في النقد الفلسطيني الراهن: بين إشكالية الضرورة وتوفير الرصاص للآخرين

 

النقد والنقد الذاتي هو حجر الصوان، الذي يفرك التكلس والعفن المتراكم، كشّاف الضوء الذي يلاحق زوايا العتمة، التي تحاول التخفي بعيدا عن العيون. الشرط الشارط لديمومة أي مشروع فكري أو سياسي أو دولتي أو مؤسساتي، أو حتى فردي هو تلازمه مع النقد. التعالي على النقد يعني شيئا واحدا هو التردي في مستنقعات التكلس والجمود.

نظرة سريعة وعابرة على أوضاعنا العربية، سياسيا، اجتماعيا، ثقافيا، دينيا، علمياً، وكلياً، تقدم لنا الدليل المرير تلو الآخر على تراكم طبقات الاستنقاع والتكلس، وجذرها الأهم غياب النقد، وهو الغياب الذي تعتاش عليه السلطويات بأنواعها، والديكتاتورية، وتقديس الأصنام التي يتم تخليقها في كل سياق. كتبتُ ذات وقت أن «الفكرة النافذة، أو السيرورة الأكثر تماسكا، تنجح وتستديم بالقدر الذي تتبنى فيه النقد الذاتي، لأن هذا النقد هو الآلية الوحيدة التي تضمن التصويب المُستمر للأخطاء، وتعيد مقاربة الأشياء بالشكل الأكثر قربا لما هو مُفترض ومتوقع، من فاعلية للوصول الى ما هو مرغوب من أهداف. وفي سياق مركزية النقد هذه وسيرورتها يمكن الانتقال الى نقاش معنى ودور المثقف الناقد»، (من كتاب «المثقف القلق»).

فلسطينيا، ساهم غياب النقد والنقد الجذري في زيادة مستويات العفن والفشل على مدار عقود، أنتجت ترديا أضيفت إليه تعقيدات موازين قوى ظالمة وباطشة، اصطف فيها الغرب وقواه الجبارة مع الصهيونية ومشروعها منذ البداية. ذاتيا، تجمدتْ السياسة والأفكار والممارسات، وتعالى بعضها من تواضع مستوى الأداة والوظيفة إلى مرتبة المحرم والمقدس. نأت تلك الممارسات بنفسها فوق النقد، ومعها تعالت قيادات ورموز وأسماء حمت نفسها من النقد، من خلال تخاريف القداسة التي أهالتها على ذاتها (في تقليد رث لقداسات القيادات العربية وديكتاتورييها المُبجلين).

بإيجاز إذن: كلما غاب النقد اتسع المُستنقع وفاضت مياهه الآسنة، ليغرق الحاضر ويحاول أن يُغرق المُستقبل. هذه مقدمة ضرورية لما سيلي من سطور قد يقرأ فيها البعض تعارضاً مع الموقف النقدي الأولي، والاولي دوما. وتفادياً لأي تأويل قد يُفهم منه الدعوة إلى «التوقف عن النقد»، من المهم إعادة التوكيد على جوهرية النقد كآلية دائمة الممارسة والتبني. بيد أن للسياقات الظرفية العابرة إكراهاتها الجبروتية أيضا.

في اللحظة الفلسطينية والعربية الراهنة، هناك معطيات وأجواء مسمومة، وتوظيفات تحول الموقف النقدي الأولي والمبدئي إلى أداة يتم استخدامها لإعادة تركيب سرديات، وتسويغ سياسات، وتقديم تبريرات للتهافت التطبيعي المتدحرج مع إسرائيل. تتفاقم التوظيفات للنقد الفلسطيني الذاتي، وللحالة الفلسطينية السياسية المُترهلة قياديا وفصائليا وانقساميا، في ظل «عدم توازن نقدي» عربي ـ فلسطيني على مستوى القيادات والأداء، وهو عدم توازن يوفر إمكانية انتقاد الفلسطيني الرسمي والشعبي معا، بحرية مُطلقة، بينما يُلجم أي نقد موازٍ للرسمية العربية المُطبعة. لنحاول أولاً ترسيم بعض جوانب المشهد الراهن: الاختلال في «ميزان القوى النقدي» العربي – الفلسطيني، يوفر إمكانية نقد الفلسطينيين، قيادة وتنظيمات وشعبا أيضا، من قبل الرسميات التطبيعية ومؤيديها، بينما لا يوفر الإمكانية ذاتها، لتوجيه مستوى النقد نفسه، للأنظمة المتهالكة على التطبيع وحكوماتها، ونخبها الرسمية والإعلامية. يتمثل هذا الاختلال في «قوى الإعلام» المملوكة من قبل تلك الأنظمة، والرساميل المالية التي تُنفق عليها، والتي تمددت من الإعلام التلفزيوني إلى وسائط الإعلام الاجتماعي، حيث يتم تفريغ طاقات وأصوات و»كتائب» إلكترونية لها رواتب منتظمة.

في قلب المشهد أيضا، ثمة اندفاعة جارفة لتطبيع عربي وخليجي مع إسرائيل، مهجوسة أنظمتها بتبرير سياساتها واندفاعتها التطبيعية، بكل الوسائل والخطابات التي استلزمت تبني عدة استراتيجيات على مدار السنوات الماضية. تضمن ذلك إطلاق جيوش من الذباب الإلكتروني على وسائل الإعلام الاجتماعي، تتبنى خطابا شتائميا ضد الفلسطينيين (قيادة، ومنظمات وشعبا)، ومكونات هذا الخطاب تتنوع اتهاما، من أن الفلسطينيين هم من طبع أولا مع إسرائيل، وأنهم باعوا أرضهم، وأن قياداتهم فاسدة، وأنهم عملاء لهذه القوة الإقليمية أو تلك، وأنهم ناكرو جميل لما قدمته الأنظمة التي تريد التطبيع الآن، وغير ذلك من الاتهامات التي لا تنتهي. لم تكن إسرائيل بعيدة عن هذه الحرب الإعلامية النفسية طويلة المدى، حيث انخرطت فيها بشكل مباشر وغير مباشر، وعبر حسابات وهمية أو حقيقية، وتُوجت كل الجهود تلك بشكر نتنياهو لرئيس الموساد على جهوده المديدة في تهيئة الرأي العام العربي والخليجي لاتفاقية السلام مع الإمارات. حدث ذلك على مدار أكثر من عقد من السنوات، وقليل منا كان يتابع ما يحدث من اختراق وخراب وتخريب متواصل. الخطاب المعادي للفلسطينيين، صوّرهم فاسدين، سواء على مستوى القيادة أو الأحزاب، أو حتى الأفراد. كل ذلك حتى يُبرر للأنظمة ما هي بصدد الإقدام عليه، وهي التي كانت تفرك يديها غبطة، إذ تراقب التحول الجزئي للخطاب الإعلامي العربي على المستوى الشعبي، خاصة الخليجي، وخاصة على وسائل الإعلام الاجتماعي، الذي سوف يساعدها في الإقدام على التطبيع.

المثير والمُفارق في المشهد الإعلامي (والنقدي) خلال السنوات الماضية التي شهدت تفاقم الخراب الخطابي، إزاء فلسطين، تمثل في أن نقد الفلسطينيين قيادة وأحزابا، والتهكم عليهم واستسخافهم، تم وما زال يتم على أهم وسائل الإعلام العربية سواء التابعة لمحور «المقاومة»، أو محور «الاعتدال». ومع تنويعات في الدرجة واللهجة، وحسب التوقيت، تستسهل «الطائفتين» الإعلاميتين الولوغ في نقد الفلسطينيين طولا وعرضا، ولا تخشى أي وسيلة إعلامية أي أكلاف سياسية أو مالية، أو دعائية جراء ذلك. الفلسطينيون هم الضحية الأسهل شتما وتهكما ولعنا. في المقابل، لا تتجرأ أي وسيلة إعلامية تلغ في النقد الفلسطيني بلا حدود، سواء «ممانعة»، أو «معتدلة» من توجيه ولو الحد الأدنى من النقد لنظام الحكم الذي تشتغل له وتدور في فلكه. ولا تجرؤ جحافل الجيوش الإلكترونية التي تهاجم الفلسطينيين من توجيه ولو أقل القليل من النقد لأنظمتها. وإذا كانت السلطة الفلسطينية فاسدة ماليا مثلا، وهو اتهام فيه الكثير من الصحة، فإن فسادها لا يمثل عشر الفساد المالي، وهدر الأموال وتضييع الثروات التي تشهدها كل الأنظمة التي يُنتقد من على منابرها فساد السلطة. ليس هذا دفاعا عن السلطة طبعا، ولا تبريرا لأي فساد مالي، لكن هذه المقارنة تهدف إلى توكيد الإشارة المهمة إلى أن فقدان «توازن القوى النقدي» يؤدي إلى شيطنة تامة ومطبقة للفلسطينيين تتجاوز بعيدا مسألة النقد الهادف سواء الإيجابي أو السلبي.

في المشهد الراهن أيضا ثمة مكون فلسطيني يفاقم ميلان ميزان القوى النقدي، العربي ـ الفلسطيني، يتجسد في النقد الفلسطيني الذاتي الذي يقوم به مثقفون وسياسيون، وكتاب فلسطينيون، سواء للسلطة الفلسطينية، أو لمنظمة التحرير، أو لأدائهم السياسي والنضالي، سواء في الضفة الغربية، أو قطاع غزة، بما في ذلك حماس وبقية الفصائل والهيئات. من الممكن القول بأن النقد الفلسطيني الذاتي وجذريته، وعلى مدار أكثر من عقدين من الزمن، عمر أوسلو، وقبل ذلك أيضا، كان وما زال من أشد أنواع النقد الذاتي وأكثره جذرية. هذا النقد لم ينجح في تغير الواقع وتكلساته ومستنقعه السياسي السلطوي، الذي اعتاش بشكل كبير على تحالفات عضوية مع المستنقع العربي الرسمي الأوسع.

ومع ذلك فقد استمر هذا النقد حتى هذه اللحظة، والآن يُستخدم من قبل أدوات وإعلام أنظمة التطبيع، للتدليل على فساد القيادات الفلسطينية، وعدم أهلية الفلسطينيين، سواء في الضفة الغربية، أو قطاع غزة، وحتى في الداخل الفلسطيني، للقيام بأي دور قيادي.

يُظهر المشهد الراهن أيضا جانبا آخر من مأساوية الشعبوية والغرائزية، التي اشتغل عليها الإعلام التطبيعي، ونقل المعركة من نقد للسلطات والرسميات والقيادات، إلى شتائم واتهامات للفلسطينيين كشعب وأفراد وتجمعات. تطورت «عنصرية» حقيقية ضد الفلسطينيين تتمثل في أوصاف واتهامات، لا يجرؤ أصحابها على وصف إسرائيل والإسرائيليين بها، ولو فعلوا لأغلقت حساباتهم ووسائلهم الإعلامية بتهمة اللاسامية ومعاداة اليهود. ليس هناك الآن أي قانون يحظر خطابات الكراهية والعنصرية ضد الفلسطينيين في وسائط الإعلام الاجتماعي المسمومة تطبيعيا، والتي تتغزل بإسرائيل وتلعن الفلسطينيين صباح مساء. وهكذا يجد النقد الفلسطيني الذاتي نفسه واقفا من حيث لا يريد، ولا يدري في مربع المعادين لكل ما هو فلسطيني، يوفر لهم الأدلة والشواهد والحالات التي تُساق في النقد الداخلي، حيث توظف من قبل خطاب شعبوي لتسديد المزيد من الضربات إلى الجسد الفلسطيني المُنهك.

مرة أخرى، لا يعني ما سبق التوقف عن النقد الذاتي الفلسطيني، وعن تعزيز المراجعات والمطالبة بتغيير المسارات والقيادات، وكل ما ثبت تكلسه واستنقاعه. لكن الهدف هنا هو التأمل في هذه المفارقة المؤلمة، واستثارة نقاش حولها بغية تصويب الاختلال في ميزان القوى النقدي ما أمكن وترشيده. أرباع المثقفين وأشباه الأكاديميين، وأعشار الإعلاميين التطبيعيين، الذين يتصايحون هذه الأيام في وجه الفلسطينيين مُطالبين بالنظر في أوضاع أوطانهم وأنظمتهم وحكامهم الذين يستبدون بشعوبهم وثرواتهم، ويبددونها في كل اتجاه، ويريدون أن يُلحقوا أوطاناً كريمة بإسرائيل وأطماعها التي تريد أن تفرض عليهم وعلى المنطقة قيادتها وسيطرتها. عندما يتحول هؤلاء إلى مجرد أبواق للسلطة، فإنهم يطعنون أوطانهم وشعوبهم في الصدر والظهر، وعندما لا يتحلون بالحد الأدنى من مسؤولية النقد الذاتي، فإنهم يرتكسون إلى شعراء قبائل ينسخون ما كان يردده شاعر غزية، وهو يبرر لها كل غزواتها بعماء المُتبع لا فطنة الحريص.

القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *