في انتظار الهدنة :”ما هي الإنسانيّة بعد غزة؟”


اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

في اليوم الـ 47  للحرب الإسرائيلي على غزة، ما زالت النساء في مراكز الإيواء يرتدين ملابس الصلاة التي خرجن بها هرباً من بيوتهنّ التي تتعرض للقصف، هربن “بما عليهن من ملابس” للنجاة بأنفُسهن وأطفالهِن من الموت. وعلى الرغم من مضي أكثر من شهر، لم يستطعن شراء ملابس جديدة، لأنهن تركن كل ما يملكنَه خلفَهن، ناهيك بأن الكثيرات منهن من الفئات الأكثر فقراً،  أو ما اصطلح على تسميته، الفئات الأكثر هشاشة.

مشاهد اللجوء لا تغادر ذاكرة الفلسطينيين، حتى داخل ما تبقى لهم من وطن لم ولن يغادروه، مشاهدُ واقع مروع، كارثة إنسانية مستمرة بشكل لا يتصوره عقل إنسان، أطفال خدّج في الحضانة مهددون بالموت، آباء معفّرون بغبار القصف يبحثون عن أبنائهم بين الحطام، صحفيون يخبرون العالم بأكمله، أن هذه آخر كلماتهم قبل الموت.

قريباً سيتم الإعلان عن هدنة تمتد لبضع أيام، يقول البعض :”بقي يوم وليلة وتدخل الهدنة الإنسانية”،  في حين يقول البعض الآخر  “هانت وقت قصير ويمضي”، لكن لا يدرك الكثيرون ممن هم خارج غزة، أن هذا “الوقت القصير” كفيل بإنقاذ مئات الأرواح والبيوت.  كان انتظار ليلة الهدنة،  أطول من ألف ليلة، قلق وخوف، ورعب وحزن وغضب.  لا يدرك أحد غير أهل غزة أهمية هذا الوقت القصير-الطويل. 

استمرار الكارثة وإدخال المساعدات الشحيحة،  والحصار المستمر قبل الهدنة، خلق شكلاً اقتصادياً استغلاياً، فالذين يرغبون بالسفر عبر معبر رفح ممن يحملون  جوازات سفر أجنبية وغير أجنبية، كان عليهم التنسيق من أجل مغادرة القطاع مع بعض الجهات الرسمية، التي يجد إثرها المحاصر نفسه مضطراً لدفع ما تصل قيمته إلى 5000 آلاف دولار كي يعبر نحو مصر. يمكن القول، أصبح الحق  في بالتنقل والسفر مكفولاً بالدولارات.

الاستعداد للشتاء 

في اليوم الـ  44 للحرب انشغلنا وسكان الحي الذي نقيم فيه بالاستعداد للأحوال الجوية العاصفة وهطول الأمطار، اغلقنا النوافذ المحطمة والجدران التي سقطت بسبب القصف الإسرائيلي، بما هو متوفر من مواد لحماية أنفسنا من الأمطار والرياح الشديدة باستخدام النايلون أو قطع قماش أو الواح خشبية.

بيت شقيقي أبو محمد وبيت أختي الصغرى متلاصقان، وقد تحطمت جميع النوافذ والأبواب في البيتين، جراء قصف منزل جارهما بداية الحرب، لكن بيت أبو محمد تعرض لضرر أكبر، خصوصاً الطابق الثاني.

بالنسبة لي الوحشية والقسوة سمات إنسانية من الصعب إنكار وجودها، لا فقط بسبب  القتل والدمار، بل أيضا يسبب حرمان الناس من الحصول على احتياجاتهم الأساسية الإنسانية، أي الحد الأدنى من الغذاء والماء، والسكن الذي لا يرقى لبعض سكان قطاع غزة إلى مستوى خيمة. 

ما يحصل في غزّة فاتحة نحو سؤال شديد البساطة: “ما هي الإنسانيّة بعد غزة؟”.

الرغبة بالانتقام

في اليوم الـ 46 للحرب، وبعد آلاف القتلى والجرحى، لم يشف بعض من في إسرائيل غليلهم، مسؤولون وصحافيون وقادة عسكريون سابقون، يتحدثون عبر الشاشات والصحف وكأن “الإبادة” لم تستوف بعد رغبَتهم بالانتقام. بعضهم يرى أن غزة لم تدمر بما فيه الكفاية، ويجب تعميق الأزمة الإنسانية كي تنتشر الأوبئة والأمراض، هذا ما قاله رئيس مجلس الأمن القومي السابق، جيورا ايلاند، في مقال له نشر في صحيفة يديعوت أحرونوت.

تعيش إسرائيل وسط فقاعة وتحيط نفسها بقوّة عسكريّة وقبب حديديّة وجدران من اسمنت وأيدولوجيا، كما تتنكر وتتجاهل حقوق الفلسطينيين، ضمن نظام حكم وصفته الكثير من التقارير المقدمة للأمم المتحدة بأنه قائم على الفصل العنصري في الأراضي التي تحتلها. 

ترى إسرائيل أنها ستقضي على مقدرات حماس، وتدمر رموز النضال الفلسطينيّ، كتمثال ياسر عرفات، ما تبحث عنه إسرائيل هو “النصر”، لكن ما حققته إلى الآن ليس إلا القتل والدمار، و”صورة النصر” التي روجت لها الجماعات المتطرفة في إسرائيل، لم تكن سوى صورة المهجرين من شمال غزة وهم يحملون الأعلام البيضاء هرباً للنجاة بحياتهم.

الغريب، وما يدفع للتشكيك بمفهوم الإنسانيّة نفسه، هو تلكؤ بعض قادة الغرب بطلب وقف إطلاق النار، بل أن بعضهم، لم يره كخيار مطروح على الطاولة، ناهيك بموقف بعض الأنظمة العربية والاسلامية  الذي قد يصل التواطؤ، إذ لم يُضغط على إسرائيل سوى ببيانات التنديد والشجب، وتحريك الحشود في الشوارع، تلك التي ما زال الخوف من الأنظمة القمعيّة يسكنها، خصوصاً بعد هزيمة الربيع العربيّ، إذ لم تتوجه بأصابع اللوم والاتهام إلى حكّامها.

 لا يمكن أن يتوقف الألم الفلسطيني، ولن يتوقف، برأيي وفهمي لا نصر لأحد  في استمرار القتل، ولا توجد وسيلة لتدمير حماس إلا بقتل جميع الفلسطينيين، وهذه ذريعة لاستمرار “الإبادة”. أعمال القتل والتدمير التي نفذتها إسرائيل في غزة منذ عقود طويلة تجاوزت عتبة “الدفاع عن النفس”، لكن إسرائيل (وجزء من العالم) في  حالة إنكار. 

أثبت التعلق بوعود الرئيس الأمريكي جو بايدن فشله، وأرى أن المسؤولية التي يحملها الفلسطينيّ الآن، لا تكمن في طلب العدالة فقط، بل الاستمرار في الحياة، والعمل بشكل موحد لبناء مشروعهم الوطني، وإفشال المخططات الإقليميّة والعالميّة لتصفية قضيتهم.

عن درج ميديا

اشترك معنا في قناة تلغرام: اضغط للاشتراك

حمل تطبيق الملتقى الفلسطيني على آندرويد: اضغط للتحميل

Author: مصطفى إبراهيم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *