في تشخيص المأزق الوطني الفلسطيني


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

يعكس المأزق الوطني الفلسطيني استدعاء العوامل والعمليات التي أثرت وتركت بصماتها ووقعها على المسيرة السياسية والاجتماعية والثقافية للشعب الفلسطيني في سياقه تأثيرات وتدخلات الواقع العربي والإقليمي والدولي.  وسأركز هنا على أبرز العوامل والعمليات ( (processes التي احتفظت وتحتفظ بسمات راهنة.  وهي المحركات ذات سمات “موضوعية” وذات سمات “ذاتية” ليس من السهل دائما رسم الحدود بينها.

كيف نشخص العوامل والديناميكيات الفاعلة في الحقل السياسي الفلسطيني: سأرصد أبرز هذه العوامل والديناميكيات دون الانتباه إلى ترتيبها.

أولا، تعرض كل فلسطين التاريخية لاستعمار استيطاني لم يتوقف؛ منذ أكثر قرن وفلسطين تتعرض لاستعمار استيطاني ترابط مع تطهير عرقي لفلسطيني ما زالا مستمرين وإن بوتائر متفاوتة السرعة والحدة. بعد احتلال كل فلسطين بات الاستعمار الاستيطاني يشمل كل فلسطين التاريخية، ولم يوقف اتفاق أوسلو هذا، بل سارع من وتيرته. ولهذا دلالات مفاهيمية تحليلية وسياسية إستراتيجية. لذا فإن ما هو قائم في الضفة الغربية وقطاع غزة- كما في الأراضي التي احتلت عام 1948 حيث أقامت الحركة الصهيونية عليها دولتها (إسرائيل)، ليس احتلالا، كما  يطلق عليه في اللغة الرسمية السائدة عربيا ودوليا، كما في لغة السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير ومعظم فصائلها، بل استعمارا استيطانيا مدعوما بقوة عسكرية واقتصادية وإسناد دولي وازن.ومن هنا فإن توصيف ما تقوم به إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة بالاحتلال توصف خاطئ ويستجدي مواقف ومطالب سياسية فيها تنازلات تاريخية وإستراتيجية وبعيدة كل البعد عن تحقيق العدالة والإنصاف لشعب فلسطين. فهي تغفل أن ما قامت به الحركة الصهيونية كحركة استعمارية أوروبية، في النشأة والتكوين، ذات أيديولوجية عنصرية كانت ممارسة تطهير عرقي في فلسطين بررت طرد وتشريد ومصادرة أراضي وممتلكات نسبة كبيرة من سكان الأصليين، وبنت نظاما يقوم على التمييز العنصري (أبارتهايد).

لقد نتج عن الاستعمار الاستيطاني المتواصل لفلسطين واستكمال السيطرة الإسرائيلية على كل الأرض الفلسطينية (وأراضي عربية أخرى) عام 1967، جهودا مركزة لتشوية تاريخ وجغرافيا وديمغرافية فلسطين، وشيطنة النضال الوطني التحرري للشعب الفلسطينية ووصمة بالإرهاب واختزال قضيته إلى قضية احتلال لأراضي العام 1967 ( والتي تشكل 22% من أراضي فلسطين التاريخية، واعتبار هذا الجزء من قبل إسرائيل أراض متنازع عليها)، وأن المسالة الفلسطينية تحتل في حال تراجعت إسرائيل عن احتلالها لهذه الأراضي، واختزلت القدس إلى القدس الشرقية، ويتم التنكر لقضية اللاجئين، ولكل النضال الفلسطيني ضد الاستعمارين البريطاني والصهيوني الاستيطاني. بل نرى “المبادرة العربية للسلام” التي صدرت عن اجتماع القمة العربي عام 2002 في بيروت يختزل فلسطيني على أراضي الضفة والقطاع، يشترط موافقة إسرائيل على صيغة الحل لقضية اللاجئين.  هذا الموقف، كما هو اعتراف منظمة التحرير في العام 1993 بحق إسرائيل في الوجود، هو إقرار بصحة الرواية التاريخية للحركة الصهيونية.

ومع تشريع الكنيست الإسرائيلي قانون القومية (تموز 2018)  باعتبار “إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي” بات نظام الأبارتهايد  نافذا في إسرائيل  حيت واحدا من خمسة أشخاص هو من السكان الأصليين في البلد (من الفلسطينيين)، وليس فقط في الأراضي التي احتلت عام 1967،  حيث القوانين السارية تمييز منذ  بداية الاحتلال  بشكل صارخ بين اليهودي الإسرائيلي وبين الفلسطيني العربي و الدولة الاستعمارية المحتلة تسيطر على كل مناحي  حياة الفلسطيني، بعد أن جزأت الأراضي وسكان البلد الأصليين إلى مناطق أ، و ب، و ج حسب درجة  الصلاحيات الممنوحة للسلطة الفلسطينية ، والسيطرة على الموارد الطبيعية (المياه والأرض والأجواء وما في باطن الأرض) والاتصالات والمعابر الخارجية  والطرق الداخلية والتحكم في الاقتصاد الفلسطيني عبر اتفاق باريس بينها وبين السلطة الفلسطينية. وهذا ينسجم مع تنامي الاتجاه الشعبوي المحافظ والقومي العنصري في أوروبا وأمريكا وأماكن أخرى في العالم (بما يصفه البعض بصعود “لحظة الفاشية الجديدة لنظام الليبرالية الجديدة”).

كون إسرائيل دولة قائمة على الاستعمار الاستيطاني يفسر لما تحظى بالتأييد الأشد من الدول التي قامت على الاستعمار الاستيطاني وعلى تعريض السكان الأصليين للتطهير العرقي، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا واستراليا.  ولماذا تحرص الحكومة الإسرائيلية على التودد وتمتين علاقاتها مع الحكومات الأكثر يمينية ورجعية سواء في أوروبا (مثل هنغاريا وبولندا ورومانيا وبلغاريا)، أو خارجها كما في أمريكا اللاتينية والهند وأفريقيا، وكذلك في العالم العربي.

ثانيا، سيادة خطاب“إنكار” فشل اتفاق أوسلو وأفول “حل الدولتين” (دولة إسرائيل ودولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، عاصمتها القدس الشرقية): ويشارك في حالة الإنكار هذه معظم القوى والمؤسسات الدولية، والكل يتصرف على أساس أن حل الدوليتين مشروع قائم وقابل للتحقيق رغم التغييرات الديموغرافية والطوبوغرافية التي نفذتها إسرائيل في الأراضي التي احتلتها عام دون إرادة سكانها الأصل يين1967. حتى الرئيس الأمريكي ترامب صرح في بداية أكتوبر 2018 أنه يؤيد حل الدولتين، وهذا بعد نقل سفارة بلاده إلى القدس وقطع تمويله عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، ووقف مساعداته للسلطة الفلسطينية (باستثناء المخصصة للأمن حفاظا على تواصل “التنسيق الأمني” بينها وبين إسرائيل)، وهي، أي السلطة، المرشحة لأن تقيم دولة فلسطينية. بتعبير آخر لقد أغلقت الولايات المتحدة، بقيادة ترامب وبدعم وتنسيق كاملين اليمين الإسرائيلي بقيادة نتنياهو، الطريق تماما أمام إمكانية قيام دولة فلسطينية بقيود شديدة على السيادة والسيطرة على حدودها ومواردها وترابط إقليمها، ولذا فالحدين عن “دولة” فلسطينية لا يتعدى حديت عن شكل من الإدارة الذاتية بدون سلطة أو سيادة على “بانتوستانات” أو معازل أو “غيتوات” حيث كثافة سكانية فلسطينية.

 ورغم إدراك السلطة الفلسطينية وقيادة منظمة التحرير والعديد من المؤسسات الدولية وجامعة الدول العربية ومعظم دول العالم والمؤسسات الدولية، فما زالت جميعها تتمسك بحل الدولتين، في أن ما هو قائم لا يخرج عن دولة واحدة ذات نظام تمييزا عنصريا بكل معنى الكلمة. سأعود إلى ذلك لاحقا. إنها حالة إنكار وفي سياق سيادة حالة إنكار تجر ملاحظة إصرار العديد من المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية الفلسطينية وغير الفلسطينية وكذلك وزارات ومؤسسات السلطة على تبني برامج وخطط تقوم على الاعتقاد بإمكانية تحقيق “تنمية مستدامة” تحت الاحتلال وسيطرة دولة استعمارية استيطانية تسيطر على الأرض والأجواء والمعابر والموارد الطبيعية والاقتصاد والأمن. وبرز من روج من النخب السياسية الفلسطينية لفكرة أن إبراز أن السلطة تمتلك مؤسسات فلسطينية بمستوى ممارسة مهام “الدولة” سيولد ضغوطا دولية كبيرة على إسرائيل (والويلات المتحدة) لإنهاء الاحتلال وتفكيك المستوطنات وتسهيل قيام دولة ذات سيادة.  ونجحت السلطة (السنة) في نيل شهادة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أن السلطة تمتلك مؤسسات قادرة تقوم بنجاح بمهمات دولة ذات سيادة. طبعا، الدولة بقيت عصية على المنال لأن التعطيل لم يكن هذا السبب بل لوجود احتلال استعماري استيطاني عنصري مدعوم من أقوى إمبراطورية في العالم.

رغم مضي نحو ربع قرن على قيام السلطة الفلسطينية فإن معدلات البطالة والإفقار لم تشهد تغييرا إيجابيا، بل شهدت تفاقما، لدرجة أن مؤسسات للأمم المتحدة أعلنت الوضع في قطاع غزة بات غير مؤهل للحياة البشرية، وأن اقتصادا بات على وشك الانهيار التام بحكم الحصار المحكم المفروض على القطاع. كما تجدر الإشارة إلى ملاحظة أكاديميين كبار (سارة روي) بأن غزة تشهد ” تسميم بطئ لبشر أبرياء، أغلبهم من صغار السن، عبر المياه التي يشربونها، وعلى الأرجح عبر التربة البتي يزرعونها”. وكما شاهد العالم عبر الفضائيات والمراسلين الصحافيين قوبلت المسيرات السلمية الأسبوعية والتي بدأت بمناسبة يوم الأرض في 30 آذار من العالم الحالي (2018) بالقمع الدموي  الذي قاد، دون إي  إجراءات عقابية من “المجتمع الدولي” إلى قتل أكثر من مائتي  شاب وشابة، وإعطاب أجسام الآلاف من الشباب.

ثالثا، التعاطي مع نضال وحقوق الشعب الفلسطيني وفق مقاربة (paradigm) “حالة استثناء”:  أي وضع  نضال الشعب الفلسطيني من أجل تقرير المصير ومقاومته  ضد  التمييز العنصري والتطهير العرقي وسلبه من أرضه ووطنه خارج نطاق القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة، ويتم بالتالي حجب المساءلة  والعقوبات عن القوى (كدول وتنظيمات وأفرد) التي قمت تقوم بأعمال وممارسات معادية لحقوق الشعب الفلسطيني في تجمعاته المختلفة الإنسانية  والاجتماعية والسياسية والتاريخية والقانونية، بل وتقترف جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحقه. هناك أمثلة  لا تحصى على ذلك، وهو نمط من التعامل ما زال مستمرا (منذ وعد بلفور  وتعرض الشعب الفلسطيني للتطهير العرقي (مجازر عديدة) وتشريد  شعب من وطنه ومنعه من العودة إلى تعريض لمخيمات  لمجازر (صبرا وشاتيلا) وتدمير (اليرموك)  وإلى حروب واجتياحات  كما حصل في الضفة الغربية (اجتياح المدن في  الضفة الغربية في العام 2002 و الحروب على قطاع غزة  (آخرها كان في العام 2014)،  إلى نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، ووقف المساعدات عن الأونروا وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، و اغتيال مدنيين يتظاهرون سلميا للتذكير بحقهم في العودة على يد الجيش الإسرائيلي  خلال الربيع والصيف والخريف عام 2018.

هناك مئات القرارات الدولية التي صدرت عن مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة منذ العام 1948 وبقيت دون تنفيذ، وهناك عددا مماثلا صدر عن الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.   وهناك أن العدوى انتقلت إلى المؤسسات الفلسطينية إذ بات يتكرر اتخاذ مؤسسات مثل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والمجلس المركزي والمجلس الوطني الفلسطيني لقرارات لا يجري التقيد بها أو تنفيذها دون تفسير ودون محاسبة. لذا بات يسود بين الجمهور الفلسطيني، بما في ذلك في الضفة الغربية وقطاع غزة، عدم اكتراث بقرارات هذه المؤسسات نظرا لأنها لا تنفذ ولا تفسر أسباب ذلك، لكن يفهم أنها تؤخذ لاعتبارات دعاوية من قبل القيادة الفلسطينية الأولى وتستهدف التأثير على القيادة السياسية في إسرائيل وفي الولايات المتحدة وأوروبا ودول إقليمية نافذة من انهيار السلطة أو تفجر الأوضاع في الأراضي الفلسطينية أو من سيادة حالة من عدم الاستقرار في المنطقة. كما أن القرار الخاص بقطاع غزة والمطالب (من المجلس الوطني) بوقف الإجراءات ضد القطاع التي تسبب المعاناة لغالبية المواطنين الفلسطينيين هناك جرى تجاهل تنفيذه، جرى لكن هذه الوظيفة باتت مستهلكة تماما بسبب غياب التنفيذ (مثل حل السلطة، ووقف التنسيق ألكمني، وسحب الاعتراف بإسرائيل واتفاق أوسلو، وغيرها).

 وفي سياق آخر يتم وصم انتقادات السياسية الإسرائيلية والسمة الاستعمارية العنصرية للصهيونية بالعداء للسامية، لإسكات النقد تجاه ما تقوم به إسرائيل من تمييز وعقوبات جماعية وتنكيل وعنف تعسفي وليمنح إسرائيل وممارساتها موقعا فوق القانون والأعراف الدولية وخارج المساءلة، ويحجب في الوقت ذاته عن الشعب الفلسطيني النضال من أجل حقوقه الأساسية بما فيها حقه في مقاومة الاحتلال والتمييز والممارسات التعسفية   وتلك التي تحرمه من حقه في المساومة في وطنه الأم وتشرع التمييز والقيود والتعسف ضده.  لقد الشعب الفلسطيني في فضاء لا معياري قانونيا وقيميا وفق القالون الدولي والقيم الإنسانية ( anomic space).إنه فضاء يتيح  استخدام  “العنف المطلق”. وعندما تمتزج حالة الاستثناء وحالة الطوارئ (أي الاستثناء هو القانون الساري المفعول) يتحول النظام القانوني-السياسي إلى “آلة قتل”. وهو ما طبقته حكومة الانتداب البريطاني عبر ما سمته بقوانين الطوارئ التي أتاحت للحركة الصهيونية ممارسة التطهير العرقي، وتتيح لها حاليا الاعتقال “الإداري”، أي الاعتقال دون محاكمة لفترة طويلة من الزمن، كما تتيح لها مصادرة الأراضي وبناء المستعمرات الخاصة باليهود الإسرائيليين في الضفة الغربية.

 هناك من يرى أن الدولة في إسرائيل تسير بتسارع في التشكل كنظام فاشي من حيث تقييد أسس الديمقراطية وتشريع التمييز الاثني-الديني وفرض معازل على سكان البلاد الأصليين وتصوير الفلسطينيين كمصدر تهديد لليهود الإسرائيليين، وبالتالي حجب السمة الإنسانية عنهم، ليصحبوا مجموعة أثنية-دينية يحق استخدام التطهير العرقي .

رابعا، تفكك واهتراء الحقل السياسي الوطني إلى حقول محلية، لعل من أبرز التحولات على الحقل السياسي الفلسطيني  الذي هيمنت علية منظمة التحرير الفلسطينية حتى اتفاق أوسلو وإقامة حكم ذاتي محود على الضفة الغربية وقطاع غزة. فقد أدى تهميش مؤسسات منظمة التحرير لصالح التركيز على بناء مؤسسات السلطة الفلسطينية على أمل أن تتحول من حكم ذاتي محدود الصلاحيات إلى دولة ذات سيادة وسيطرة على إقليم مترابط (الأراضي التي احتلت عام 1967)، وأن يصار إلى حل لقضية اللاجئين وفق قرارات الأمم المتحدة. ما حصل هو اختفاء مؤسسات منظمة التحرير الممثلة لمكونات الشعب الفلسطيني دون أن تقام مؤسسات دولة فلسطينية ذات سيادة، ولا تغيير التسميات الرسمية لمؤسسات السلطة كمؤسسات دولة لها حكومة وقضاء ووزارات وشرطة وأمن ودوائر مختلفة، ووزراء ووكلاء ومدراء عامين، وكل التسميات التي تستخدم في دول تمارس قدرا من السيادة، من واقع أن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة تخضع لاستعمار استيطاني واحتلال عسكري، ولا تتمتع بأية سلطة خارج سلطات حكم ذات محدود. ليس هناك مجال الدخول في الآليات التي أدت إلى تفكيك الحقل الوطني إلى مكوناته الجغرافية وتحويل هذه إلى حقول سياسية محلية لها تنظيماتها السياسية ومؤسساتها الاجتماعية والاقتصادية والقانونية (فلسطينيو الضفة الغربية، وفلسطينيو القدس، وفلسطينيو قطاع غزة، وفلسطينيو الأراضي المحتلة عام 1948، وفلسطينيو الأردن، وفلسطينيو الشتات والجوالي). الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة عام 2007 رسخ ظاهرة تحويل السياسة الممارسة إلى شأن محلي وليس إلى شأن وطني.  وباتت القرارات تؤخذ خارج المؤسسات (من قبل عدد محدود من الأفراد) التي باتت ذات وجود شكلي لتسويغ مواقع ومناصب  وامتيازات ليس أكثر.

 وباتت الهيئات السياسية (اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي وحتى الوطني، واللجنة المركزية لحركة فتح والمجلس الثوري، الخ) لا تمثل أكثر من هيئات استشارية قلما يؤخذ برأيها.

خامسا، تفاقم انكشاف (vulnerability) التجمعات الفلسطينية كافة: بدأ هذا الانكشاف، عمليا،  منذ فرض  الانتداب البريطاني على فلسطين بعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى ووعد بلفور، واشتد عند ضعف أو انهيار الحركة الوطنية الفلسطينية كما حدث عام 1948 (النكبة)،  وتراجع مع صعود تأثير وقوة هذه الحركة في النصف الثاني من الستينيات ليعود في  الصعود بعد خروج منظمة التحرير من  بيروت إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان وحصار بيروت في العام 1982 وخرج المقاومة منها وتشتت قواها (مجزرة صبرا وشاتيلا، ومن ثم الاعتداء المسلح على المخيمات اللبنانية)، وتفاقم بع انهيار الدول الاشتراكية حليفة منظمة التحرير  وثم  خلال وبعيد حرب الخليج (طرد معظم الجالية الفلسطينية في الكويت والعراق وليبيا).  واشتد مجددا بعد اتفاق أوسلو إزاء فرض إسرائيل قيود جديدة على حركة وعمل الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وتزايد مظاهر وقوانين التمييز ضد الفلسطينيين حملة هوية القدس والجنسية الإسرائيلية، وكان آخرها قانون القومية الذي أقره الكنيست الإسرائيلي في تموز 2018. كما شهدت سوريا مظاهر عنف وتهجير للمخيمات الفلسطينية فيها بعد العام 2011. كما شهدت الضفة الغربية اجتياحا في العام 2002 وحصارا لرئيس السلطة الفلسطينية ورئيس منظمة التحرير ووفاته في ظروف غامضة في العام 2004.  وشهد قطاع غزة ثلاثة حروب دموية تدميرية ضده في الأعوام 2008، و2012 و2014، وإلى حصار تجويعي منذ العام 2006 حوله إلى سجن تفتح بعض بوابات بين الحين والآخر وفق رغبة السجان أو “غيتو” (ghetto) معرض إلى إبادة جماعية بطيئة.

لكن انكشاف التجمعات الفلسطينية لا ينحصر في التهجير والتشريد والتعرض للحروب والعقوبات الجماعية، بل إلى تعرضها إلى معدلات عالية من البطالة والفقر والحرمان والتمييز مقارنة بالمحيط أو البلد الذي تقييم فيه. وشهدت “الأونروا” تراجعا في حجم وقيمة الخدمات التي تقدمها للمخيمات وخارجها بسبب تراجع ما يصلها من مساعدات لأسباب مختلفة، قد يكون من بينها محاولة طمس قضية اللاجئين الفلسطينيين. ومن هنا فإن تفاقم انكشاف التجمعات الفلسطينية للمخاطر والأخطار يتصل، إلى حد ملموس، بالمتغيرات في الواقع الإقليمي والدولي.

ويجدر التذكير هنا أن السلطة الفلسطينية بحكم اعتمادها لدرجة كبيرة على التحويلات الخارجية (سواء من المساعدات أو تحويلات المقاصة من إسرائيل) هي عرضة دائما للضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية، ومعرضة للإفلاس وبالتالي الانهيار في حال توقفتأو تراجع حجم ووتيرة التحويلات الخارجية لسبب أو آخر.

سادسا، “تذرر” التجمعات الفلسطينية: تشكلت السلطة الفلسطينية في أوج صعود النيوليبرالية، وخضعت من البداية للإشراف ورقابة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إضافة لرقابة الدول المانحة وجميعها تتبنى منهج الليبرالية الجديدة فيما يخص سيطرة القطاع الخاص على الاقتصاد والبنية المجتمعية وفي تحديد دور السلطة المركزية بعلاقتها بالرأسمال الخاص. أي أن التحول من حركة تحرر إلى مشروع بناء دولة قبل إنجاز التحرر الوطني تم في سياق هيمنة الليبرالية الجديدة على الاقتصاد العالمي. هذه الوضعية ولدّت تحولا ملموسا في التكوين الطبقي في الضفة والقطاع ونمط حياة جديد مغاير لما ساد قبل نشوء السلطة الفلسطينية وبشكل صارخ حتى الانتفاضة الثانية ووفاة عرفات. وهي المرحلة التي شهدت فيها مدنية رام الله (والبيرة وبتونيا) طفرة عمرانية غير مسبوقة وتوسع ملموس في حجم الطبقة الوسطى، وبروز النزعة الاستهلاكية وتشجيع الاستدانة من البنوك والاستهلاك الاستعراضي. جانب من هذا التحول يعود إلى تغييب ذهنية المناضل المرتبط بتنظيم سياسي مقاوم للاحتلال وسياساته لصالح ذهنية “الموظف” بعد تحول حركة فتح (التنظيم الفلسطيني الأكبر) إلى حزب حاكم وانخراط قياداتها وكوادرها وأعضائها في وزارات ومؤسسات السلطة عبر علاقات تراتبية رسمية ذات مواصفات مهنية، وانضم إليها نسبة غير قليلة من كوادر وأعضاء التنظيمات التي شاركت في مؤسسات منظمة التحرير.  وبعد فوز حركة حماس في انتخابات المجلس التشريعي في كانون الثاني عام 2006، وسيطرتها التامة على السلطة في قطاع غزة عام 2007، شهدت حماس تحولات شبيهة بالتي شهدتها حركة فتح وتنظيمات أخرى. بتعبير آخر أكبر تنظيمين فلسطينيين أصحبا تنظيميين حاكمين ومتعارضين على إقليمين منفصلين تحت سيطرة دولة استعمارية استيطانية، وكلاهما يعتمد على التحويلات الخارجية. الطبقة الوسطى لها مصلحة في تحول السلطة إلى دولة ومنع انهيارها، تشعر بأن وضعها مهدد نتيجة انسداد الأفق السياسي واعتماد السلطة على التحويلات الخارجية، وبسبب من تفشي المحسوبية وغياب المحاسبة داخل مؤسساتها، لكنها تخشى من نتائج انهيارها على وضعها المعيشي ومكانتها الاجتماعية كطبقة وسطى.

 لكن التوسع في حجم الطبقة الوسطى بعد تأسيس السلطة الفلسطينية أبقى الطبقة العاملة طبقة موزعة على عشرات الآلاف من المنشآت الصغيرة (أقل من خمسة مستخدمين) نسبة عالية بون عقود عمل وبدون حقوق وبأجور متدنية، هذا بالإضافة لنحو 12% من قوى العمل الفلسطينية في الضفة والقطاع التي تعمل في المستوطنات وإسرائيل بشروط وظروف عمل صعبة وبدون أي أمن وظيفي أو حقوق ثابتة وتعاني من هزال التنظيم النقابي. أما البرجوازية الصغيرة (من أصحاب رأسمال الصغير في الزراعة والصناعة والحرف) فتراجع حجمها ودورها بحكم تراجع حجم القطاع الإنتاجي نتيجة لهيمنة إسرائيل على الاقتصاد وسيطرتها على الموارد الطبيعية والمعابر وعلى محركات الاقتصاد الفلسطيني). أما الرأسمال الفلسطيني الفاعل في الضفة والقطاع فيغلب علية الطابع العقاري (الاستثمار في العقارات) والتجاري (استيراد وتوريد) والمالي (بنوك وتغير عملة)، وهو رأسمال حريص على المحافظة على علاقات سلسة من بيروقراطية ونخب السلطة الفلسطينية من جانب، ومع سلطات الاحتلال من جانب آخر.

سابعا، هيمنة خطاب طارد للشعب الفلسطيني من التاريخ والجغرافيا ومن الحق في ممارسة حقوق وطنية (مواطنة) وإنسانية. الخطاب السائد في وسائل الإعلام الدولية والعربية والفلسطينية كما في لغة المخاطبة الدبلوماسية يجنح بقوة نحو تحريف وتشويه التاريخ والجغرافيا الفلسطينيين وتغييب الحقوق التاريخية والسياسية والإنسانية للشعب الفلسطينية بمكوناته المختلفة. لقد تم في الخطاب السياسي العام اختصار فلسطين إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، وبات تعبير “الأراضي الفلسطينية المحتلة” يشير حصرا للضفة الغربية وقطاع غزة، وبات مصطلح الاحتلال ينطبق فقط على الضفة الغربية وقطاع غزة، أي أن المسألة الفلسطينية لا تخرج عن الأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967، وليس الأراضي التي احتلت عام 1948. لكن المشكلة لا تخص الخطاب السياسي الدولي فحسب بل أصبح الخطاب العربي الرسمي (كما تشير “مبادرة السلام العربية”) وجزء هام من غير الرسمي يعتبر أن الجزء المحتل من فلسطين لا يخرج عن الضفة الغربية وقطاع غزة.  أما قضية اللاجئين فيجري التعتيم عليها وتهميشها، والبحث عن تعريف للاجئين الفلسطينيين يستثني غالبيتهم العظمى، بل واعتبارهم خارج نطاق البحث في المسألة الفلسطينية، أو تحويل إلى مجرد قضية إنسانية تحل بعيدا عن حقهم في العودة إلى الأرض التي هجروا منها.

كما أن الطموح الأقصى للخطاب الفلسطيني الرسمي بعد اتفاق أوسلو لا يخرج إقامة دولة فلسطينية على الأراضي التي احتلت عام 1967، وتعتبر الضفة الغربية وقطاع غزة هما “جناحيّ الوطن” أو المحافظات الشمالية والجنوبية من الوطن الفلسطينية.  يترتب على هذا إغفال قضية اللاجئين باعتبار أن اللجوء اتم بأغلبيته عام 1948، وإغفال الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني وإغفال ما تعرض له الشعب الفلسطيني قبل احتلال الضفة والقطاع من تطهير عرقي وتشريد وسلب وطن، ومن نضال متعدد الأشكال ضد الاستعمار العسكري البريطاني والحركة الصهيونية الاستيطانية المسلحة. تشويه وتزييف وتحريف الرواية التاريخية للشعب الفلسطيني عمليات شارك ويشارك فيها ليس فقط الحركة الصهيونية بنخبها ومؤسساتها وأجهزتها المختلفة (من وسائل إعلام، إلى مدارس وجامعات ونخب سياسية وغير سياسية)، بل وتجد صدى من القوى اليمينية والرجعية المحافظة في العالم سواء بين نخب ومراكز الدول المستعمِرة والتي تشكلت عبر عمليات استعمار استيطاني واسعة مارست التطهير العربي ووضع السكان الأصليين في معازل و”غيتوات” أو “بانتوستانات”، أو لدى النخب في الدول ذات التوجهات اليمينية التي ترى في تبني الرواية الصهيونية   وسيلة للتقرب للولايات المتحدة  ومن الدول المؤدية لدولة إسرائيل.

ثامنا، تغييرات جذرية في الوضعين الإقليمي والدولي خلال العقود الثلاثة الأخيرة:  لا بد من الإشارة إلى تداعيات التحولات المتتالية التي  شهدها الإقليم والعالم منذ أواخر نهاية عقد السبعينيات  وحتى  اللحظة والتي تركت وما زالت تداعياتها على مختلف نواحي المسألة الفلسطينية،. ليس هنا مجال مناقشة تفصيلية وتدقيقية لهذه التداعيات وما تفرزه من تحديات وأولويات، بل الهدف هو التذكير بما دخل على الأوضاع الإقليمية والدولية من تغيير في ميزان القوى وبالتالي وما ترتب على هذا من شروط ومهام على نضال الشعب الفلسطيني التحرري بعلاقة مكوناته مع بعضها البعض وعلاقات هذه مع المحيط العربي والإقليمي والدولي، وقد جرى بحث هذه في أكثر من موقع . يكفي هنا الإشارة أن التحولات التي شهدها الإقليم (بما في ذلك الارتداد عن أهداف وشعارات الانتفاضات العربية) واستعاده القوى النظم السابقة سيطرتها وما رافق ذلك من تدمير وتهجير وتجويع طال الملايين لم تكن مما يدعم نضال التشعب الفلسطيني من أجل الحرية والمساواة والعدالة. بل شهد العقد الأخير تقاربا بين عدد من الدول العربية وإسرائيل تحت شعار محاربة إيران وإضعاف نفوذها في الإقليم. صحيح أن الأسباب التي دفعت لتفجير الانتفاضات العربية ورفع شعارات تطالب بالعمل والحرية والعدالة ومحاربة الاستبداد والفساد، ما زالت قائمة بقوة مما يشير إلى أن هذا الانتفاضات لن تختفي، بل ستعود وإن كان من غير الممكن التكهن متى وأين وكيف.

 وعلى الصعيد الدولي شهد العقد الأخير شهدت معظم العالم في العقد الأخير تحولا نحو الشعوبية المحافظة والقومية العنصرية، كما أبرز مظاهرها فبي الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية والهند وأوروبا غربا وشرقا ومواقع آخري، وهي تحولات تصب لصالح المشروع الاستيطاني العنصري والتوسعي الإسرائيلي كما رأينا، بجلاء تام في سياسة الولايات المتحدة برئاسة ترامب، إزاء القدس واللاجئين والعداء للحقوق الفلسطينية.

لهذا الاعتبار ولأن المسألة الفلسطينية ما زالت في موقع “حالة استثناء”  ينبغي التوقف عن المراهنة على حل لهذه المسألة عبر  تدويل الصراع كما يطرح كثيرون.

تاسعا، الحقل الثقافي الفلسطيني الأقدر في المرحلة الراهنة على التصدي لعمليات تشويه وتزييف الرواية التاريخية الفلسطينية وعلى توفير روابط بين مكونات الشعب الفلسطيني.  مع تفكك الحقل السياسي الفلسطيني وهيمنة نخب سياسية محلية بديلا عن النخب الوطنية، وتراجع القيم الديمقراطية والروح التكافلية والتطوعية   وإعلاء العمل الجماعي، لصالح تكريس السلوك الفردي وذهنية “الموظف” خلفا لذهنية المناضل، بات يقع على الحقل الثقافي (بأدواته وتعبيراته المختلفة الفكرية والأدبية والفنية والأدائية) مسؤولية حراسة الرواية التاريخية الفلسطينية وإبراز الحقوق الجماعية، بما فيها الحقوق التاريخية، في مواجهة نزعات تشدد على المصالح الفئوية والمحلية والفردية.  الرهان على الحقل الثقافي الفلسطيني لا يأتي من فراغ، بل لكون القيم الديمقراطية هي التي هيمنت على الحقل قبل النكبة وبعدها، وبقي الحقل يحتفظ بتار ديمقراطي تقدمي رغم ما دخل عليه من نزعات يمينية وتجهيلية بعد الانتفاضة الأولى والتحولات التي شهدها العالم والمنطقة مع بداية عقد التسعينيات.

غالبية من المثقفين الفلسطينيين سواء في الشعر أو الرواية والقصة أو الفن التشكيلي والغناء والمسرح أو في البحث التاريخي العلمي وفي الفلسفة والفكر أوفي السينما، كانت وما زات صاحبة توجه ديمقراطي علماني (مع فصل الحقل الديني عن الحقل السياسي أو الشأن الديني عن الشأن السياسي) وحملوا توجهات  ديمقراطية في مرحلة مبكرة (مرجع)، وهذا ينطبق على الحركة الوطنية الفلسطينية (كأحزاب وتنظيمات وكقيادة وطنية) التي حرصت منذ العشرينات من القرن الماضي على أن يكون في الصفوف القيادية الأولى فلسطينيون مسيحيون لإظهار طابعا الوطني في مواجهة الحركة الصهيونية التي  توكد على طابعها الديني. والواقع أن منظمة التحرير حافظت على طابعها العلماني رغم ما دخل على العالم والمنظمة من تشوّهات على صعيد العلاقة بين الشأن الديني والشأن السياسي، واستخدام الدين في خدمة السياسة وللتغطية على قهر وقمع واستبداد وفساد النخب الحاكمة زفي الترويج للجدل والجهل. ومن هنا ولكون الحقل الثقافي متحرر لحد ملموس من ديكتاتورية الجغرافيا السياسية ومن قوانين السوق ومن قوانين السوق   ومن موازين القوى السياسية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية التي تكون حاضرة دائما في اعتبارات القوى الفاعلة في الحقل السياسي، فقد شهدت العقود الثلاثة الأخيرة نشاطا مميزا في مجالات الأدب والفن والسينما والمسرح والغناء والموسيقى والفكر وبروز الجامعات ومراكز البحث والتفكير والدراسات الإستراتيجية في الضفة الغربية وقطاع غزة وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 والأردن  ولبنان وأماكن أخرى.

لعل هذه الحيوية الملحوظة خلال العقدين الأخيرين بشكل خاص، مصدره الإدراك المتراكم من أن النكبة مستمرة وتشمل، بشكل أو بآخر، مكونات الشعب الفلسطيني كافة، وأنها اشتدت مع تراجع فعالية ودور مؤسسات منظمة التحرير والتنظيمات السياسية كمؤسسات وتنظيمات للكل الفلسطيني، واتضاح مأزق الذي توّلد عن اتفاق أوسلو، ووهم الدولة المستقلة التي بررت توقيعه.

عاشرا، المسألة الفلسطينية إلى أين?

 بات واضحا إلى حد كبير بأن المفاوضات بدون وضوح تام لأسسها وللهدف منها وإستراتيجية مسيطر عليها للوصول لهذا الهدف لن تجدي بل قد تتحول إلى أداة بيد العدو المفاوض لتمرير وتسويغ أهدافه. هذا لا ما حدث في عملية التفاوض بين منظمة التحرير وإسرائيل وفق اتفاقيات أوسلو. فقد استخدمت المفاوضات لتكثيف الاستيطان الاستعماري ومواصلة السيطرة على الحدود والموارد والاقتصادي ولتعزيز اعتماد السلطة الفلسطينية على التحويلات الخارجية واستمرارية تبعيتها وضعفها. لقد فشل مشروع بناء دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة على حدود الأرض المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وجرى تحويل السلطة إلى أداة تزيل عن إسرائيل كدولة محتلة تكلفة احتلالها، وتوفر لها ولمستوطنيها الحماية (عبر “التنسيق الأمني وغيره). هذا بالإضافة أن اتفاق أوسلو ساهم في تحييد أجزاء حيوية من الشعب الفلسطيني عن هدف الكل الوطني في تقرير المصير على أرضه، وكرس تقسيم فلسطين ومنح شرعية للرواية الصهيونية الاستعمارية عبر الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود.

كما اتضح حدود المقاومة المسلحة التي اعتمدتها حركة حماس، حيث أتضح أنها ليس أداة تحرير، بل في أحسن أحوالها أداة ردع. كما أنها، كما إستراتيجية المفاوضات، تكرس فعلا نخبويا يمارسه عدد محدود من الأفراد، ويبقي معظم الجمهور خارج الفعل الوطني النضالي. فالمقاومة أو النضال التحرري فعل متعدد الأشكال والأبعاد، كما روت لنا الانتفاضة الأولى قبل أن يفرض عليها قيود فوقية أدت إلى تراجع دورها الجماهيري (المتمثل في تنظيم الجمهور في لجان شعبية ولجان مختصة) وتفضيل شكل واحد (وفئة عمرية) على تنوع المشاركة وتعدد أشكالها.

على الحركة السياسية والثقافية الفلسطينية طرح تصور لحل عادل للصراع يحفظ حق العودة كاملا (كونه المعيار والمؤشر الواضح للنكبة الفلسطينية المستمرة)، ويبقي على فلسطين الموحدة ويطرح على اليهود الإسرائيليين صيغة حل غير طارد لهم لكن على قاعدة ديمقراطية ومساواتية نابذة للصهيونية كأيديولوجية استعمارية عنصرية.  وعلى الحركتين التقرير بخصوص عما إذا كان اليهود الإسرائيليين (وليس اليهود كجماعة دينية) يشكلون جماعة قومية بحكم ما كونوه من هوية قومية -ثقافية، والاستعداد لقبول حل عادل للمسألة الفلسطينية التي تولدت عن الحركة الصهيونية كحركة استعمارية استيطانية ذات سمات عنصرية، والاستعداد للانخراط في دولة ديمقراطية واحدة على أرض كل فلسطينية التاريخية مع تفتح أبوابها لعودة اللاجئين الفلسطينية، ولإلغاء القوانين العنصرية المعمول بها في فلسطين والتي جرى شرعنتها بقانون القومية الذي صدر عن الكنيست الإسرائيلي هذا الصيف. بدون دولة ديمقراطية واحدة تساوي بين حقوق الفلسطينيين واليهود الإسرائيليين كقومية متشكلة الذي على استعداد لقبول أهالي البلاد الأصليين على قدم المساواة التامة في الحقوق والواجبات لن يكون هناك أبدا حلا عادلا للصراع.

  خاتمة

كيف نعيد الاعتبار للمسألة الفلسطينية؟ يكون ذلك:

– عبر تشخيصها، بالأساس، كنتاج استعمار استيطاني عنصري مستمر، وإسرائيل كدولة استعمارية استيطانية تلقت، ولا تزال، دعما مساندة من الإمبراطوريات الكبرى في التاريخ المعاصر.  ولأنها كذلك (والدليل واضح على  الأرض الفلسطينية كلها) ينبغي وقف الرهان  الفلسطيني على ما يسمى بحل الدولتين أولا، ووقف التعويل على تدويل الصراع بالمفهوم السائد  لدى النخب السياسية الفلسطينية (الرهان على المراكز الدولية بدلا من تعزيز العلاقات التضامنية مع القوى ذات مصلحة في التحرر والمساواة والعدالة الاجتماعية (أحزاب ونقابات وحركات اجتماعية  وتضامنيات مع قضايا إنسانية وكونية تقدمية ومع أقليات مهمشة تناضل من أجل المساواة والعدالة), هذا مهم أمام التعاطي الجاري مع الحقوق  الفلسطينية  كحالة طوارئ واستثناء (لم تطبق أي من القرارات الدولية الخاصة بالمسألة الفلسطينية قبل العام 1948 وبعده).

– عبر فصل المسألة اليهودية عن الحركة الصهيونية (هي حركة منبتها استعماري استيطاني أوروبي استخدمت الاضطهاد ضد اليهود في أوربا والمصالح الإمبريالية في المشرق العربي لتسويق مشروعها الاستيطاني في فلسطين) وكذلك فصل المسألة اليهودية عن إسرائيل التي تمارس على الشعب الفلسطيني ما مورس من اضطهاد وتمييز وتعسف وظلم ضد اليهود في أوربا.

–  عبر بلورة مشروع وطني فلسطيني (للكل الفلسطيني) يجيب على المسألة الفلسطينية ويتفهم (المشروع) مخاوف وهواجس المسألة اليهودية. هنا تأتي الحاجة لطرح مشروع دولة ديمقراطية واحدة على أرض فلسطين التاريخية تزيل الظلم التاريخي عن الشعب الفلسطيني وتقر لليهود الإسرائيليين بحق المواطنة. أي انجاز مساومة تاريخية مع يهود إسرائيل المواطنة التامة مقابل نبذ الصهيونية وتبعاتها.

– عبر بناء مؤسسات وطنية تمثيلية (ديمقراطية بالمعنى العميق) لمكونات الشعب الفلسطيني وللكل الفلسطيني تتبنى المشروع الوطني وتمارس متطلباته النضالية السياسية والتنظيمية والاجتماعية والإعلامية على صعيد كل مكون (تجمع). لم يعد لدى الشعب الفلسطيني مؤسسات تمثيلية جامعة) (للكل الفلسطيني ولكل تجمع أو إقليم)، بعد أن تهميش مؤسسات منظمة التحرير وتحويلها إلى امتداد لمؤسسات وأجهزة السلطة. وتفريغ المؤسسات (بما فيها مؤسسات السلطة الفلسطينية) من مضمونها، حيث بات القرارات تؤخذ من قبل أفراد وخارج المؤسسات. وبات هناك اغتراب بين الناس وهذه المؤسسات وبينهم وبين النخب السياسية.

–  وعبر اعتماد برنامج نضالي طويل المدى (هذا لا يعني أن توقيف النضال ضد الاحتلال والاستيطان ولا ضد التمييز العنصري (الأبرتهايد) ولا من أحقل الحقوق الاجتماعية والسياسية لفلسطيني الشتات).

(اللوحة للفنان سليمان منصور)

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: جميل هلال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *