في اليوم العالمي للشباب: الشباب الفلسطيني… الخسائر والآفاق المستقبلية

يقدم “اليوم العالمي للشباب” فرصة جادة لقراءة واقع الشباب من كلا الجنسين في فلسطين، حيث يمثل الشباب أهم الموارد البشرية التي يمتلكها أي مجتمع وإحدى المقومات الرئيسية في التحديث والتنمية، وضمانه تقدمه وازدهاره حاضراً ومستقبلاً. وعليه، تستعرض الورقة واقع الشباب الفلسطيني وتعقيداته في ضوء الانقسام الفلسطيني وضبابية أفق الحل السياسي، بهدف تزويد صناع القرار بمجموعة من الحلول والسياسات والتدخلات المطلوبة، والتي من شأنها المساهمة بتعزيز رأس المال الفلسطيني “الشباب” ووقف الخسائر الناجمة عن واقعهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.

الشباب… خسائر متلاحقة:

بعد أن تجاوزنا منتصف العام 2022، لابد من قراءة واستعراض واقع قطاع الشباب الفلسطيني، ضمن الفئة العمرية من (18-29) عام بحسب تصنيف الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، حيث يشكل الشباب خمس المجتمع الفلسطيني؛ (22%) من إجمالي السكان في فلسطين منتصف العام 2021. أما الفئة العمرية (0-14) – شباب الغد، تمثل ثلث المجتمع الفلسطيني، والتي مثلت في منتصف العام 2022 بحوالي 38% من مجمل السكان فـي فلسطين، بـواقع 36% في الضفة الغربية و41% في قطاع غزة[1].

على الرغم من هذه الطاقات الكامنة في المجتمع الفلسطيني، يعاني الشباب منذ سنوات خسائر متلاحقة على كافة الصعد والمستويات، السياسية والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية والتعليمية. وكان أخطرها الانقسام الذي أفضى إلى مزيدٍ من التعقيدات والتحديات على فئة الشباب، فهم وقود الاقتتال وضحاياه، وهم مادة الاستقطاب وأدواته، إضافة إلى آثاره السلبية التي ألقت بظلالها على كافة مناحي الحياة ومتطلباتها[2].

تتركز الأبعاد الرئيسية التي توضح خسائر رأس المال الفلسطيني- الشباب، في عدد من الجوانب فنجد أن الاستبعاد القسري من المشاركة السياسية في ضوء تعطل الانتخابات العامة إضافة للإجراء غير المنتظم للانتخابات المحلية (زمنيا وجغرافيا) يدور في فلك انقسام جغرافي مدفوع بانقسام سياسي، وغير بعيد عن واقع اقتصادي تتصاعد فيه قراءات المؤشرات الكلية نحو الهاوية؛ وتبرز من خلال أرقام بطالة غير مسبوقة عالميا وصلت حوالي 69% بين الشباب بقطاع غزة وحوالي 28% بالضفة الغربية، هذا يعني أن الأنشطة الاقتصادية الفلسطينية أصبحت غير كفؤة بما يؤسس لتوليد فرص عمل والخروج من هذا المأزق. ناهيك عما يتعرض له المجتمع الفلسطيني من هزات مستمرة بفعل الاحتلال الإسرائيلي إلى ارتفاع مستويات العنف، وما خلفه الانقسام من تداعيات خطرة على السلم الأهلي. إن انعدام الثقة بالمستقبل، أفقد الشباب شعورهم بالانتماء والهوية، وعزز فكرة الهروب من الواقع بطلب الهجرة للخارج، خاصة الشباب في قطاع غزة.

الآفاق المستقبلية… السياسات والتدخلات المطلوبة:

أولاً: وقف الخسائر

رسم البنك الدولي استراتيجية “رأس المال البشري” بهدف تعزيز وتسريع وتيرة زيادة الاستثمارات في البشر كمًّا وكيفاً من أجل تعزيز الإنصاف والنمو الاقتصادي على المستوى العالمي. وفيما يتعلق بالبيانات الفلسطينية، أشار تقرير البنك الدولي “مؤشر رأس المال البشري 2020” بأن إنتاجية الطفل المولود في الضفة الغربية وقطاع غزة بنسبة (58%) إذا ما تحصلوا على خدمات تعليمية وصحية متكاملة، وهو أعلى من المتوسط في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والبلدان ذات الدخل الأدنى[3]. وبالتالي، يبدأ تعزيز “رأس المال البشري” في فلسطين من خلال تعزيز وبناء “رأس المال الاجتماعي”؛ فقد أوضحت سنوات الانقسام الحاجة الماسة للتعاضد والتكافل والعمل المشترك، وليس ذلك وحسب، ولكن بناء نوع من الثقة والشعور بالمصلحة العامة أو الجماعية التي افتقدناها وبقوة خلال السنوات الماضية، فالواقع الفلسطيني الحالي مشتت وغير واضح في كل الجوانب والساحات، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتربوياً، والتغيرات التي حدثت خلال السنوات الماضية في المجتمع الفلسطيني[4]. وتبدأ سياسة وقف الخسائر من خلال منظومة قيم يرافقها تحول من الاغاثي الى التنموي مدفوعا بتشبيك حقيقي بين أطر المجتمع المدني وتحسين استجابة الشباب نحو الثورة الصناعية الرابعة ومتطلبات الرقمنة، والذهاب نحو توحيد الاستراتيجيات الموجهة للشباب منطلقين من نظريات رأس المال الاجتماعي. يعزز ما سبق أدوات الصمود في مواجهة تجاوزات الاحتلال أو حتى الكوارث الطبيعية كما حدث نتيجة كوفيد.

ثانياً: صناعة القيادات الشابة

هنالك الكثير من النظريات العلمية التي بحثت ظاهرة “القيادة”، ما يهمنا من كل تلك المقاربات النظرية هو طريقة إسقاطها على رأس المال الفلسطيني- الشباب، بدءً بالاهتمام بالتربية والتعليم والصحة في سن مبكرة (0-14) سنة؛ فصنع قيادات شابه واعية تدرك تحديات المستقبل وترسخ معاني الإبداع والابتكار في سن مبكرة أهم بكثير من إسقاط نظريات القيادة على الشباب بعد انتهاء السن الشبابي. ويمكن تعزيز صناعة الشباب الفلسطيني من خلال تحديث منظومة التعليم بما يتلاءم مع البيئة الفلسطينية، والتأسيس للاستثمار الاجتماعي في سن مبكر بما يؤسس لخلق بيئة تحفيزية للشباب، وذلك لاكتشاف أنفسهم وتحقيق أهدافهم واكتساب مهارات ومعارف تنعكس فيما بعد في سلوكهم وأنماط حياتهم.

في الختام، يمكن القول بأن عملية التحديث والتنمية الخاصة بالشباب الفلسطيني تتطلب رسم خطط وبرامج للفئات العمرية المختلفة بشكل عاجل، وليس تركها أو تأجيلها لحين الانتهاء من الانقسام وعقد الانتخابات، فكيف يمكن مشاركة الشباب سياسياً واقتصادياً واجتماعياً دون تنشئة سليمة!.

عن المؤسسة الفلسطينية للتمكين

Author: يحيى قاعود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.