في تحدّي “أبراج العاج والفولاذ”


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

أنْ يتحدّى الأكاديميّ الفلسطينيّ، داخل الخطّ الاخضر، منظومة التطهير العرقيّ، ويدعو إلى إنهاء الأيديولوجيّة التي تستمدُّ منها هذه المنظومة عنفها ووحشيّتها، لم يكن يحتاج إلى شجاعة، وإن كان هذا لا يعني أنّ كلّ فلسطينيّ أو فلسطينيّة، في حقل الأكاديميا أو السياسية، استغلّوا الهامش الضيّق للديمقراطيّة العرقيّة، وحقّهم في المواطنة، لتبنّي مواقف أخلاقيّة، وسياسيّة واجتماعيّة جذريّة.

ولكن مع انحطاط هذه المنظومة إلى مرحلة غير مسبوقة في مستوى الهمجيّة والبربريّة، التي تتجلّى في غزّة، و من حيث مستوى حملة الترهيب، والإخراس، والاعتقال، والفصل من العمل، ضدّ فلسطينيّي ال٤٨، المصاحبة لهذه الحرب الإباديّة، يُصبح تبنّي موقفًا أخلاقيًّا صريحًا شجاعة أخلاقيّة، وعمليّة، خاصّة أنّ حملة التحريض والتهديد بالقتل، عبر السوشيال ميديا، تتحوّل بسرعة، بمجرد نشر الخبر، إلى تسونامي مرعب.

البروفسور نادرة شلهوب كيفوركيان، نموذج لهذه الشجاعة، وهي التي قرّرت إدارة الجامعة العبريّة، في القدس، تعليق عملها، أوائل هذا الشهر، بسبب توقيعها على بيان يعتبر العدوان على غزّة حربًا إباديّة، ويطالب بإنهائها فورًا. ولهذا هي استحقّت حملة التضامن الواسعة معها، ليس لشخصها أو لدورها، كمثقّفة عضويّة فحسب، بل دفاعًا عن حريّة التعبير، ومناهضة لسياسات الملاحقة، وحرب الإبادة.

وبسبب مكانتها الأكاديميّة المعروفة في الداخل والخارج، أجرت معها العديد من وسائل الإعلام، المحليّة والعربيّة والأجنبيّة، مقابلات ولقاءات. لكنَّ منصّة تلفزيونيّة، معروفة لليسار والديمقراطيّين التقدميّين، كإحدى المحطّات المستقلّة غير الخاضعة للرأسمال، هي Democracy Now، انفردت بجمعها في مقابلة مشتركة، مع إحدى “طالباتها” اليهوديّات، مايا وايندز، الرافضة للتجنيد، والتي بعد استكمال دراستها في الولايات المتّحدة، أصدرت كتابًا/ بحثًا بعنوان “The Towers of Ivory and Steel: How Israeli Universities Deny Palestinian Freedom”. وأُترجم العنوان بتصرّف: “أبراج العاج والفولاذ: كيف تتنكّر الجامعات الإسرائيليّة لحرية الفلسطينيّين”. وهذا الكتاب يفضح، بالقرائن الدامغة تورّط المؤسّسات الأكاديميّة في مساندة الاحتلال ونظام الأبرتهايد وتوفير الأدوات والخبرة، القانونيّة والتكنولوجيّة، والإعلاميّة، لماكينة القتل وماكينة الدعاية والاكاذيب.

شلهوب أكاديميّة فلسطينيّة، لها أكثر من ١٣٠ منشورًا وكتابًا، ومقالات علمية، في مجال دراسات الإبادة والعنصرية والنسوية والدفاع عن الاطفال، ونُشرت في أفصل الجامعات، خلال الثلاثين عامًا الماضية من حياتها الأكاديميّة. وهي من أبرز النخب الأكاديميّة والمثقّفة التي ظهرت خلال العقود الثلاثة الماضية، داخل الخط الاخضر، هذه النخب التي ساهمت في إعادة إحياء خطاب الاستعمار الاستيطانيّ كإطار تحليليّ في العلوم السياسيّة والاجتماعيّة والأنثروبولوجيّة، وفي تطبيق هذا الإطار على إسرائيل باعتبارها كيانًا استعماريًّا استيطانيًّا أنتج نظام فصل عنصريّ. وقد تبلورت هذه الظاهرة الجريئة بالتوازي، وبعلاقة جدلية، مع ظهور حزب التجمع الوطنيّ الديمقراطيّ ببرنامجه الذي تحدّى يهوديّة وصهيونيّة الدولة، منذ إتفاقيّة أوسلو الكارثيّة. وكان المفكّر عزمي بشارة، القائد السابق لحزب التجمّع، تعرّض لملاحقات سياسيّة وقضائيّة، انتهت به بالمنفى القسريّ، بسبب موقفه الطلائعيّ في تحدّي البنية اليهوديّة والصهيونيّة لإسرائيل، وفضح ديمقراطيّتها العرقيّة و بنيتها الكولونياليّة.

في هذه الأجواء الترهيبيّة والقمعيّة والتحريضيّة غير المسبوقة في نوعها ودرجتها، التي نشهدها، نحن فلسطينيّي ال٤٨، جسّدت نادرة شلهوب نموذجًا في الجرأة و المبدئيّة، وعدم التزحزح عن موقفها. وهي لم تصمت أو تتراجع حتّى بعد اتّساع الحملة ضدّها، ففي مقابلة بالغة الوضوح والصرامة وغير المتردّدة، مع القناة ١٢ الإسرائيليّة في الحادي عشر من هذا الشهر، ونقلت جزءًا منها صحيفة ميدل إيست آي، البريطانيّة، قالت: “إن الصهيونيّة لا يمكنها أن تستمرّ، إنها مجرمة. فقط بعد إلغائها نستطيع الاستمرار” واوصلت حديثها: “إنّهم لا يتورّعون عن استعمال الكذب. بدأوا بكذبة قطع رؤوس الأطفال، ثم قصّة الاغتصاب، وسيواصلون اختلاق ملايين الأكاذيب. وآمل أن يتوقّف العالم عن تصديقهم”.

وعودة إلى الباحثة الإسرائيلية الشابّة، وايندز، صاحبة الكتاب المذكور أعلاه، التي أمضت أربعين يومًا في السجن بسبب رفضها أمر التجنيد الإلزاميّ في الجيش الإبادي، تحدّثت في المقابلة عن تأثّرها باستقامة شلهوب الأخلاقيّة والأكاديميّة. فتقول في المقابلة نفسها، متوجّهة مباشرة إلى شلهوب: “أنا كالكثيرين من الباحثين والباحثات الشباب، تعلّمتُ منك الموقف الأخلاقيّ الصارم، وعدم المساومة في الكتابة الأكاديميّة. نعم، إنّ الإبادة هي فعل بنيويّ للدولة الإسرائيليّة، والمؤسّسات الأكاديميّة الإسرائيليّة متورّطة بصورة منهجيّة في العنف ضدّ الفلسطينيّين”.

ولدت وايندز ونشأت في القدس، ورفضت التجنّد في الجيش الإسرائيليّ، وكلّفها ذلك اعتقالًا لمدّة أربعين يومًا، قبل حوالي ١٥ عامًا. وتردّ وايندز على بعض اليساريّين الذين ينتقدون حملة المقاطعة الأكاديميّة، ويكتفون بتأييد المقاطعة الاقتصاديّة، بالقول: “إن حملة المقاطعة الأكاديميّة للمؤسّسات الأكاديميّة الإسرائيليّة، الصهيونيّة، ضروريّة، لأنّها متورّطة مباشرة في منظومة العنف والإبادة ضدّ الشعب الفلسطينيّ”.

إنّ من الأهميّة بمكان التذكير بأنّ التحلّي بالشجاعة الأخلاقيّة وممارستها، في مجالات الدراسات الأكاديميّة والعلميّة، هو وجه آخر للمعركة الدائرة في سبيل التحرّر والعدالة، وحريّة وكرامة الإنسان. إنّ تلاقي وتلاحم الأكاديميّ الفلسطينيّ الشجاع بالأكاديميّ اليهوديّ الحرّ والمتحرّر من الصهيونيّة، بات جزءًا من جبهة ثقافيّة تقدميّة تحرريّة إنسانيّة واعدة وصاعدة في مواجهة جبهة صهيونيّة غربيّة كولونياليّة دمويّة آفلة.

عن عرب 48

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: عوض عبد الفتّاح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *