاه هذه التجمعات ومشاريع القوائم استخدام وصف «الكتلة التاريخية» القادرة على تحقيق أهداف شعبنا، وتعزيز صموده، وإفشال مخططات الاستيطان والتطهير العرقي، وإعادة استنهاض الحركة الوطنية، وبناء نظام فلسطيني ديمقراطي تعددي تعتمد به آليات المساءلة والمحاسبة، وتحترم به مبادئ حقوق الإنسان.
ويشار إلى أن مصطلح «الكتلة التاريخية» هو مفهوم أنتجه المفكر التقدمي غرامشي، والمبني على تحالف واسع من القوى الاجتماعية المتضررة من الحالة، إضافة إلى طيف واسع من المثقفين والإعلاميين والنقابيين ونشطاء منظمات المجتمع المدني.
لقد أشار غرامشي إلى أن هذه الكتلة تستطيع، عبر التنظيم والعمل الموحد، التأثير في الحيز العام، وتحدث عملية التغيير المنشود بالطرق الديمقراطية، ومنها عبر المشاركة بالانتخابات الدورية، وفق عقد اجتماعي يعتمد فلسفة المواطنة المتساوية والمتكافئة، الأمر الذي يتعزز به السلم الأهلي والتماسك الاجتماعي، وتتحقق به منظومة سياسية وقانونية تستند إلى مفهوم الشراكة، وأن الجميع أمام القانون سواء، بغض النظر عن الدين، والجنس، والعرق، والأصل الاجتماعي.
والسؤال هنا: لماذا لا تجتمع جميع هذه القوائم المتعددة، وتقوم بإجراء حوار معمق بينها، ما دامت تتبنى ذات المفهوم «الكتلة التاريخية»؟
إن تكرار وصف القوائم قيد التشكل بأنها تريد بناء «الكتلة التاريخية» يضعف من قوتها ومكانتها، ويجعلها تعبيرا لغويا فارغا من مضمونه.
إن إلقاء نظرة على القوائم التي تشكلت إبان الانتخابات التي كان مقررا إجراؤها بالعام 2025، وتم إلغاؤها، والتي وصلت إلى حوالي ست وثلاثين قائمة، الأمر الذي من الممكن أن يتكرر بالمرحلة الراهنة استعدادا للانتخابات القادمة في نوفمبر، إن حدثت، يعكس أن الأساس يكمن في السباق على الحصول على المقاعد بالمجلس التشريعي، أكثر منه حرصا على إحداث عملية التغيير والبناء الوطني والديمقراطي.
صحيح أن تعددية تشكيل القوائم تعكس التوق للديمقراطية وللانتخابات، حيث إن أجيالا عديدة من الشباب لم تحصل على هذا الحق، ولم تتعرف إلى صندوق الاقتراع منذ عشرين عاما، أي منذ إجراء آخر انتخابات لكل من الرئاسة والمجلس التشريعي، عامي 2005 و2006، ولكن الصحيح كذلك يكمن في النزعة الرامية للفوز بهدف الحصول على المقاعد في بنية المجلس التشريعي الجديد.
إننا بحاجة إلى أعمال النقاش حول فحوى الانتخابات القادمة، والهدف منها، وكيف يمكن توظيفها في معركة الصمود والتحرر الوطني والبناء الديمقراطي.
إننا بحاجة للربط بين انتخابات المجلس التشريعي مع المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، بوصفها الإنجاز الأهم في سياق كفاح شعبنا، بوصفها المعبرة عن الهوية الوطنية الجامعة، وكذلك مع انتخابات برلمان دولة فلسطين.
من الهام أن يعلن المجلس التشريعي القادم في أول جلسة له أنه يمثل مجلس نواب أو برلمان الدولة، استثمارا للاعترافات الدولية بها، ومن أجل مواجهة مخططات الاحتلال الرافضة لإقامتها، وأن يعلن أنه جزء من بنية المجلس الوطني في ذات الوقت.
وحتى لا يتم تفريغ مفهوم «الكتلة التاريخية» من مضمونه، يجب الكف عن استخدامه بخفة، بل يجب العمل على تحقيقه عمليا عبر حوار واسع لكل القوى والفعاليات الهادفة لبناء نظام ديمقراطي تشاركي.